قيادة جديدة للجيش الأردني: تحديات مرحلة ملتهبة

تغيير قيادة هيئة الأركان يأتي في توقيت أمني حساس، فيما يواجه الجيش تحديات الحدود والتصعيد الإقليمي.
الجمعة 2026/09/04
الأردن أمام تحديات أمنية تتجاوز حدوده

عمان- دخل الجيش الأردني مرحلة جديدة مع تعيين اللواء الركن مجدي محمد حماد الحراسيس رئيساً لهيئة الأركان المشتركة، خلفاً للفريق الركن يوسف الحنيطي الذي أُحيل إلى التقاعد بعد سنوات في المنصب. ويأتي التغيير في قيادة المؤسسة العسكرية في توقيت إقليمي شديد الحساسية، يضع الأردن أمام تحديات أمنية تتجاوز حدوده المباشرة.

ولا يمكن اختزال التغيير في سياق التطورات الإقليمية وحدها، فالتبدل في المواقع العسكرية العليا جزء من طبيعة المؤسسات والجيوش. لكن توقيته يلفت الانتباه إلى حجم الملفات التي تنتظر القيادة الجديدة، في منطقة تشهد تصاعداً في المخاطر الأمنية وتداخل الصراعات على أكثر من جبهة.

تولى الحراسيس رئاسة هيئة الأركان المشتركة اعتباراً من الثاني من سبتمبر، بعد مسيرة عسكرية طويلة شغل خلالها عدداً من المواقع القيادية، من بينها مناصب بارزة في مجال الاستخبارات العسكرية. وهذا الجانب من مسيرته يمنح تعيينه بعداً إضافياً في مرحلة تتزايد فيها أهمية المعلومات الاستخباراتية ومواجهة التهديدات غير التقليدية.

وفي المقابل، ينهي يوسف الحنيطي فترة امتدت لنحو سبع سنوات في قيادة الجيش، شهد خلالها الأردن تحولات أمنية إقليمية واسعة، من استمرار الحرب في سوريا إلى التوترات على الحدود، ثم الحرب في غزة وتداعياتها، وصولاً إلى التصعيد الأوسع في الإقليم.

الاختبار الحقيقي للقيادة الجديدة لن يكون في تغيير الأسماء، بل في قدرتها على الحفاظ على الاستقرار الأمني للأردن وسط منطقة تتسع فيها احتمالات التصعيد

وبذلك لا تبدأ القيادة الجديدة عملها في ظروف هادئة، بل ترث مؤسسة عسكرية راكمت خبرة في التعامل مع بيئة إقليمية متغيرة باستمرار.

وتفرض الجغرافيا على الأردن معادلة أمنية معقدة. فهو يقع بين مناطق شهدت خلال السنوات الأخيرة صراعات وتوترات مستمرة، من فلسطين وسوريا إلى العراق، فيما تجعله تحالفاته العسكرية جزءاً من الحسابات الأمنية الأوسع في المنطقة.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن انعكاسات الصراعات الإقليمية لم تعد بعيدة عن الأراضي الأردنية. فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران وضع المملكة أمام مخاطر مباشرة بسبب وجود منشآت وقوات أميركية في البلاد، وهو ما زاد حساسية موقع الأردن في معادلة الصراع الإقليمي.

لكن التحدي الأردني لا يقتصر على التعامل مع تهديد عسكري تقليدي. فالبيئة الأمنية الجديدة تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة والتهريب والجماعات المسلحة، إلى جانب الحرب الإلكترونية والمخاطر المرتبطة بالحدود المفتوحة على أزمات متعددة.

هنا تبرز أهمية الخلفية الاستخباراتية لرئيس هيئة الأركان الجديد.

فالجيوش الحديثة لم تعد تعتمد فقط على حجم القوات أو قوة السلاح، بل أصبحت القدرة على جمع المعلومات وتحليلها والاستجابة السريعة جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن.

