لماذا تخشى البنوك التونسية من الاقتصاد

البنوك تخاف من أخطار الاقتصاد أكثر مما يخاف الاقتصاد من سياسات البنوك، وكأن القطاع يعيش على قاعدة غير معلنة: سلامة الميزانية أولى من دفع عجلة الإنتاج.
الجمعة 2025/11/07
من بمقدوره الاستغناء عن البنوك

نبدأ شرارة السؤال من حدث يبدو بسيطًا في الظاهر: إضراب موظفي البنوك مؤخرا للمطالبة بتحسين الرواتب. مشهد كلاسيكي في تونس، حيث يتقاطع الاجتماعي بالاقتصادي، ولكن خلف هذه الحركة الاحتجاجية تكمن قصة أعمق بكثير، تتجاوز مطالب الموظفين لتكشف العلاقة المختلة بين القطاع المصرفي والاقتصاد الحقيقي. من يتحكم في من؟ ولماذا عجزت السلطات، رغم كل الحديث عن الإصلاح والتحديث، عن جعل بنوكها محركًا للتنمية بدل أن تكون مجرد خزائن محكمة الإغلاق؟

الإضراب لا يعكس فقط ضيقًا اجتماعيًا، بل هو مؤشر على قطاع يعيش حالة مفارقة. من ناحية، البنوك تحقق أرباحًا معتبرة مقارنة ببقية القطاعات، وتقاوم كل الأزمات تقريبًا، من جائحة إلى تضخم إلى شح تمويلات خارجية. ومن ناحية أخرى، نرى موظفين يحتجون على الأجور، ومؤسسات مالية تشكو من ضعف رأس المال، ودولة تعجز عن توظيف هذا القطاع لخدمة الاقتصاد المنتج.

هذا التناقض ليس عابرًا، بل نتيجة منظومة مالية بُنيت على حماية رأس المال بدل تدويره، وعلى تأمين التوازنات المحاسبية بدل توليد الثروة، وجعل الكل يعيش في وئام تنموي واجتماعي بعيدا عن المنطق.

الأزمة الحقيقية ليست من يتحكم في من، بل في غياب طرف يريد فعلاً قيادة التغيير. البنوك تملك المال لكنها لا تملك الجرأة، صناع القرار النقدي والمالي يملكون السلطة لكنهم ليسوا على قدر من المسؤولية للتصحيح

حين نتحدث عن البنوك في تونس، نتحدث عن مؤسسات يبدو أنها تفضل الدور التحفظي على الدور التنموي. ولئن كانت هذه السمة موجودة في العديد من الدول، إلا أن الحدة في تونس أكبر لأسباب سياسية وتاريخية. فمنذ سنوات ترسخت فكرة أن البنك ليس شريكًا في السوق، بل حارس للمال العام والخاص، يخشى المخاطرة ويدير الثروة بأسلوب بيروقراطي أكثر منه استثماريّا.

الحقيقة أن البنوك في تونس تخاف من أخطار الاقتصاد أكثر مما يخاف الاقتصاد من سياسات البنوك، وكأن هذا القطاع يعيش على قاعدة غير معلنة: سلامة الميزانية أولى من دفع عجلة الإنتاج.

لكن، ماذا لو كان العجز عن دمج البنوك في الاقتصاد ليس خطأ وظيفيًا فقط، بل خيارًا؟ فالبنك الذي يختار تفضيل تمويل الدولة على تمويل المشاريع، والذي يفضل شراء السندات بدل تمويل المؤسسات الناشئة، هو بنك يفكر بمنطق النفوذ قبل الربح.

المؤسف أن الدولة نفسها تجد في هذا السلوك ضمانًا لتمويل عجزها المستمر. وكأن العلاقة بين الطرفين قائمة على تبادل الأدوار: الدولة تقدم للبنوك امتيازات واحتكارًا ضمنيًا للسوق، والبنوك بدورها تموّل الدولة وتضمن استقرارها المالي، لا الاقتصادي.

