عُمان لا تقبل الهيمنة ولا الابتزاز

رسائل وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي لم تخطئ عناوينها، وإنما وصلت إلى كل من يهمهم الأمر.
الاثنين 2026/09/07
حكمة في إدارة الملفات الصعبة

بدا واضحًا أن رسائل وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي لم تخطئ عناوينها، وإنما وصلت إلى كل من يهمهم الأمر، عاكسة طبيعة موقف مسقط السياسي والدبلوماسي المعبّر عن توثب روح السمت العُماني، بما يمثله من جرأة هادئة، وحكمة في إدارة الملفات الصعبة، وحياد إيجابي لا يعني الاستسلام للأمر الواقع، وإنما العمل على تغييره بعدم الانخراط فيه أو التحالف مع الساعين إلى فرضه بحجة القوة وأوهام السيطرة.

في مقاله المنشور على صفحات «فايننشال تايمز»، تطرق الوزير إلى ما تميزت به الدبلوماسية العُمانية خلال الأشهر الماضية، من تركيز على محاولة التوصل إلى اتفاق يُعيد حرية الملاحة عبر مضيق هرمز. مشيرًا إلى تلك المفاوضات المعقدة التي تُجرى في ظل التهديد الدائم بالحرب، ولها تداعيات معروفة على الاقتصاد العالمي. وأكد على ما تتطلبه هذه المفاوضات من موازنة دقيقة بين تفاصيل القانون الدولي وقضايا الأمن القومي الحساسة. لم يتم التوصل إلى حل بعد، لكن السلطة لن تنسحب. ونظرًا لما يترتب عنها من مخاطر كبيرة للغاية، شدد الوزير على أن عملية التفاوض نفسها – أي فكرة قدرة الدول على حل خلافاتها عبر الحوار – معرضة للخطر أيضًا.

رغم أنها تتقاسم مع إيران السيادة على مضيق هرمز، إلا أن عُمان اختارت أن تكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الأزمة. وعملت بكل ما لديها من خبرة دبلوماسية في إدارة الجهود السلمية عبر المفاوضات، ومن صبر وأناة في تسبيق الحوار السياسي وتفعيله بما ينسجم مع مفردات القانون الدولي، على أن يتم احتواء الموقف برؤية عاقلة تتجاوز لغة الوعيد وخطاب التحريض ومحاولات الدفع بالمنطقة إلى حافة الهاوية من قبل بعض القوى التي لم تستطع تجاوز حالة المراهقة السياسية في تعاطيها مع التحولات الإستراتيجية والجيوسياسية العميقة التي ما انفكت تتشكّل إقليميًا ودوليًا.

قبل أسبوعين، أكد وزير الخارجية العُماني أن بلاده ثابتة في التزامها بالأمن البحري والقانون الدولي، ورفض المزيد من التصعيد أو الصراع، مشيرًا إلى أن تحقيق الأمن المستدام في مضيق هرمز يتطلب إحلال السلام الدائم في المنطقة، عبر ضبط النفس والدبلوماسية والمشاركة المستمرة لمعالجة الأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار، بما في ذلك سياسات الإقصاء وعدم الالتزام بالقانون الدولي.

عُمان اختارت أن تكون جزءًا من الحل لا الأزمة معتمدة حيادًا بنّاءً يرفض الانحياز ويؤكد سيادة القرار الوطني وحماية القانون الدولي

ذلك الثبات هو التفسير المبدئي لما تسعى سلطنة عُمان إلى تحقيقه. الوزير البوسعيدي أشار في مقاله في الصحيفة البريطانية إلى ثلاثة أهداف تتبناها بلاده من خلال انخراطها المستمر: حماية سيادتها، نظرًا لأن الوضع الراهن يُهدد أمن مياهها الإقليمية؛ حماية مصالح المجتمع الدولي، إدراكًا منها أن الفئات الأكثر ضعفًا هي التي ستتضرر بشدة من استمرار إغلاق المضيق؛ وأخيرًا، تأكيد استمرار مركزية القانون الدولي من خلال العمل بأمان ضمن إطاره.

تلك النقاط الثلاث شدد الوزير على توافقها التام مع مفهوم السلطنة للحياد البنّاء، ليضعنا بذلك أمام روحية وخصوصية الرؤية العُمانية للعلاقات الدولية، واعتمادها الحياد الاستراتيجي الذي لا يعني التخلي بقدر ما يعني عدم الانحياز ورفض التورط في الصراعات والمواجهات المفتعلة أو الناتجة عن سوء التقدير، والتي يتم التخطيط لها من قبل أطراف تسعى إلى التوسع العبثي على حساب القوى الأساسية الضاربة في أبعاد التاريخ والمتجذرة في أعماق الجغرافيا.

بحسب مقال الوزير، فإن النقاط الثلاث التي توقف عندها وما ينبثق عنها من حياد بنّاء، تعني أكثر من مجرد تقديم المساعدة أو الاستعداد للتيسير، بل تعني في آنٍ واحد الحفاظ على القانون الدولي العام وبنائه، فهو ليس مجرد نص، بل يُدعم ويُعزز من خلال الأفعال المتخذة باسمه. والهدف هو تطوير إطار عمل قابل للتطبيق من الالتزامات المتبادلة، يُشكل نظامًا معياريًا. وبذلك، تستطيع الدول الصغيرة – التي تُمثل الأغلبية العالمية – حماية نفسها من تصرفات من يملكون القوة الكافية للتصرف دون عقاب.