ويواجه الأردن تحدياً مستمراً في مراقبة حدوده، خصوصاً في ظل شبكات التهريب والاضطرابات التي تشهدها بعض المناطق المحيطة. كما يتطلب التعامل مع الطائرات المسيرة والصواريخ تطويراً مستمراً لقدرات الدفاع الجوي وأنظمة الإنذار المبكر.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تركيزاً أكبر على الجمع بين القدرات العسكرية التقليدية والتكنولوجيا والاستخبارات، بدلاً من الاعتماد على نموذج عسكري واحد.

ويمثل التعاون العسكري مع الولايات المتحدة أحد عناصر القوة في المنظومة الدفاعية الأردنية، لكنه يضع عمّان أيضاً أمام تحديات سياسية وأمنية كلما تصاعد الصراع بين واشنطن وخصومها في المنطقة.

فالأردن حريص على الحفاظ على تحالفه الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يؤكد أن أمنه وسيادته لا ينبغي أن يصبحا جزءاً من صراعات الآخرين.

وهذه المعادلة ستكون حاضرة أمام القيادة العسكرية الجديدة: الاستفادة من التحالفات العسكرية، مع الحفاظ على قدرة الأردن على إدارة أمنه وفق أولوياته الوطنية.

ولا تبدو هذه مهمة عسكرية فقط، بل هي جزء من إدارة سياسية وأمنية أوسع للدولة.

إلى جانب التحديات الإقليمية، تواجه القيادة الجديدة ملف تحديث القوات المسلحة.

لا توجد مؤشرات على أن تغيير قيادة الجيش يمثل تحولاً في العقيدة العسكرية الأردنية، كما لا يمكن ربط التعيين مباشرة بأزمة إقليمية

فطبيعة الحروب تتغير بسرعة، مع صعود الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، وتطور الصواريخ الدقيقة، واتساع استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الإلكترونية.

وهذا يفرض على الجيوش إعادة النظر في أولويات الإنفاق والتسليح.

بالنسبة إلى الأردن، الذي لا يملك الموارد المالية الضخمة لبعض القوى الإقليمية، تصبح الكفاءة عاملاً أساسياً. فالمطلوب ليس امتلاك أكبر كمية من السلاح، وإنما بناء قدرات قادرة على مواجهة المخاطر الأكثر احتمالاً.

ومن هنا تزداد أهمية التكنولوجيا والتعاون العسكري والتدريب المتخصص، إلى جانب تطوير الصناعات الدفاعية المحلية.

لا توجد مؤشرات على أن تغيير قيادة الجيش يمثل تحولاً في العقيدة العسكرية الأردنية، كما لا يمكن ربط التعيين مباشرة بأزمة إقليمية محددة.

لكن التغيير جاء في لحظة تحتاج فيها المؤسسة العسكرية إلى الاستعداد لسيناريوهات أكثر تعقيداً.

فالحدود لم تعد تمثل وحدها خط الدفاع الأول، والتهديدات لم تعد تأتي دائماً من جيوش نظامية. كما أن سرعة تطور الأحداث في المنطقة تفرض على المؤسسات الأمنية قدرة أكبر على التكيف واتخاذ القرار.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للقيادة الجديدة لن يكون في تغيير الأسماء، بل في قدرتها على الحفاظ على الاستقرار الأمني للأردن وسط منطقة تتسع فيها احتمالات التصعيد.

في النهاية، يمثل انتقال قيادة الجيش الأردني تأكيداً على استمرارية المؤسسة أكثر مما يمثل قطيعة مع المرحلة السابقة.

فالتحديات التي واجهها الجيش في السنوات الماضية ستظل قائمة، وإن تغيرت أشكالها. وستكون المهمة الأساسية للواء مجدي الحراسيس هي البناء على ما راكمته المؤسسة العسكرية، مع الاستعداد لمخاطر جديدة تفرضها التحولات الإقليمية والتكنولوجية.

وبين الحاجة إلى حماية الحدود، ومواجهة التهديدات الحديثة، والحفاظ على التحالفات العسكرية، ستدخل القيادة الجديدة اختباراً لا تحدده أزمة واحدة.

إنها مرحلة تتغير فيها طبيعة التهديدات بسرعة، ويصبح فيها الاستعداد المبكر والقدرة على التكيف جزءاً من قوة الجيوش بقدر أهمية السلاح نفسه.

1