قمة ترامب وشي: هدنة تجارية واقتصادية وظلال كثيفة لإيران وتايوان
واشنطن - في ختام زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام طغت عليها الدبلوماسية الشخصية واحتساء الشاي وجولات الأرشيف الوطني في العاصمة الأميركية، أعلن البيت الأبيض، مساء الجمعة، أن الولايات المتحدة والصين ستستحدثان "قناة اتصال" ثنائية لمعالجة الحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وأفاد البيت الأبيض في وثيقة معلومات أن البلدين استحدثا "حوارا بين الولايات المتحدة والصين في شأن الذكاء الفائق لتبادل وجهات النظر حول المخاطر والمنافع" المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واتفقا كذلك على إقامة "قناة اتصال ثنائية" لمعالجة الحوادث في هذا المجال.
ورغم العروض العسكرية وجو التقارب الودي، أبقت القمة بين رئيسي أكبر اقتصادين في العالم على خلافات رئيسية عالقة دون حل بشأن قضايا التجارة، وتايوان، وعلاقات الصين بإيران.
شكل قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي بات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصفه مؤخرا بـ"الذكاء الفائق"، أحد المحاور الرئيسية في المباحثات الثنائية مع الرئيس الصيني شي جينبينغ.
وتتعرض الدولتان المتنافستان في مجال الذكاء الاصطناعي لانتقادات متزايدة في شأن مسألة المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، بعد تسجيل عدد من الحوادث أثارت مخاوف من تَفَلُّت هذه التكنولوجيا عن سيطرة مبتكريها.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الصيني أن على واشنطن وبكين مسؤولية مشتركة في "تطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي بما يخدم الصالح العام، وضمان أن يظل تطويره دائماً في ظل الرقابة البشرية". في المقابل، أبدى ترامب موقفا مغايرا متمسكا بـ"مستوى التنظيم الحالي".
وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد اقترح سابقا آلية للإخطار المتبادل في حال وقوع أي حوادث تتعلق بالأمن القومي، داعيا إلى الانتقال من مرحلة الغموض إلى مزيد من الشفافية بين القوتين الأعظم عالميا في هذا المجال التقني الحساس.
على الصعيد الاقتصادي والتجاري، أسفرت القمة عن اتفاق البلدين على تمديد الهدنة التجارية لمدة شهرين إضافيين بعد أن كان مقررا أن تنتهي في العاشر من نوفمبر، مما يتيح مزيدا من الوقت للعمل على صياغة اتفاقية تجارية شاملة.
الاتفاقات المحدودة التي ستُعلن تفاصيلها يوم الاثنين تتضمن استثناء بعض السلع الأساسية من النزاعات التجارية، كالصادرات الزراعية والأجهزة الطبية وواردات السلع غير الحساسة
وأوضح الممثل التجاري الأميركي جيميسون جرير أن الاتفاقات المحدودة التي جرى التوصل إليها، والتي ستُعلن تفاصيلها يوم الاثنين، تتضمن استثناء بعض السلع الأساسية من النزاعات التجارية، تشمل الصادرات الزراعية الأميركية والأجهزة الطبية، وواردات السلع الاستهلاكية وغير الحساسة.
وأعرب ترامب عن تفاؤله بمخرجات اللقاء، مشيرا إلى زيادة فرص الوصول إلى الأسواق أمام المزارعين ومربي الماشية الأميركيين، ومعلنا عن لقاءات مرتقبة مع شي في نوفمبر على هامش قمة "آبيك" بالصين، وفي ديسمبر بقمة العشرين في ميامي.
يعد وضع تايوان من أبرز القضايا التي تهم شي. وتعتبر الصين أن تايوان، التي تتمتع بنظام حكم ديمقراطي، جزء من أراضيها، وسعى شي منذ فترة طويلة إلى إقناع ترامب بإعلان أن الولايات المتحدة تعارض استقلال تايوان، بدلا من الاكتفاء بالقول إنها لا تدعم الاستقلال، وهو الموقف الرسمي لواشنطن منذ عشرات السنين.
كما يحرص على حمل الولايات المتحدة على وقف مبيعات الأسلحة إلى الجزيرة.
وضغط شي على ترامب بشأن تايوان الخميس، قائلا إنه يأمل أن "تتعامل الولايات المتحدة مع قضية تايوان بحكمة".
وأوردت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن شي "يأمل في أن يلتزم الجانب الأميركي بالموقف الصحيح المتمثل في معارضة ’استقلال تايوان".
أما فيما يخص الملف الإيراني، فقد قال ترامب إنه ناقش هذه القضية مع شي، مضيفا أنه "يعتقد أننا سنحقق نتائج رائعة"، من دون الخوض في تفاصيل. وتنفي بكين الاتهامات الأميركية بمساعدة قادة إيران في الحرب التي بدأها ترامب في فبراير.
وقال السفير بيرديو في مقابلة مع (سي.إن.بي.سي) اليوم إن ترامب أكد لشي مجددا أن أي دعم مباشر أو غير مباشر لإيران "غير مقبول على الإطلاق"، وإنه تلقى تأكيدات بأن الصين لن تقدم مثل هذا الدعم.
وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) الرسمية الخميس أن شي دعا الولايات المتحدة وإيران إلى العودة للمفاوضات لإنهاء الحرب، لكنه لم يعلق علنا على الدعم الصيني لإيران.
تعكس الاتفاقات المحدودة واستحداث قنوات تواصل تقنية بين واشنطن وبكين رغبة متبادلة في إدارة الأزمات العاجلة ومنع الانزلاق نحو الصدام المباشر، غير أن استمرار الخلافات الجوهرية حول تايوان والتكنولوجيا وإيران يؤكد أن الاستقرار الحالي يظل تكتيكياً وهشاً أمام الهياكل التنافسية الكبرى."
يرى خبراء الشؤون الجيوسياسية، مثل توم كريستنسن من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الأجواء الإيجابية الحالية قد تكون مؤقتة. فالتنافس المحتدم حول ضوابط التكنولوجيا المتقدمة، وصادرات المعادن النادرة، وملفي تايوان وإيران، ينذر بتجدد الأزمات على المدى المتوسط.
ورغم نجاح الدبلوماسية الشخصية في تمديد الهدنة التجارية وفتح قنوات اتصال للذكاء الاصطناعي، إلا أن التناقضات الهيكلية بين النمو الاقتصادي الصيني والهيمنة الاستراتيجية الأميركية ستبقي العلاقات بين القوتين محكومة بديناميكية الحذر والمتاعب المستقبلية.