قبل أن يعود شبح القذافي من جديد

صانعو القرار في الولايات المتحدة وفرنسا يهدفون إلى تقريب المسافات بين الأسرتين الحاكمتين في طرابلس وبنغازي وذلك عبر صفقة تعتمد بالأساس على توحيد المؤسسة العسكرية وتنظيم الانتخابات.
الجمعة 2026/02/13
الرقم الصعب في المواجهة الانتخابية غادر السباق

في يوم واحد، وهو الحادي عشر من فبراير 2026، كانت طرابلس تستقبل نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا الفريق أول جون دبليو برينان، الذي كان مصحوبًا بالقائم بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا جيرمي برنت، والأدميرال كريستوف لوكاس، قائد الأسطول الفرنسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، في أول زيارة رسمية له إلى ليبيا. الأمر ليس من باب المصادفة، وإن حاول البعض الإيحاء بذلك، وإنما يحيل إلى التوافق الأميركي – الفرنسي على وضع خارطة مشتركة لمستقبل البلد العربي الثري في شمال أفريقيا. وقد تجسد ذلك بالخصوص في لقاء باريس بين مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها إبراهيم الدبيبة، ونائب القائد العام للجيش الوطني الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، والذي تم الترتيب له والإشراف عليه من قبل المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى ليبيا بول سولير، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس.

صانعو القرار في الولايات المتحدة وفرنسا يهدفون إلى تقريب المسافات بين الأسرتين الحاكمتين في طرابلس وبنغازي، وذلك عبر صفقة تعتمد بالأساس على توحيد المؤسسة العسكرية وتنظيم الانتخابات بما يمنح طرفي النزاع مجالًا واسعًا لتقاسم السلطة. المقربون من المطبخ السياسي يذكرون أن واشنطن وباريس والقوى الإقليمية، بما فيها القاهرة وأنقرة، لا تعارض تولي المشير خليفة حفتر منصب رئيس الدولة، ونجله صدام منصب القائد العام للقوات المسلحة، بينما يتولى شخص ترشحه أسرة الدبيبة منصب رئيس لمجلس الوزراء ووزير للدفاع، كما هو الوضع حاليًا بالنسبة إلى المهندس عبدالحميد، الذي قد يكون المؤهل أكثر من غيره للاستمرار في مكتبه الحالي بطريق السكّة.

بالنهاية المأساوية لسيف الإسلام يكون الرقم الصعب في المواجهة الانتخابية المنتظرة قد غادر السباق تاركًا وراءه فراغًا لن ينجح في سدّه أي شخص آخر مهما كان موقفه السياسي أو موقعه الاجتماعي

اللافت في الموضوع أن الطرف الذي كان حضوره يعرقل مشروع التوافق بين الأسرتين هو سيف الإسلام القذافي، باعتباره يمثّل أنصار النظام السابق ممن لا يزال لهم تأثير واسع في الأوساط الشعبية، وخاصة من أبناء القبائل والمدن الداخلية. أغلب المؤشرات كانت ترجّح فوزه برئاسة الدولة في حال دخوله سباقًا انتخابيًا خلال الفترة القادمة، وهو أمر لا يقبل به حفتر ولا الدبيبة ولا الميليشيات الحاكمة بقوة السلاح في مدن الساحل الغربي.

بالنهاية المأساوية لسيف الإسلام، يكون الرقم الصعب في المواجهة الانتخابية المنتظرة قد غادر السباق، تاركًا وراءه فراغًا لن ينجح في سدّه أي شخص آخر مهما كان موقفه السياسي أو موقعه الاجتماعي أو رصيده الشعبي.

في العام 2021 أعلن سيف الإسلام رسميًا ترشحه للانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر تنظيمها بالتزامن مع الاستحقاق البرلماني في الرابع والعشرين من ديسمبر من ذلك العام، بدعم من المجتمع الدولي وتحت إشراف مباشر من بعثة الأمم المتحدة. وظهر أمام كاميرات التلفزيون في مكتب المفوضية العليا للانتخابات بمدينة سبها وهو يتقدم بملف ترشحه ليصنع الحدث كما يجب أن يكون. من أبرز ما شد اهتمام الملاحظين آنذاك أن الرجل انتقل إلى المكتب في موكب رسمي، ووجد ما يليق به من التقدير والاحترام لدى مفوضي المفوضية ورجال الشرطة المحسوبين على سلطات شرق البلاد الخاضعة لهيمنة الجيش. نتيجة المشهد: تعبير الكثير من المراقبين عن اعتقادهم بأن ما حدث يترجم توافقًا دوليًا على تمكين سيف الإسلام من خوض الانتخابات، وبوجود دور روسي مؤكد في تأمينه، لاسيما وأنه كان يتحرك في مناطق سيطرة قوات المشير حفتر، حليف موسكو ورجل الشرق القوي الذي يمتد نفوذه إلى الجنوب والوسط الغربيين لليبيا.

