قلق وارتباك في العراق بسبب التعقيدات الطارئة على اختيار رئيس وتشكيل حكومة

القوى الشيعية إزاء حيرة الاختيار بين التمسك المبدئي بالسيادة الوطنية والإذعان المصلحي للإملاءات الخارجية.
الجمعة 2026/01/30
حيث سقطت قنبلة ترامب

بغداد- تبدلت حالة الارتياح والتفاؤل التي عمّت العراق بعد النجاح في تنظيم انتخابات برلمانية بشكل هادئ وسلسل في نوفمبر الماضي، وحلّ القلق والارتباك محلّ التفاؤل باختيار رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة في الآجال القانونية وبعيدا على الصراعات الحادّة التي كثيرا ما طغت على فترات ما بعد الانتخابات وجعلت من إعادة ترتيب شؤون السلطة في ضوء ما تفرزه صناديق الاقتراع عملية معقّدة وعسيرة تستهلك وقتا طويلا لتتمخض في الأخير عن خيارات ترقيعية تراعي أعراف المحاصصة واسترضاء الأفراد والكيانات والأحزاب أكثر من عوامل النجاعة والكفاءة في إدارة شؤون البلاد.

وبينما مثل اختيار رئيس البرلمان ونائبيه بالسرعة المطلوبة حدثا مبشّرا، تحوّل اختيار رئيس للجمهورية وتعيين رئيس للحكومة إلى ولادة متعسّرة مؤلمة تداخلت فيها الصراعات الحزبية المحلية مع التدخلات الخارجية.

ويضاعف من حالة القلق في البلد الوضع الإقليمي المتوتّر والتهديدات الأميركية بضرب إيران التي تجمعها علاقات شديدة المتانة بأبرز القوى المتحكمة في المشهد العراقي من أحزاب شيعية وميليشيات مسلّحة، وكذلك الوضع الاقتصادي الهش للعراق شديد الارتهان لعائدات النفط التي تمسك بزمامها الولايات المتحدة من خلال بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك الذي تمر عبره تلك العائدات بشكل ضروري.

وفي وقت تروج فيه تقارير سلبية عن الوضع المالي للعراق جاءت القفزات المتسارعة في قيمة الدولار الأميركي مقابل الدولار العراقي لتكرّس حالة القلق ولتجعل بوادر الأزمة محسوسة على نطاق شعبي مع تسجيل ارتفاع في أسعار عدد من المواد الأساسية وتناقص المعروض منها في الأسواق في ظل ممارسات احتكارية للتجار الراغبين في استثمار الأزمة وجني المزيد من الأرباح من ورائها.

 

يضاعف من حالة القلق في البلد الوضع الإقليمي المتوتّر والتهديدات الأميركية بضرب إيران التي تجمعها علاقات شديدة المتانة بأبرز القوى المتحكمة في المشهد العراقي

وسجل سعر صرف الدولار الأميركي في العراق منذ مطلع هذا الأسبوع رقما قياسيا في السوق الموازية عندما تجاوز 151 ألف دينار لكل 100 دولار مقارنة بالسعر الرسمي المعتمد من قبل البنك المركزي العراقي البالغ 132 ألف دينار لكل 100 دولار.

ولم يكن الوضع المالي والاقتصادي في العراق بمعزل عن الوضع السياسي الذي شهد تفجّر "قنبلة" من الوزن الثقيل عندما أدلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيا بدلوه في عملية اختيار رئيس للحكومة العراقية في وقت تعذّر فيه توافق الحزبين الكرديين الرئيسيين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني على ترشيح من يتولى منصب رئيس للجمهورية ما اضطر البرلمان إلى رفع الجلسة التي كانت مخصصة لانتخاب الرئيس وإرجائها إلى أجل غير مسمّى متجاوزا بذلك المدد المنصوب عليها بالدستور لتشكيل السلطات بعد فترة محدّدة من إجراء الانتخابات.

وعبّر ترامب بطريقة صريحة ومباشرة عن رفضه عودة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي لرئاسة الحكومة في بلاده مهدّدا البلد بعدم مساعدة في حال المضي في تنفيذ ذلك الخيار الذي أقرته القوى الشيعية من خلال هيكلها الجامع المعروف بالإطار التنسيقي الشيعي.

