لماذا لا يمكن الانتظار أكثر لتنفيذ خطة السلام الأميركية في غزة؟

استمرار التأجيل يمنح حماس فرصة لتعزيز قبضتها العسكرية والسياسية، ويضع السلطة الفلسطينية في موقف ضعف
الأحد 2025/12/28
للتأخير تداعيات إقليمية أوسع

واشنطن- تحتاج خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة إلى دفعة قوية عندما يلتقي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 29 ديسمبر.

وحتى عيد الميلاد، بدا أن الخطة متعثرة، لكن هذا جزئياً فقط، إذ تكمن المشكلة الكبرى في رفض حركة حماس التخلي عن أسلحتها، إلا أن الحل بيد الرئيس ترامب أكثر مما يدرك كثيرون.

ويرى الباحث توماس ووريك في تقرير نشرته مجلة ناشونال أنتريست الأميركية أن التأجيل في هذه المرحلة ليس مجرد مسألة بروتوكولية أو سياسية رمزية، بل يحمل تداعيات مباشرة على الأمنين الفلسطيني والإسرائيلي ويزيد من معاناة مليوني غزاوي يعيشون منذ سنوات في ظروف مأساوية، إذ يعانون من الفقر، وانقطاع الخدمات الأساسية، ونقص الغذاء والدواء والكهرباء.

ويشير الباحث إلى أن أي انتظار قد يؤدي إلى تعميق هذه الأزمة الإنسانية، ويترك المجال للجماعات المسلحة لاستغلال الفراغ الأمني والسياسي.

ويتمثل أحد أبرز المعوقات أمام تنفيذ خطة السلام هو رفض حركة حماس التخلي عن أسلحتها أو التنازل عن السيطرة على الجزء الغربي من القطاع، المعروف بالخط الأصفر.

ويجعل هذا الواقع أي خطة للسلام أو إعادة الإعمار غير قابلة للتنفيذ إذا انتظر المجتمع الدولي حتى يتم التوصل إلى حل شامل يرضي جميع الأطراف.

ويمثل الاعتماد على مبادرة حماس الطوعية في نزع السلاح أو تسليم السلطة المدنية مخاطرة استراتيجية كبيرة، إذ من المحتمل أن يؤدي إلى إفشال الخطة وتأجيل إعادة الإعمار إلى أجل غير محدد، ما يزيد من المعاناة الإنسانية ويضعف ثقة السكان في أي جهود دولية مستقبلية.

كما أن سيطرة حماس على الجزء الغربي تمنحها نفوذاً سياسياً كبيراً داخل القطاع، وهو ما يعقد إمكانية تنفيذ أي سلطة فلسطينية جديدة دون مواجهة مباشرة مع القوى المسلحة، ويضع الحكومة الفلسطينية المؤقتة والمجتمع الدولي أمام تحدي مزدوج: ضمان الأمن وإعادة الخدمات الأساسية دون الانزلاق في صدامات مسلحة قد تكلف أرواح المدنيين.

ومن الجانب الأمني، يشكل استمرار سيطرة حماس على نصف القطاع وخزانات أسلحتها تهديداً مزدوجاً؛ فهو يعرض السكان المدنيين للابتزاز والاعتداءات ويهدد إسرائيل باستمرار الهجمات التي قد تتطور إلى مواجهات واسعة النطاق.

ويترك أي تأجيل لإعادة الإعمار وإرساء نظام حكم مؤقت المنطقة في حالة فراغ أمني قد تستغله الجماعات المسلحة، ويعطل وصول المساعدات الإنسانية الأساسية، مما يزيد الضغط الاقتصادي والاجتماعي على السكان ويضاعف معاناتهم اليومية.

وتتجاوز هذه المخاطر حدود غزة لتؤثر على استقرار المنطقة بأكملها، إذ أن استمرار التوترات المسلحة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية ويجذب تدخلات إقليمية قد تزيد الصراعات حدة وتعقيداً.

ويشكل العامل الاقتصادي والاجتماعي سبباً إضافياً لضرورة التحرك العاجل، إذ يجعل غياب التمويل العربي المباشر نتيجة استمرار سيطرة حماس على السلاح البدء بإعادة الإعمار صعباً للغاية، إذ لا توجد دولة عربية مستعدة لتقديم مليارات الدولارات دون ضمانات أمنية وسياسية.

وفي الوقت نفسه، يعاني السكان من ارتفاع معدلات البطالة والفقر وانقطاع الخدمات الأساسية، ما يجعل كل يوم تأخير قراراً كارثياً.

وتوضح المبادرات القائمة، مثل خطة توني بلير ونظام توريد غزة، أن البدائل ممكنة، لكنها بحاجة إلى التنفيذ الفوري لتجنب تفاقم الأزمات الإنسانية والاجتماعية.