عندما تم تعليق الانتخابات بشقيها الرئاسي والتشريعي إلى أجل غير مسمى، بدأت تتشكل وجهة نظر لدى عموم الليبيين مفادها أن ترشح نجل القذافي كان وراء عرقلة الاستحقاق من قبل قوى داخلية وخارجية غير مستعدة للاصطدام بنتائج تتناقض تمامًا مع انتظاراتها. تبين لاحقًا أن عواصم غربية كانت وراء تأجيل الانتخابات بعد أن تأكدت من خلال استطلاعات للرأي أن سيف الإسلام مؤهل أكثر من غيره للفوز بمنصب رئيس الدولة.

اليوم بات من الواضح أن واشنطن وباريس تسعيان بقوة إلى تفعيل الاتفاق الحاصل بين إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر بما يساهم، على الأقل، في توحيد المؤسسة العسكرية وتنظيم الانتخابات

يمكن تفسير موقف تلك العواصم بأن القذافي الابن لم يعد يتبنى مشروع “ليبيا الغد” الإصلاحي الذي كان وراء إطلاقه في العام 2006، ولا يتماهى مع الغرب في انسجامه مع العصر وانفتاحه على الآخر وإيمانه بقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وإنما بات يُنظر إليه كامتداد لنظام والده الشمولي، وكملاحق من قبل محكمة الجنايات الدولية بسبب موقفه من الانتفاضة الشعبية التي عاشتها البلاد في العام 2011 وانتهت بالإطاحة بالنظام الجماهيري وتصفية زعيمه في مشهد كان كافيًا للكشف عن طبيعة الصراع الدموي الذي لا تزال آثاره تلقي بغيومها السوداء على الوضع السياسي والاجتماعي في ليبيا. حتى محاميه كريم خان، الذي كان مكلفًا بالدفاع عنه، انقلب عليه وصار مصرّا على القبض عليه ونقله إلى لاهاي لمقاضاته أمام محكمة الجنايات الدولية التي أصبح مدعيًا عامّا لها.

خلال السنوات الماضية، سعى تيار فبراير وجماعات الإسلام السياسي وأبرز أمراء الحرب إلى استبعاد سيف الإسلام القذافي من المنافسة السياسية. وأثناء كل المفاوضات والمشاورات وجلسات الحوار، كان هناك من يطرح السؤال الصعب عن مصير نجل القذافي: هل يمكن السماح له فعلًا بالترشح للسباق الرئاسي؟ وماذا لو أصبح رئيسًا لليبيا؟ وماذا لو حصل ممثلوه على أغلبية نيابية داخل البرلمان كما حدث في الاستحقاق البلدي؟ ألا يعني ذلك أن صفحة فبراير ستُطوى وأن الشعارات والأهداف التي اندلعت من أجلها الثورة ستُرمى في سلة المهملات؟ قد يكون ذلك ممكنًا، لكن ما لا يمكن تصوره هو قبول الدول التي قادت حرب الإطاحة بمعمر القذافي بأن يختطف نجله مقاليد الحكم من جديد ويعود إلى تصفية الحساب مع خصوم والده قبل خصومه.

من يعرفون سيف الإسلام عن قرب يعلمون أنه ما كان ليفتح النار على خصومه في حالة وصوله إلى السلطة، ولكنه كذلك ما كان ليدرك أن حظه في الفوز بالسباق الرئاسي هو الذي يحول دون الاتجاه إلى صناديق الاقتراع. أطراف عدة توصلت إلى أن الحل قد يكون في استهدافه بالاغتيال وإنهاء مسيرته السياسية، وبالتالي إنهاك تيار الخضر وإزاحة أنصار النظام السابق من سباق المنافسة على الحكم.

اليوم بات من الواضح أن واشنطن وباريس تسعيان بقوة إلى تفعيل الاتفاق الحاصل بين إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر بما يساهم، على الأقل، في توحيد المؤسسة العسكرية وتنظيم الانتخابات وطي صفحة الماضي بشكل تام، لكي لا يعود شبح القذافي ليفرض نفسه من جديد على المشهد السياسي في البلاد، من خلال شخصية جديدة قد تشبه سيف الإسلام وقد تختلف عنها تمامًا.

7