كيف سيبدو شكل غزة بعد إعادة بنائها؟
غزة - في أعقاب زيارة قام بها وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، خورخي موريرا دا سيلفا، إلى قطاع غزة في يناير الماضي، وصف حجم الدمار الذي لحق بالقطاع بأنه “هائل”، مشيرًا إلى أن كل شخص في هذا الإقليم المكتظ بالسكان أصبح محاطًا بما يقدر بـ30 طنًا من الأنقاض.
ويسلط هذا الواقع الكارثي الضوء على التحدي الكبير المتمثل في إعادة إعمار غزة، ويثير تساؤلات حاسمة حول الجهة التي يجب أن تتولى هذا المشروع، والطريقة التي ينبغي أن يتم بها، وما الشكل الذي سيبدو عليه القطاع بعد انتهاء الصراع.
ومنذ عام 2023، ظهرت مجموعة متنوعة من الخطط والمبادرات لإعادة إعمار غزة، كل منها يعكس رؤية مختلفة لمستقبل القطاع.
وأبرز هذه الخطط تأتي من الحكومة الإسرائيلية عبر مشروعها المسمى “غزة 2035”، الذي كشف عنه عام 2024.
وتقترح الخطة برنامجًا من ثلاث مراحل لدمج غزة في منطقة تجارة حرة تشمل ميناء العريش المصري ومدينة سديروت الإسرائيلية، ما يعكس طموحًا إسرائيليًا لتغيير العلاقة الاقتصادية والسياسية للقطاع مع محيطه الإقليمي.
وقد تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتصميم نماذج مستقبلية للقطاع، بما في ذلك ناطحات سحاب عالية، ومزارع للطاقة الشمسية، ومحطات لتحلية المياه في شبه جزيرة سيناء، بالإضافة إلى محطات نفط بحرية وممر جديد للقطار فائق السرعة يمتد على طول طريق صلاح الدين الذي يربط مدينة غزة برفح.
وعلى الجانب الآخر، طرحت الولايات المتحدة خطة مماثلة في أغسطس 2025، بعنوان “إعادة تشكيل غزة وتسريعها اقتصاديًا وتحويلها”.
وتعتمد هذه الخطة، التي تهدف إلى وضع غزة تحت وصاية أميركية، على تطوير سلسلة من المدن الذكية الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال فترة عشر سنوات، وتضع إعادة البناء في قلب جهود استقرار القطاع عبر أسلوب عصري ومتكامل.
وقد قام جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعرض أحدث نسخة من هذه الرؤية خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث قدم شريحة تصور غزة كـ”ريفييرا الشرق الأوسط”، مع منتجعات شاطئية فاخرة، وأبراج سكنية لامعة، ومناطق سكنية حديثة، ومراكز نقل متطورة، مشيرًا إلى إمكانية إنشاء “مدينة رفح جديدة” خلال فترة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام.
وقد أشارت تقارير إلى أن هذه الرؤى الأميركية والإسرائيلية تأثرت بشكل كبير بخطة اقتصادية وضعها الأستاذ جوزيف بيلزمان، الذي اقترح إعادة بناء غزة من الصفر بعد تدميرها الكامل، معتبرًا أن البنية التحتية الحالية للقطاع تشكل أحد أسباب استمرار التوتر والتمرد فيه.
وفي المقابل، تتضمن خطة “فينيكس غزة”، التي تم طرحها في فبراير 2025، مشاركة فعلية لسكان القطاع، إذ تركز بشكل أكبر على الحفاظ على المباني القائمة وإعادة تأهيلها، مع صون النسيج الثقافي والاجتماعي للقطاع.
وقد تم تطوير هذه الخطة عبر تحالف من خبراء دوليين بالتعاون مع مهنيين وأكاديميين من غزة والضفة الغربية والشتات الفلسطيني، وتضع إطارًا زمنيًا يمتد لخمسة أعوام على الأقل لإعادة البناء والتنمية المستدامة.
كما طرحت خطط أخرى من العالم العربي مقاربات أكثر تكنوقراطية، لكنها غالبًا ما تلتزم بفترات زمنية قصيرة لإعادة الإعمار، مثل خطة مجموعة الحبتور الإماراتية، التي وعدت بمنح الفلسطينيين 70 في المئة من ملكية الشركة القابضة المسؤولة عن إدارة إعادة إعمار القطاع.
لكن السؤال الأكبر يتمثل في مدى واقعية هذه الخطط، خصوصًا في ما يتعلق بالموارد المطلوبة والزمن اللازم لإعادة بناء مدينة غزة التي تضررت بالكامل تقريبًا.
إعادة بناء المدن بعد الحروب ليست مهمة سهلة، فهي تتطلب وقتًا طويلاً واستثمارات مالية ضخمة، فضلًا عن توافر الموارد البشرية المحلية، وحتى في دول غنية وذات خبرة عمرانية متقدمة مثل الصين، نادرًا ما تُستكمل مدن جديدة كبرى في أقل من 20 عامًا.
وفي حالة غزة، تتعقد الأمور أكثر بسبب وجود نحو 61 مليون طن من الأنقاض، إضافة إلى مخلفات خطرة كالذخائر غير المنفجرة وبقايا بشرية، ما يجعل إزالة هذه المخلفات شرطًا أساسيًا قبل أي عملية إعمار، فيما تقدّر الأمم المتحدة أن عملية تنظيف الأنقاض وحدها قد تستغرق حوالي 20 عامًا.
