لقاء ترامب الإسلامي منصة لاختبار التفاوض مع إيران

غياب بعض قادة الصف الأول الخليجي يفتح سؤالاً حول ما إذا كان يعكس سقف توقعات حذراً من خيار التصعيد
الأربعاء 2026/09/23
زخم دبلوماسي لإنهاء حرب إيران

نيويورك – منح لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قادة ومسؤولي دول عربية وإسلامية في نيويورك زخماً إضافياً لخيار التفاوض مع إيران، بعدما انعقد الاجتماع بالتزامن مع اتصالات أميركية إيرانية بشأن إنهاء الحرب. وجاءت المداولات في وقت أعلن فيه ترامب أن المحادثات مع طهران مستمرة وأنه يتوقع التوصل إلى تسوية، فيما أكد المشاركون ضرورة تغليب الحوار والحلول الدبلوماسية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

ولم يقتصر الاجتماع على دول مجلس التعاون الخليجي، بل ضم الرئيس الأميركي والعاهل الأردني عبدالله الثاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس السوري أحمد الشرع وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، إلى جانب رئيسي الوزراء العراقي علي فالح الزيدي والمصري مصطفى مدبولي ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، فيما مثل السعودية والإمارات وعُمان والبحرين وزراء الخارجية. وبحث المجتمعون التطورات الأمنية في الشرق الأوسط وتأثيرها على الطاقة والاقتصاد، إلى جانب ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب وسبل الدفع بالسلام عبر الحوار.

ويعطي هذا التشكيل للاجتماع دلالة تتجاوز مجرد التشاور مع الحلفاء الخليجيين. فحضور رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية من دائرة عربية وإسلامية أوسع يوحي بأن تداعيات الحرب مع إيران باتت تُناقش في إطار إقليمي أشمل، يرتبط بأمن الخليج والممرات البحرية والطاقة واليمن، ولا ينفصل في الوقت نفسه عن البحث عن صيغة لإنهاء الحرب.

وتأتي أهمية التوقيت من أن ترامب التقى، في اليوم نفسه، مسؤولين إيرانيين عبر القنوات الدبلوماسية. وقال بعد ذلك إن الطرفين يتحدثان وإن «العلاقة تتطور»، مع تأكيده أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أعلن قبل ذلك أن واشنطن منفتحة على لقاء المسؤولين الإيرانيين في نيويورك إذا كان ذلك يقود إلى نتيجة إيجابية.

وهكذا دخل الاجتماع مع القادة العرب والمسلمين بينما كانت قناة التفاوض تتحرك بالفعل، وهو ما جعل حديث ترامب أمام المشاركين عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران أكثر من مجرد موقف نظري. فقد قال في بداية الاجتماع إنه يتوقع أن ينتهي الأمر إلى اتفاق، وإن الأزمة يمكن أن تنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية. وهو موقف لا يلغي التهديدات العسكرية التي أبقاها على الطاولة، لكنه يشير إلى أن المفاوضات عادت لتحتل موقعاً معتبراً في حسابات الإدارة.

أما بالنسبة إلى الخليج، فإن مستوى التمثيل في الاجتماع يفتح سؤالاً حول طريقة قراءة العواصم الخليجية للمرحلة المقبلة. فقد حضر أمير قطر وولي عهد الكويت، بينما حضر وزراء خارجية السعودية والإمارات وعُمان والبحرين. ولا توجد معطيات معلنة تربط هذا التفاوت في التمثيل بموقف موحد من التصعيد أو التفاوض، لكنّه يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت بعض العواصم تفضّل ترك مساحة للمسار الدبلوماسي قبل رفع مستوى الانخراط السياسي المباشر.

مسار التفاوض لا يلغي مخاوف دول الخليجية التي لا تريد أن تتحول أي تسوية مع إيران إلى اعتراف بنفوذ إيراني أوسع في الإقليم

وتبدو قطر تحديداً منخرطة بقوة في المسار التفاوضي. فقد دفعت الدوحة باتجاه تصور لترتيب أمني إقليمي يضم إيران ودول الخليج، على أن يترافق مع ضمانات أمنية للدول الخليجية وترابط اقتصادي أكبر مع طهران. وقال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إن الأمن المستدام لا يمكن بناؤه عبر دورات متكررة من التصعيد والرد، وهي مقاربة تضع الحوار في مقدمة الخيارات المطروحة.

لكن مسار التفاوض لا يلغي المخاوف الخليجية. فهذه الدول تريد استعادة الملاحة في مضيق هرمز، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول أي تسوية مع إيران إلى اعتراف بنفوذ إيراني أوسع في الإقليم. وتزداد الحساسية مع استمرار تهديد الحوثيين في اليمن للمملكة العربية السعودية والملاحة في باب المندب، وهي قضية كانت حاضرة بقوة في حسابات الاجتماع الأميركي الخليجي.

وفي هذا السياق، عقد وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وباكستان اجتماعاً منفصلاً في نيويورك، أكدوا خلاله حق السعودية في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، وشددوا في الوقت نفسه على أهمية أمن الملاحة واعتبروا الحوار والدبلوماسية الطريق المستدام لتسوية أزمات المنطقة. ويظهر ذلك أن الدعوة إلى التفاوض لا تعني بالضرورة التخلي عن المطالب الأمنية أو عن حق الدول في حماية أراضيها.

ويكشف هذا التداخل بين مساري الأمن والدبلوماسية عن طبيعة المعادلة الخليجية الحالية. فالعواصم الخليجية تريد من الولايات المتحدة ضمانات واضحة في مواجهة التهديدات الإيرانية والحوثية، لكنها تدرك أيضاً أن استمرار الحرب يرفع كلفة الطاقة والتجارة ويعرض أراضيها وممراتها البحرية لمزيد من المخاطر. لذلك فإن التفاوض مع إيران قد يكون مقبولاً من حيث المبدأ، لكن نجاحه بالنسبة إلى الخليج يرتبط بما إذا كان سيؤدي إلى ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار.

ومن هنا فإن لقاء ترامب مع القادة والمسؤولين العرب والمسلمين يمكن قراءته باعتباره منصة لاختبار التفاوض أكثر منه إعلاناً عن تسوية. فواشنطن تريد التأكد من أن الحوار قادر على معالجة الملف النووي وإنهاء الحرب، بينما تريد الدول الخليجية معرفة ما إذا كان أي اتفاق سيأخذ مخاوفها الأمنية في الاعتبار. أما إيران فتحاول استخدام القنوات المفتوحة في نيويورك لتخفيف الضغط وفتح طريق إلى تسوية أوسع.

في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن غياب بعض قادة الصف الأول الخليجي كان رسالة سياسية مسبقة ضد التصعيد أو لصالح التفاوض. لكن تزامن الاجتماع مع تحرك دبلوماسي أميركي إيراني، وإدراج الحوار والحلول الدبلوماسية ضمن مخرجات النقاش، يعكسان أن الخيار التفاوضي بات حاضراً بقوة في الحسابات الإقليمية.

ويبقى الاختبار الحقيقي في الخطوة التالية: هل تتحول اتصالات نيويورك إلى تفاوض مستمر يفضي إلى وقف الحرب، أم أن الخلافات حول البرنامج النووي وهرمز والحوثيين وأمن الخليج ستعيد الأطراف سريعاً إلى منطق الضغط والتصعيد؟