لبنان يعلّق رخصة "رسالات" بقرار توفيقي لفتح الطريق على ملف السلاح الأكبر
بيروت - تجسدت في القرار الحكومي الأخير المتعلق بـ"الجمعية اللبنانية للفنون - رسالات"، المعضلة اللبنانية المزمنة بين متطلبات النظام العام وضرورات الحفاظ على الحريات الدستورية، وذلك في ظل أجواء سياسية مشحونة بقضية مصيرية هي حصر السلاح بيد الدولة.
وأعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، مساء الاثنين، عن قرار اتخذه مجلس الوزراء يقضي بـ"تعليق العمل بالعلم والخبر" الممنوح للجمعية، مشيرا إلى أن التعليق سيستمر "لحين جلاء نتائج التحقيقات الإدارية والجزائية" التي باشرتها الإدارة والنيابة العامة التمييزية.
ويمثل هذا القرار نقطة توازن دقيقة تم التوصل إليها بعد نقاشات عميقة وتدخلات سياسية رفيعة المستوى، هدفها الأساسي منع شلّ العمل الحكومي وتمرير ملفات أكثر أهمية على المستوى الوطني.
وجاء قرار تعليق عمل الجمعية على خلفية المخالفات التي أشارت إليها وزارة الداخلية والبلديات، وخصوصا ما يتعلق بالدعوة إلى "تجمع الروشة" الذي نُظم في 25 سبتمبر الماضي.
وكشفت وزارة الداخلية أن الجمعية "خالفت قانون الأملاك العمومية، بالتعدّي عليها عن طريق استعمالها لغير الغاية المُخصّصة لها ولغايات تمس بالنظام العام لا سيّما إقفال الطرقات العامة".
وشهدت الفعالية التي نظمها ناشطون محسوبون على حزب الله عند الكورنيش البحري لبيروت، تجمع آلاف من أنصار الحزب لإحياء ذكرى قادة سابقين، مما أدى إلى قطع الطريق البحري الرئيسي للعاصمة.
والأكثر إثارة للجدل كان قيام المنظمين بإضاءة صخرة الروشة ذات الرمزية التاريخية بصورتي الأمينين العامين السابقين لحزب الله" حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، على الرغم من صدور قرار سابق من رئيس الحكومة بمنع ذلك.
وأثارت هذه المخالفة المزدوجة – قطع الطرق والتعدي على رمز وطني بصبغة حزبية دون إذن – غضب رئيس الحكومة الذي طلب على إثرها من وزراء الداخلية والعدل والدفاع توقيف منظمي الفعالية وإحالتهم على التحقيق.
وعلى الرغم من توجيه استدعاءات للتحقيق لبعض الشخصيات من حزب الله، إلا أنها لم تلق تجاوبا منها، مما زاد من ضرورة اتخاذ قرار حكومي حاسم.
وأوضح سلام في منشور له على منصة إكس أن "مجلس الوزراء استمع إلى مختلف الآراء حول طلب وزارة الداخلية والبلديات حلّ الجمعية بالكامل. وأكد أن الأكثرية المطلوبة دستوريا كانت متوفرة للسير بطلب الحلّ، إلا أن المجلس اتجه نحو قرار التوفيق".
وأشار رئيس الحكومة إلى أن قرار التعليق جاء "في سَبيل التَّوفيق بين مُقتضيات المُحافظة على النّظام العام من جهة وبين احترام حريّة تأسيس الجَمعيّات التي كَفلها الدّستور وقانون الجمعيّات"، والمواثيق الدولية التي انضم إليها لبنان.
وختم سلام بالتشديد على أن حرص الحكومة على حرية الجمعيات "لا يتعارض مع إمكانية اتخاذ الإدارة الإجراءات اللازمة لضمان المُحافظة على الانتظام العام والمصلحة العامة"، مما يُبقي مصير الجمعية مرهونا بمسار التحقيقات القضائية والإدارية.