وللمقارنة، استغرقت إعادة بناء العاصمة البولندية وارسو، بعد الدمار الذي لحق بها خلال الحرب العالمية الثانية، أربعة عقود لإعادة بناء مركزها التاريخي، في حين تضع جميع الخطط الزمنية المقترحة لإعادة إعمار غزة أطرًا زمنية أقصر بكثير، ما يجعل تنفيذها أمرًا صعبًا وربما غير واقعي حتى مع أحدث أساليب البناء.
إعادة بناء العاصمة البولندية وارسو، بعد الدمار الذي لحق بها خلال الحرب العالمية الثانية، استغرقت أربعة عقود لإعادة بناء مركزها التاريخي، في حين تضع جميع الخطط الزمنية المقترحة لإعادة إعمار غزة أطرًا زمنية أقصر بكثير، ما يجعل تنفيذها أمرًا صعبًا وربما غير واقعي حتى مع أحدث أساليب البناء.
وأحد أبرز الانتقادات الموجهة للرؤيتين الأميركية والإسرائيلية هو عدم إشراك الفلسطينيين في عملية التخطيط لمستقبل القطاع، إذ تتجاهل هذه الخطط أي حاجة للتشاور مع السكان والمجتمع المحلي، مما دفع بعض النقاد إلى وصف هذه الخطط بأنها “إبادة عمرانية”، أي محاولات لطمس الهوية والثقافة القائمة عبر الحرب وإعادة البناء.
كما زادت المخاوف عندما ترددت تقارير تفيد بعرض مبالغ مالية تصل إلى 5000 دولار لكل شخص لمغادرة غزة طوعًا، إضافة إلى تغطية تكاليف الإيجار خارج القطاع لمدة أربع سنوات، ضمن الخطة الأميركية.
ولم تتضمن الخطة أي برنامج تعويض تقليدي للأسر التي فقدت منازلها وممتلكاتها، بل اقتُرح نظام رموز رقمية يمكن استبدالها بشقق في المدن الجديدة، مع إمكانية بيع جزء من هذه الرموز لجذب مستثمرين وتمويل إعادة الإعمار، ما أثار اتهامات من منظمات حقوقية أميركية بأنها قد ترقى إلى مستوى جريمة حرب.
وفي المقابل، تمثل خطة “فينيكس” والرؤى العربية الأخرى خطوة إيجابية من حيث إشراك المجتمع المحلي وإصلاح وتجديد الهياكل القائمة، مع التركيز على الاحتفاظ بالهوية الثقافية والاجتماعية لسكان غزة. إلا أن أي نجاح في إعادة الإعمار يتطلب توافقًا ديمقراطيًا حقيقيًا يشمل جميع الأطراف، وهو أمر غير متحقق حتى الآن، ما يجعل إمكانية إيصال أصوات السكان فعالة محل تحدٍ كبير.
وتاريخيًا، تثبت التجارب أن إعادة الإعمار بعد الحروب تنجح فقط عندما تشمل أولئك الذين دُمّرت حياتهم، وهو ما يظهر بوضوح في تجربة “خطة مارشال” الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، التي موّلت إعادة بناء العديد من المدن الأوروبية والاقتصادات المحلية، واعتمدت على التواصل المكثف مع المجتمع المدني والمجتمعات المحلية لضمان تحقيق النجاح.
وفي حالة غزة، يبدو أن الاستفادة من هذه التجربة التاريخية يجب أن تتم عبر إشراك السكان بشكل كامل في صياغة رؤية إعادة الإعمار، بما يحقق استدامة اقتصادية واجتماعية وسياسية للقطاع بعد الحرب.
وبالنظر إلى ذلك، يمكن القول إن إعادة إعمار غزة ليست مجرد مسألة هندسية أو مالية، بل تتعلق أيضًا بالهوية الاجتماعية والثقافية والسياسية للقطاع، وبمدى احترام حقوق السكان في تقرير مستقبلهم.
ويظل السؤال المركزي قائمًا: أي من هذه الرؤى سيشكل غزة المستقبل؟ هل سيكون نموذجًا أميركيًا أو إسرائيليًا يعتمد على الحداثة التقنية والتحكم الخارجي، أم نموذجًا يشرك السكان ويحافظ على تراثهم الاجتماعي والثقافي كما تقترحه خطة “فينيكس” والرؤى العربية الأخرى؟ ومن المؤكد أن الطريقة التي يتم بها التعامل مع هذا السؤال ستحدد بشكل كبير شكل غزة بعد إعادة البناء، ومستوى استقرارها الاجتماعي والسياسي لسنوات طويلة.
وفي النهاية، يبدو أن نجاح أي خطة لإعادة إعمار غزة سيعتمد على مزيج من التخطيط العمراني المستدام، التمويل الكافي، المشاركة الحقيقية للسكان، والقدرة على إزالة آثار الحرب القديمة، بما يتيح للقطاع فرصة للنهوض من جديد، مع الحفاظ على هويته الثقافية والاجتماعية وإعطاء سكانه فرصة للمساهمة في تحديد مصيرهم، بعيدًا عن الرؤى الخارجية المفروضة عليهم.