لبنان يعود إلى السوق السعودية.. هل انتهت أزمة الثقة؟
بيروت – يحتفي لبنان بعودة صادرات منتجاته إلى السوق السعودية، في خطوة تحمل دلالة اقتصادية تتجاوز قيمة الشحنات الأولى، بعدما ظلت العلاقات التجارية بين البلدين لسنوات تحت ضغط أزمة الثقة، وفي مقدمتها ملف تهريب المخدرات عبر شحنات المنتجات الزراعية.
وتعيد عودة الصادرات إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل زالت الموانع التي حالت خلال السنوات الماضية دون وصول المنتجات اللبنانية إلى السوق السعودية، أم أن بيروت والرياض دخلتا فعلاً مرحلة جديدة من التعاون تقوم على آليات رقابة أكثر صرامة وثقة أكبر؟
وتكتسب السوق السعودية أهمية استثنائية بالنسبة للمنتجين والمصدرين اللبنانيين، ليس فقط بسبب حجمها وقوتها الشرائية، وإنما أيضاً باعتبارها بوابة يمكن أن تعيد تنشيط حركة الصادرات اللبنانية إلى أسواق الخليج.
وكانت السعودية قد فرضت في أبريل/نيسان 2021 حظراً على دخول الخضروات والفواكه اللبنانية، بعد إحباط محاولات لتهريب كميات كبيرة من حبوب الكبتاجون مخبأة داخل شحنات زراعية قادمة من لبنان. وأعلنت المملكة آنذاك تشديد الإجراءات على الواردات اللبنانية لحماية أمنها ومجتمعها.
ولم يكن القرار مجرد إجراء تجاري، بل تحول إلى أزمة سياسية واقتصادية أوسع، انعكست على المنتجين والمزارعين والمصدرين اللبنانيين، الذين فقدوا سوقاً رئيسية لمنتجاتهم.
لذلك فإن عودة الصادرات لا تعني فقط استئناف حركة الشاحنات والمنتجات، وإنما تمثل اختباراً عملياً لما إذا كانت الإجراءات اللبنانية والسعودية الجديدة قادرة على معالجة الأسباب التي أدت إلى الأزمة.
والتحدي الأكبر أمام لبنان يتمثل في ضمان عدم تحول المنتجات الزراعية مجدداً إلى غطاء لعمليات التهريب، وهو ما يتطلب رقابة متكاملة تبدأ من المزارع ومراكز التعبئة، ولا تنتهي عند المعابر والموانئ.
فالجانب السعودي لن ينظر إلى جودة المنتج وسعره فقط، وإنما إلى قدرة الدولة اللبنانية على ضمان مصدر الشحنة ومحتوياتها ومسارها، ومنع استغلال قنوات التصدير في أنشطة غير مشروعة.
ومن هنا، تصبح أنظمة التتبع والتعبئة والفحص الجمركي والتعاون بين الأجهزة اللبنانية والسعودية جزءاً أساسياً من المعادلة الجديدة.
الاختبار الحقيقي سيأتي مع استمرار تدفق الصادرات خلال الأشهر المقبلة من دون حوادث تهريب أو مخالفات، ومع قدرة السلطات اللبنانية على الحفاظ على مستوى الرقابة المطلوب
السوق السعودية.. متنفس للاقتصاد اللبناني
اقتصادياً، تمثل العودة إلى السوق السعودية فرصة للمزارعين والمنتجين اللبنانيين لاستعادة جزء من النشاط الذي فقدوه خلال سنوات الأزمة.
ويعاني الاقتصاد اللبناني منذ سنوات أزمة مالية ونقدية عميقة، مع تراجع القدرة الإنتاجية وارتفاع كلفة الاستيراد والنقل والطاقة، ما يجعل أي توسع في الصادرات مصدراً مهماً للعملات الأجنبية وداعماً للمؤسسات الزراعية والصناعية.
كما أن استعادة السوق السعودية يمكن أن تحمل أثراً يتجاوز الصادرات المباشرة، إذا فتحت الطريق أمام عودة العلاقات التجارية تدريجياً مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي.
لكن ذلك يتطلب من لبنان التعامل مع السوق السعودية باعتبارها سوق ثقة قبل أن تكون سوقاً للمنتجات.
فالمزارع اللبناني يريد ضمان استمرار التصدير، والمصدر يريد إجراءات مستقرة، بينما تريد الرياض ضمان ألا تتحول هذه القنوات التجارية إلى منفذ للتهريب.
قد تكون عودة المنتجات اللبنانية إلى السعودية بداية صفحة جديدة، لكنها لن تكون مكتملة بمجرد وصول أولى الشحنات.
فالاختبار الحقيقي سيأتي مع استمرار تدفق الصادرات خلال الأشهر المقبلة من دون حوادث تهريب أو مخالفات، ومع قدرة السلطات اللبنانية على الحفاظ على مستوى الرقابة المطلوب.
وإذا نجحت التجربة، فقد تتحول عودة المنتجات إلى نموذج لإعادة بناء العلاقة الاقتصادية بين البلدين، وتفتح الباب أمام قطاعات لبنانية أخرى لاستعادة حضورها في السوق الخليجية.
أما إذا عادت محاولات استغلال الشحنات التجارية لتهريب المخدرات، فإن الأزمة قد تتجاوز المنتجات نفسها لتضرب الثقة التي يجري بناؤها من جديد.
ولهذا فإن الترند اللبناني حول عودة التصدير إلى السعودية يحمل في داخله قصة أكبر: هل بدأ الاقتصاد اللبناني يستعيد أحد أهم أسواقه الخليجية، أم أن الطريق إلى السعودية ما زال يمر أولاً عبر امتحان الثقة والأمن؟
فالرياض لا تفتح سوقها أمام المنتجات اللبنانية فقط؛ إنها تمنح بيروت فرصة لإثبات أن القواعد التي تحكم التجارة تغيرت، وأن ما كان يمثل في السابق ثغرة أمنية يمكن أن يتحول الآن إلى نموذج للتعاون والرقابة والشراكة الاقتصادية.