ويعود التأني في اتخاذ قرار الحل النهائي للجمعية إلى خلفيات سياسية دقيقة، فقد أفادت صحيفة "المدن" اللبنانية بوجود اتصالات ومشاورات أجراها وزيرا حزب الله في الحكومة، راكان ناصرالدين ومحمد حيدر، مع نواف سلام، بهدف التخفيف من حدية الأزمة.
والأهم من ذلك، ذكرت الصحيفة أن بطل "التخريجة" كان رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي طلب من سلام التريث في قرار حل الجمعية وسحب العلم والخبر منها، واتخاذ قرار أقل حدّة "منعا لتعقيد الأجواء بشكل أكبر".
وكشفت "المدن" عن السبب الجوهري وراء هذا التريث، حيث أخبر عون سلام عن نيته البدء بملف تقرير الجيش اللبناني المتعلق بـ"حصر السلاح"، معتبرا أن هذا الموضوع "هو الأساس في البلاد ويفوق أهمية المواضيع الأخرى".
ووفقا للصحيفة، أبدى سلام تفهما لهذا المنطق، حيث كان "الهدف الأساس استمرار العمل الحكومي وعدم شل الحكومة أو اتخاذ أي قرار قد يؤدي على الأقل إلى انسحاب وزير الحزب من الجلسة".
ويؤكد هذا التحليل أن قرار التعليق لم يكن مجرد حل قانوني، بل مناورة سياسية لتمرير ملف حصر السلاح، الذي يمثل "الامتحان الأكبر لحكومته".
وشكل ملف "حصر السلاح" بيد الدولة، بما فيه سلاح حزب الله، الخلفية الأبرز التي حكمت قرار مجلس الوزراء.
وعقد مجلس الوزراء جلسته ظهر الاثنين برئاسة الرئيس جوزيف عون، حيث أطلع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل المجلس على التقرير الشهري الأول بشأن تنفيذ خطة حصر السلاح.
سبق ذلك قرار لمجلس الوزراء في 5 أغسطس الماضي يقضي بـ"حصر السلاح" وتكليف الجيش بوضع خطة لإتمامه وتنفيذها قبل نهاية عام 2025.
وأقرت الحكومة مطلع سبتمبر الماضي خطة الجيش، وقررت الإبقاء على مضمونها والمداولات بشأنها "سرية".
وأكد وزير الإعلام بول مرقص، في مؤتمر صحافي عقب الجلسة، أن "مجلس الوزراء اطلع على التقرير الشهري الذي عرضه قائد الجيش في الجلسة حول خطة حصر السلاح في المناطق اللبنانية كافة".
ولفت مرقص إلى أن قرار تعليق رخصة "رسالات" جاء انطلاقا من "حرص الحكومة على حرية الجمعيات"، مشددا على أن هذا لا يتعارض مع اتخاذ تدابير لضمان الانتظام العام.
وأضاف أنه "بعد مناقشة طلب وزارة الداخلية والبلديات بحلّ الجمعية اللبنانية للفنون - رسالات (..) أيد أكثرية الوزراء طلب الوزراء بحل الجمعية، إلا أن المجلس قرر تعليق رخصة عمل الجمعية لحين جلاء نتيجة التحقيقات".
ويُظهر ربط القضيتين، تعليق رخصة الجمعية وملف حصر السلاح، أن الحكومة اللبنانية تمارس فن التوازنات المعقدة، حيث يتم التخفيف من حدة المواجهة في قضية هامشية نسبيا لضمان استمرار الدفع في القضية الوطنية الأهم.
ويُبقي قرار التعليق مصير الجمعية مرهونا بمسار التحقيقات القضائية والإدارية، بينما يفتح الباب لتركيز الجهد الحكومي والسياسي على ملف السلاح الذي يشكل العقبة الكبرى أمام الاستقرار والسيادة في البلاد.
ويعكس هذا التكتيك وعي الحكومة بأن أي تصعيد غير محسوب يمكن أن يقوض مساعيها لتحقيق إنجازات وطنية كبرى.