وأدركت غالبية القوى العراقية وقادة الرأي في البلد أن تهديدات ترامب تتجه صوب العصب الاقتصادي والمالي للعراق خصوصا وأن مبعوثه إلى العراق مارك سافايا ركز بشكل استثنائي على هذا الموضوع مشيرا إلى وجود عمليات فساد كبيرة في البلد، ومعلنا عن قيادته حملة للحد من الظاهرة التي قال إن مسؤولين كبارا في الدولة العراقية متورطون فيها وأنّ التلاعب بالمال العام أصبح وسيلة لأتباع إيران لتمويل حليفتهم من أرصدة العراق من العلمة الصعبة.

ومع دقّة الوضع الذي يمر به العراق احتاجت السلطة القضائية في البلد إلى تذكير السياسيين بوجوب التجاوز على خلافاتهم والإسراع باستكمال تشكيل السلطات تحسّبا للمخاطر والتقلّبات.

وأكد مجلس القضاء الأعلى في العراق، الخميس، أهمية الالتزام بالتوقيتات الدستورية في إكمال إجراءات تعيين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ومنع أي تدخل خارجي.

وقال المجلس في بيان على قناته بمنصة تلغرام عقب عقد جلسته الأولى لعام 2026، إن الجلسة عقدت برئاسة رئيس محكمة التمييز الاتحادية القاضي فائق زيدان.

وأكد “أهمية الالتزام بالتوقيتات الدستورية في إكمال إجراءات تعيين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء”.

ودعا جميع الأحزاب والقوى السياسية إلى “الالتزام واحترام هذه التوقيتات وعدم خرقها حفاظا على الاستقرار السياسي وسير العملية الديمقراطية وفق الاطر الدستورية والقانونية ومنع أي تدخل خارجي”.

والثلاثاء، أرجأ البرلمان العراقي جلسة انتخاب رئيس الجمهورية إلى أجل غير محدد، بعدما تسلم رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، طلبا من الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني لتأجيل الجلسة التي كانت مقررة في اليوم ذاته.

ويتوقع أن يعقد البرلمان خلال الأيام المقبلة جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية على أن يقوم الرئيس الجديد بتكليف مرشح الكتلة الأكبر في البرلمان لتشكيل الحكومة خلال 15 يوما.

ووفقا لنظام محاصصة بين القوى السياسية النافذة، فإن منصب رئيس الجمهورية من حصة المكون الكردي، ويتنافس عليه عادة الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، الحزبان الكرديان الكبيران في إقليم كردستان شمال العراق.

◄ قفزات في قيمة الدولار الأميركي مقابل الدولار العراقي كرّست حالة القلق وجعلت بوادر الأزمة محسوسة على نطاق شعبي

أما رئاسة الوزراء فيتولاها شيعي، ورئاسة مجلس النواب من نصيب المكون السني، وقد جرى انتخاب النائب هيبت الحلبوسي، رئيسا للبرلمان في 29 ديسمبر الماضي.

واستنادا إلى التوقيتات الدستورية، فإن البرلمان ملزم بانتخاب رئيس الجمهورية خلال شهر بعد الجلسة الأولى، التي انتهت بانتخاب الحلبوسي، وهي مدة تنتهي بنهاية يناير الجاري.

والسبت الماضي أعلن الإطار التنسيقي الشيعي ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، مؤكدا أن الاختيار جاء بأغلبية الأصوات، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طالب العراق بالامتناع عن انتخاب المالكي رئيسا للوزراء، بينما رفض الأخير وتمسك بترشيحه، معتبرا طلب واشنطن تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لبلاده.

وتفتح هذه المواقف المتناقضة على صراع غير متكافئ بين واشنطن وبغداد لا تمتلك الأخيرة أيا من وسائل خوضه، الأمر الذي يجعل القوى الشيعية الحاكمة في العراق والتي وقفت وراء ترشيح المالكي لقيادة السلطة التنفيذية في حرج شديد بين التمسّك المبدئي بالسيادة الوطنية أو الإذعان الواقعي والمصلحي للإملاءات الخارجية.

2