ويمكن أن يوفر بدء إعادة الإعمار حتى في مناطق محددة شرق الخط الأصفر نموذجاً عملياً للأمن وإعادة البناء، ويضع الأسس لنزع سلاح تدريجي تحت إشراف دولي فعال، كما يتيح إشراك رأس المال الخاص وشركات الأمن الخاصة لتجاوز العقبات التي تمنع تدخل الحكومات العربية أو القوات الدولية التقليدية.

الرئيس دونالد ترامب يملك فرصة لبدء إعادة إعمار قطاع غزة. التأجيل سيؤدي فقط إلى زعزعة الاستقرار.

ويضعف التأجيل أيضاً مصداقية الولايات المتحدة على المستوى السياسي والدبلوماسي أمام الفلسطينيين والإسرائيليين والدول العربية.

ويقول الباحث إن سكان غزة بحاجة لرؤية تقدم ملموس على الأرض، وإظهار أن المجتمع الدولي قادر على تنفيذ خطة سلام قابلة للقياس والتقييم.

ويمنح استمرار التأجيل حماس فرصة لتعزيز قبضتها العسكرية والسياسية، ويضع السلطة الفلسطينية في موقف ضعف، ويزيد من فرص الفساد الإداري، وهو السبب الرئيسي لفقدان الثقة بين الفلسطينيين.

كما أن أي تأخير قد يؤدي إلى فقدان الولايات المتحدة للقدرة على تحديد جدول زمني واضح لإعادة الإعمار، ما يزيد من التوترات الإقليمية ويضعف النفوذ الأميركي في المنطقة.

وهناك ثلاثة خيارات رئيسية أمام الرئيس ترامب لتنفيذ خطة السلام، الأول هو السماح لإسرائيل بشن عمليات عسكرية ضد مقاتلي حماس لإضعاف قدرتهم على مقاومة خطة السلام، وهو خيار قد يسهل التطبيق لاحقاً لكنه يحمل مخاطر كبيرة بما في ذلك خسائر بشرية واسعة وتعطيل وصول المساعدات الإنسانية وزيادة حدة العنف لفترة غير محددة.

والخيار الثاني هو خطة توني بلير، التي تعتمد على إشراف دولي جزئي مع مسؤولية كبيرة للفلسطينيين المحليين غير المنتمين لحماس، لكنها ضعيفة في آليات نزع السلاح ومنع ابتزاز السكان، كما أن تأخر نشر العمليات الكاملة حتى السنة الثالثة يجعلها متأخرة مقارنة بالحاجة الملحة للأمن وإعادة الإعمار، إضافة إلى أن الميزانية المحدودة لا تكفي للإشراف على جميع المشاريع المطلوبة.

وأما الخيار الثالث هو نظام توريد غزة، الذي يعتمد على رأس المال الخاص لبدء إعادة الإعمار شرق الخط الأصفر مع استخدام شركات أمن خاصة للقيام بالمهام التي لا تستطيع القوة الدولية التقليدية القيام بها، ويوفر بداية عملية وسريعة لإعادة البناء، مع خلق حافز للمستثمرين لتقديم التمويل مقابل رسوم وضرائب على شاحنات المساعدات والتجارة، بما يتوافق مع مصالح السكان ويضمن رقابة أمنية فعالة دون وجود قوات أمريكية على الأرض.

ويتضح أن الانتظار ليس خياراً عملياً أو آمناً وأن أي تأجيل في تنفيذ خطة السلام الأميركية في غزة يعني استمرار المعاناة اليومية لملايين السكان، زيادة المخاطر الأمنية، وتمكين حماس من تعزيز قبضتها العسكرية والسياسية.

ويمثل البدء الفوري، حتى جزئياً، في إعادة الإعمار شرق الخط الأصفر الخيار الأكثر فاعلية وأسرع وسيلة لإطلاق عملية إعادة البناء، ووضع الأسس لنزع سلاح تدريجي وفرض إشراف دولي فعال.

ويعطي هذا التحرك الفوري سكان غزة مؤشراً واضحاً على جدية المجتمع الدولي في تنفيذ خطة السلام، ويقلل من فرص تفاقم النزاع، ويظهر قدرة الولايات المتحدة على تحويل الخطط السياسية إلى إجراءات ملموسة على الأرض.

وفي النهاية، إعادة إعمار غزة الآن ليست مجرد خيار إنساني أو سياسي، بل ضرورة أمنية واستراتيجية عاجلة لتفادي المزيد من العنف والمعاناة، ولضمان أن خطة السلام الأميركية تتحول إلى واقع ملموس، يوفر حياة كريمة للسكان، ويخلق استقراراً سياسياً وأمنياً على المدى الطويل، ويعيد مصداقية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في القدرة على إدارة الأزمات بعد النزاعات المسلحة.

وسيزيد أي تأجيل إضافي من المخاطر الإنسانية والأمنية ويؤخر تحقيق الاستقرار في القطاع والمنطقة بأكملها، مما يجعل التحرك السريع أمراً لا غنى عنه.