جاءت كلمات الوزير البوسعيدي في منتهى الكشف والوضوح. لقد سعى إلى وضع ضمير العالم أمام مسؤولياته الحضارية والتاريخية من خلال قراءة واقعية لما يدور على أكثر من صعيد، من إلغاء للعقل، وإقصاء للمنطق، واعتماد لسياسات الدفع نحو الهاوية. لا سيما في السنوات الأخيرة بعد أن «أصبحت الدبلوماسية مسعىً قاسيًا». أوضح الوزير أن بعض الاتفاقات المؤقتة حققت تخفيضات محدودة في حدة التوتر، لكن لم يتم التوصل إلى حلول دائمة لأي من الصراعات العالمية الخطيرة التي تهدد الأرواح بشكل مباشر وتُلحق أضرارًا جسيمة بالدول المجاورة والاقتصاد العالمي. ليس لغياب الرؤية أو ضعف الاجتهاد أو تراجع الحماس لحل الأزمات سياسيًا، وإنما «نتيجة لبُعدين جديدين مقلقين في السياسة العالمية، يستدعيان استجابة جماعية عاجلة من المجتمع الدولي»، هما وفق نص المقال:

أولًا: تراجع الالتزام بالقانون الدولي. فقد شهدت السنوات الأخيرة ترسيخ الاحتلالات، وتزايد استخدام الاغتيال والاختطاف كأدوات سياسية، وهجمات طائشة على المدنيين، إلى جانب ازدراء سافر لمؤسسات كالأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وهذا يُنذر بالعودة إلى حقبة سابقة كانت فيها القوى العظمى قادرة على التصرف دون عقاب، ولكن هذه المرة بأسلحة دمار شامل.

ثانيًا: ميل بعض قادة العالم إلى الاعتقاد بإمكانية ممارسة الدبلوماسية بأنفسهم، دون إشراك الدبلوماسيين. تكمن المشكلة في أنهم سرعان ما يكتشفون قلة الأدوات المتاحة أمامهم لتحقيق أهدافهم، فيضطرون إلى اللجوء إما إلى الأسلوب الإمبراطوري التقليدي للقرن التاسع عشر، المعروف بـ”دبلوماسية السفن الحربية”، أو إلى الأسلوب الحديث الأكثر دقة، ولكنه لا يقل تدميرًا، والمتمثل في استخدام القوة الاقتصادية لترهيب شعوب بأكملها وإخضاعها، أملًا في “تغيير النظام” وتشكيل إدارة تابعة مطيعة.

الحياد العُماني ليس ضعفًا بل قوة يستند إلى التاريخ والجغرافيا والهوية ويرفض الخضوع للقوى الإقليمية والدولية، متمسكًا بالعدل والسيادة الوطنية

وضع وزير الخارجية العُماني إصبعه على مكمن الألم، ونجح ليس فقط في تشخيص الداء وإنما في التصريح بحقيقته في الوقت الذي تكتفي أغلب الدول بالصمت، أو بالتواطؤ عبر عرقلة بروتوكولات العلاج والخضوع لسياسة الابتزاز التي تواجهها.

عليك أن تكون عُمانيًا حتى تكون بتلك الجرأة التي تفضح عبث من يعتبر نفسه شرطي العالم. فما يقوم به الرئيس الأميركي دونالد ترامب من اعتماد على «دبلوماسية السفن الحربية» ومن تدخل مباشر في الدول الصغرى لانتهاك سيادتها ونهب مقدراتها وتقرير مصير أنظمتها بدلًا عن شعوبها، إنما يفاقم أزمات العالم بسبب تراجع الالتزام بالقانون الدولي وعرقلة الجهود الدبلوماسية لحلحلتها، واختيار طريق التسرع وكسر القواعد لبسط النفوذ وفرض لغة القوة في تحقيق ثنائية الهيمنة والابتزاز.

جاء مقال الوزير البوسعيدي ليضعنا أمام جملة من المؤشرات، من بينها أن سلطنة عُمان اعتمدت سياسة الحياد البنّاء عن قناعة وليس عن ضعف، وأرادت لذلك الحياد أن يكون إيجابيًا في تأكيده على سيادة القرار الوطني، ومن منطلق فاعليته في فك فتيل الأزمات بالمنطقة والعالم. ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوقها غير القابلة للمساومة عليها، وبرؤيتها التي لا تتأثر بموازين القوى بقدر ما تخضع لميزان العدل، وبمواقفها التي تنطلق من خصوصيات موقعها الجغرافي وهويتها التاريخية وسمتها الحضاري ودورها السياسي وعقيدتها الفكرية والإستراتيجية، فإنها أكبر من أن تركن للصمت أو تقبل بالخضوع، سواء كان ذلك في مواجهة قوة إقليمية صاعدة أو قوة دولية فاعلة. وهي لا تدور في فلك هذا أو ذاك، وإنما تحدد أهدافها وتعمل وفق ما تتطلبه مصالحها.

بدا واضحًا أن رسائل وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي لم تخطئ عناوينها، وإنما وصلت إلى كل من يهمهم الأمر، حيث أكدت أن السلطنة ليس لها ما تخفيه أو تتستر عليه، ولا ما تساوم عليه من تحت الطاولة أو وراء الستار. إنها تقول كلمتها وتُمضي، ثم تمضي في اتجاه المستقبل بكثير من الأمل والتفاؤل والتمسك بالثوابت والانسجام مع الذات.