ليبيا: حراس النفط يتحولون إلى ورقة ضغط

تهديد بإغلاق الحقول يكشف هشاشة السيطرة على المورد الذي يمثل نحو 90 بالمئة من الاقتصاد.
الثلاثاء 2026/09/15
مأزق إدارة النفط في ليبيا

طرابلس- عاد النفط الليبي إلى واجهة الصراع الداخلي، لكن هذه المرة من بوابة الجهة المكلفة بحمايته. فقد أوقفت المؤسسة الوطنية للنفط العمليات في حقلي الحمادة والطهارة ومحطة ضخ، بعدما أقدم أفراد من حرس المنشآت النفطية على إغلاق صمام خط الشحن الرئيسي الحمادة-الزاوية، فيما هدد الجهاز بخفض الإنتاج ثم إغلاقه بالكامل إذا لم تستجب السلطات لمطالبه الإدارية والمالية.

وتكشف الواقعة مفارقة تختصر جانبًا من مأزق إدارة النفط في ليبيا: الجهة التي يفترض أن توفر الحماية للحقول وخطوط الأنابيب والمحطات باتت تمتلك القدرة على تعطيلها واستخدام الإنتاج النفطي ورقة ضغط في مواجهة الحكومة والمؤسسة الوطنية للنفط. وبذلك ينتقل الخلاف حول تبعية الجهاز وحقوق العاملين فيه من ملف إداري إلى أزمة يمكن أن تضرب المورد الرئيسي للاقتصاد الليبي.

وقالت المؤسسة الوطنية للنفط إنها قد تضطر إلى إعلان حالة القوة القاهرة إذا استمر إغلاق الصمام أو تعرضت حقول أخرى لإغلاقات مماثلة، محذرة من تداعيات توقف الإنتاج في هذا التوقيت الذي تشهد فيه أسعار النفط الخام ارتفاعًا. واعتبرت أن إغلاق الحقول ووقف الإنتاج يمثلان ضربة قاسية للاقتصاد الوطني.

ولا تبدو هذه المرة الأولى التي يصبح فيها النفط الليبي رهينة للتجاذبات الداخلية. فمنذ انتفاضة 2011، تعرض الإنتاج والصادرات إلى عمليات إغلاق متكررة بسبب الخلافات السياسية والأمنية والمطالب المحلية، ما جعل استقرار القطاع النفطي مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة السلطات على احتواء القوى التي تملك نفوذًا مباشرًا على مواقع الإنتاج والتصدير.

◄ استمرار الخلاف من دون معالجة مؤسسية قد يرسخ واقعًا تكون فيه السيطرة على صمام أو حقل نفطي أكثر تأثيرًا من القرار الصادر عن المؤسسات الرسمية

لكن التطور الحالي يلفت الانتباه إلى مستوى آخر من المشكلة، يتعلق بالبنية المؤسسية التي تدير حماية القطاع. فحرس المنشآت النفطية طالب بنقل تبعيته «ماليًا وإداريًا إلى المؤسسة الوطنية للنفط»، بينما يعمل الجهاز حاليًا تحت إشراف وزارة الدفاع. ويطالب الحرس الحكومة والمؤسسة باتخاذ إجراءات عاجلة لاستكمال الترتيبات الإدارية والمالية ووضع جدول زمني واضح لتنفيذها.

ويعكس هذا الخلاف تداخلًا مستمرًا بين الأمن والإدارة والاقتصاد في ليبيا. فالمنشآت النفطية تحتاج إلى حماية مسلحة بسبب طبيعة البيئة الأمنية، لكن ارتباط الجهات التي توفر هذه الحماية بمؤسسات متعددة يفتح الباب أمام خلافات حول التمويل والتبعية والقرار. وعندما تتحول هذه الخلافات إلى تعطيل للصمامات والحقول، يصبح الإنتاج نفسه أداة تفاوض.

تكمن خطورة هذا النوع من الأزمات في أن قطاع النفط لا يمثل مجرد نشاط اقتصادي عادي بالنسبة إلى ليبيا. فالإنتاج النفطي يشكل المصدر الأساسي للإيرادات العامة، ويعتمد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على عائداته لتمويل الإنفاق العام وتوفير العملة الأجنبية.