في هذا المشهد يصبح السؤال من يتحكم في من سؤالًا ملتبسًا، إذ لا أحد يملك السيطرة الكاملة. الدولة تبدو في الواجهة، لكن نفوذ البنوك على القرار المالي والاقتصادي واضح. وفي المقابل، البنوك تبدو مستقلة، لكنها لا تستطيع الفكاك من دورها كحامل غير معلن للسيادة المالية. أما القطاع الخاص المنتج، فهو الحلقة الأضعف، لا يجد التمويل إلا بشروط خانقة وضمانات تُخرج حلم الاستثمار من طور إمكانية إلى خيال.

الحديث عن تقاعس البنوك في التنمية واضح وليس مرتبطا بحالات ظرفية مثلما رسمت صورته وكالة فيتش مؤخرا بأن القطاع المصرفي التونسي لا يزال يواجه تحديات مستمرة ناجمة عن ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات الفائدة، وأن أداءه يبقى محدودا حتى حلول عام 2027.

المطلوب ليس فقط إصلاح النظام البنكي، بل إعادة تعريف دوره. يجب أن ننتقل من ثقافة البنك الذي يحمي رأس المال إلى ثقافة البنك الذي يخلق رأس المال. يجب أن يكفّ البنك عن رؤية المستثمر باعتباره مخاطرة

اقتصاد تونس يحتاج ضخًا ماليًا في المشاريع، في الصناعات، في التكنولوجيات الجديدة، وفي البنية التحتية الإنتاجية. لكن البنوك تفضل القروض الاستهلاكية، تمويل التجارة، أو التعامل مع كبار الفاعلين فقط. والنتيجة أن البنوك ليست محركًا للنمو، بل صمام أمان لنظام اقتصادي يعيش على إعادة توزيع نفس الثروة بين نفس الدوائر. هذا ليس اقتصادًا حيًا، بل اقتصاد مغلق على نفسه، فيه المال يدور في حلقة ضيقة بينما تنتظر الأغلبية انفتاحًا لا يأتي.

حتى إضراب الموظفين تُمْكن قراءته من زاوية أخرى: إذا كان القطاع المصرفي عاجزًا عن توزيع جزء من أرباحه على موظفيه وتحسين ظروفهم، فكيف يمكن الوثوق به ليقود إصلاحًا اقتصاديًا أو يحفّز الإنتاج؟ الموظف الذي يقف خلف الشباك ليس مجرد رقم، هو مرآة لمنظومة تتحدث عن الاستقرار وتخشى التغيير. الإضراب كشف هشاشة العلاقة داخل البنوك نفسها، فكيف نتوقع من كيان غير قادر على تحقيق العدالة داخله أن يصنع عدالة اقتصادية في المجتمع؟

ما تحتاجه تونس ليس توجيه أصابع الاتهام بقدر ما تحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة. لا دولة قادرة على النمو دون قطاع مالي شجاع ومستعد للمخاطرة المحسوبة، ولا قطاع مالي قادر على التطور في اقتصاد يفتقر لرؤية صناعية وتجارية حديثة.

المطلوب ليس فقط إصلاح النظام البنكي، بل إعادة تعريف دوره. يجب أن ننتقل من ثقافة البنك الذي يحمي رأس المال إلى ثقافة البنك الذي يخلق رأس المال. يجب أن يكفّ البنك عن رؤية المستثمر باعتباره مخاطرة، والنظر إليه بدلًا من ذلك كفرصة.

الأزمة الحقيقية ليست من يتحكم في من، بل في غياب طرف يريد فعلاً قيادة التغيير. البنوك تملك المال لكنها لا تملك الجرأة، صناع القرار النقدي والمالي يملكون السلطة لكنهم ليسوا على قدر من المسؤولية للتصحيح، والاقتصاد ينتظر من يطلق سراحه. وحتى يحدث ذلك، سيظل الإضراب الأخير مجرد عنوان صغير في قصة أكبر عن بلد لا يزال يبحث عمّن يمنحه الشجاعة ليحوّل المال من حارسٍ صامت إلى قوة إنتاج حقيقية.

4