ولهذا فإن أي توقف، حتى لو كان محدودًا، لا يبقى محصورًا في الحقل أو محطة الضخ التي تعرضت للإغلاق، بل يمكن أن يمتد أثره إلى الإيرادات الحكومية والإنفاق العام وثقة الشركات والأسواق في قدرة ليبيا على الحفاظ على تدفق صادراتها.

والأكثر حساسية أن التهديد الحالي يتجاوز الإغلاق الذي حدث بالفعل. فقد أعلن حرس المنشآت النفطية أنه سيطبق خفضًا جزئيًا للإنتاج لمدة أسبوع في عدة حقول، قبل الانتقال إلى إغلاق كامل إذا لم تتم تلبية مطالبه. وهذا يعني أن الأزمة تحمل قابلية للتوسع، وأن المؤسسة الوطنية للنفط تواجه خطر تحول الإجراء المحدود إلى تعطيل أوسع لشبكة الإنتاج.

◄ الجهة التي يفترض أن توفر الحماية للحقول وخطوط الأنابيب والمحطات باتت تمتلك القدرة على تعطيلها واستخدام الإنتاج النفطي ورقة ضغط

ومن هنا تصبح قدرة الدولة على منع تكرار الإغلاقات أهم من معالجة الواقعة الحالية فقط. فاستمرار استخدام المنشآت النفطية كوسيلة للضغط يكرس نمطًا يجعل الإنتاج عرضة لكل خلاف سياسي أو إداري أو مالي، ويصعب معه بناء سياسة نفطية مستقرة يمكن الاعتماد عليها على المدى الطويل.

السؤال الذي تطرحه الأزمة لا يتعلق فقط بمن يدير حرس المنشآت النفطية، وإنما بمن يمتلك القرار الفعلي عندما يتعلق الأمر باستمرار الإنتاج. فإذا كانت الجهة التي تتولى حماية الحقول قادرة على إغلاق خطوط النقل، فإن استقرار الإنتاج يصبح مرتبطًا بتفاهمات أمنية ومؤسسية تتجاوز صلاحيات المؤسسة الوطنية للنفط نفسها.

وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف الأساسية في الاقتصاد الليبي: الدولة تحتاج إلى النفط لتمويل مؤسساتها، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في ضمان حماية هذا المورد من التجاذبات بين المؤسسات والقوى المسلحة والمصالح المحلية.

ولا يعني ذلك أن مطالب حرس المنشآت النفطية غير مشروعة بالضرورة، إذ تتعلق بالتبعية الإدارية والمالية للجهاز. لكن تحويل هذه المطالب إلى خفض للإنتاج أو تهديد بإغلاق الحقول يرفع كلفة الخلاف إلى مستوى لا يحتمل بالنسبة إلى اقتصاد يعتمد أساسًا على صادرات النفط.

وتزداد المفارقة وضوحًا عندما تكون الجهة المحتجة هي نفسها الجهة المكلفة بحماية المنشآت. فبدل أن يكون النفط محميًا من الضغوط السياسية والأمنية، يصبح موقعه داخل بنية الدولة سببًا إضافيًا لتعرضه للضغط.

وتضع الأزمة الحكومة والمؤسسة الوطنية للنفط أمام اختبار مزدوج: احتواء المطالب التي يرفعها حرس المنشآت النفطية، ومنع تحول الخلاف إلى سابقة تسمح بتعطيل الإنتاج كلما نشأ نزاع حول الأجور أو التبعية أو الموارد.

وفي المقابل، فإن استمرار الخلاف من دون معالجة مؤسسية قد يرسخ واقعًا تكون فيه السيطرة على صمام أو حقل نفطي أكثر تأثيرًا من القرار الصادر عن المؤسسات الرسمية. وهذه ليست مشكلة إنتاجية فحسب، وإنما مسألة تتصل بجوهر قدرة الدولة على إدارة مواردها السيادية.