عوائق أمنية واجتماعية تعرقل التخلص من مخلفات حقبة داعش في العراق
حسم ملف العراقيين الموجودين في مخيم الهول بشمال شرق سوريا لا يزال بعد مضي ثماني سنوات على هزيمة تنظيم داعش يتعثر بفعل ما يواجهه من عوائق أمنية وتعقيدات إدارية وترسبات اجتماعية وثقافية تهدّد بإبقاء الآلاف من هؤلاء وعوائلهم، بمن في ذلك أطفالهم، على الهامش معرضين للتعبئة من جديد بأفكار النقمة على الدولة والمجتمع والوقوع مجدّدا في شراك التطرف.
الموصل (العراق) - لا تزال عودة العراقيين الموجودين في مخيم الهول المخصص لاحتجاز عناصر تنظيم داعش وعوائلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع تتعثر رغم الجهود التي تبذلها السلطات لحسم هذا الملف الشائك قضائيا وقانونيا والمحرج إنسانيا وأخلاقيا والخطير أمنيا، وذلك بفعل ما تعترض عملية العودة من عوائق متعددة بعضها أمني وبعضها اقتصادي والبعض الآخر إداري واجتماعي.
وبعد سنوات طويلة قضاها محتجزا في مخيّم الهول بسوريا، فرح إبراهيم درويش بحصوله أخيرا على موافقة ليرجع إلى بلده العراق، لكن العودة لم تكن بالسهولة التي تخيّلها.
فللدخول إلى بلدته، اشتُرط عليه تقديم كتاب للسلطات المحلية يتبرّأ فيه من اثنين من أولاده مسجونين للاشتباه في انضمامهما إلى تنظيم الدولة الإسلامية، فيما ينفي هو هذه التهمة.
ويقول الرجل البالغ من العمر أربعة وستين عاما “كل ما كنت أريده هو العودة إلى العراق”. لكن العودة كلّفته كثيرا. ويوضح “تبرّأت من ولَدَيّ وليس لديّ بيت ولا بستان”، مضيفا “أصبحت تحت الصفر وفي داخلي قهر”.
ويواجه العراقيون العائدون من مخيم الهول الذي تديره الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا ويؤوي نازحين وعائلات أشخاص يشتبه في انضمامهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية، تحديات جمّة في إعادة الاندماج في مجتمعاتهم الأصلية.
وقابلت وكالة فرانس برس أكثر من خمسة عشر شخصا بين عائدين وعاملين في المجال الإنساني ومحام، طلب معظمهم عدم الكشف عن هوياتهم لأسباب أمنية، فعدّدوا عقبات كثيرة أمام العودة، أبرزها صعوبة الحصول على أوراق ثبوتية والاضطرار إلى قطع الاتصال بأقارب مشتبه بهم.
ويقول مسؤول أمني عراقي رفيع إن “الحكومة تقدم تسهيلات كثيرة للعائدين لمساعدتهم على الاندماج وإصدار الوثائق الشخصية لهم وإيجاد عمل”، مؤكدا أن “موضوع التبرّؤ من الأقارب ممنوع منذ سنوات”. وهو يدعو العائدين إلى “إبلاغ السلطات” حين يُطلب منهم التبرّؤ إذ إنه “غير قانوني”.
ومن جهته، يوضح محامي عدد من العائدين، أن تعهدات التبرؤ هي بمثابة شكاوى يقدمها أحد أفراد الأسرة ضد فرد آخر. ويحذّر من اعتقاد خاطئ بأن على العائدين تقديم وثائق تبرّؤ من الأقارب للحصول على وثائق رسمية مثل بطاقات الهوية وشهادات الولادة.
وحصل درويش في 2022 على موافقة لمغادرة مخيّم الهول، وذلك بعد حصوله على موافقة أمنية عراقية ودعم من زعيم عشيرته.
وبعد عودته إلى بلده، أمضى عدة أشهر في “مركز الأمل للتأهيل النفسي والمجتمعي” المعروف سابقا بـ”مركز الجدعة لإعادة التأهيل المجتمعي”، حيث ينتظر المنضمّون إلى برامج إعادة التأهيل، أشهرا للحصول على المزيد من الموافقات من السلطات العراقية قبل العودة إلى ديارهم.
ويقول درويش “في العراق استقبلونا أفضل استقبال”. لكن عندما حلّ موعد عودته إلى محافظة صلاح الدين شمالي العاصمة بغداد، وافق على مضض على طلب السلطات المحلية منه أن يتبرّأ من اثنين من أولاده كشرط أساسي للعودة إلى بلدته.
ويوضح “عائلتي مؤلفة من أحد عشر فردا، وأنا رجل كبير في العمر وليس لدي راتب ولا مصدر معيشة، فإذا لم أفلح أرضي كيف نعيش”.
أمّا البيت، فوجده ركاما، ما اضطُره إلى بناء غرفتَين فوق الدمار لإيواء أسرته.
منتقدو التعامل العراقي مع عوائل داعش يرون بأنّه يمثل نموذجا آخر عن سطحية المعالجة لمخلّفات حقبة التنظيم المظلمة بشكل لا يساعد على طي صفحتها
وباتت حالة مخيم الهول وأوضاع سكانه بمثابة مشكلة إنسانية كبيرة وخصوصا في ما يعلّق بالأطفال الذين ولد بعضهم قبل هزيمة التنظيم وولد آخرون بعد ذلك ولم يعرفوا من المحيط سوى المخيم الذي يعتبر بمثابة سجن كبير لهم.
ومن العوائق الاستثنائية التي واجهت جهود العراق لإعادة المواطنين من المخيم اعتراضات من قبل سكان عدّة مناطق يرفضون توطين عوائل داعش في مناطقهم التي كانت قد عانت ويلات التنظيم عند احتلاله لتلك المناطق بين سنتي 2014 و2017.
ويرى ثاناسيس كامبانيس مدير مركز أبحاث سنتشري إنترناشونال ومقره نيويورك، أن العائدين “يواجهون مستقبلا غامضا”، خصوصا أن بعض المصنّفين على أنهم من عائلات عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “محرومون من الحصول على الوثائق” الأساسية للحصول على الرعاية الصحية والتعليم والتوظيف.
ويقول “في أقل تقدير، يُعدّ العقاب الجماعي لعائلات عناصر تنظيم الدولة الإسلامية ظلما وخطأ أخلاقيا”. ويضيف “في أقصى تقدير، تُهيّئ سياسة العراق بيئة مجندين محتملين خصبة للمتطرفين الطائفيين العنيفين”.
ويعتبر منتقدو التعامل العراقي مع عوائل داعش بأنّه يمثل نموذجا آخر عن سطحية المعالجة لمخلّفات حقبة التنظيم المظلمة بشكل لا يساعد على طي صفحتها بل يجعل لها نتائج وتبعات طويلة الأمد قد تمتد لأكثر من جيل، حيث ستظلّ جمرة التطرف مشتعلة وتستمدّ وقودها من عملية العزل والإقصاء التي يعامل بها الآلاف من الأشخاص الذين كانت لهم صلات ولو بسيطة واضطرارية بعناصر من تنظيم داعش، وجلهم لم تثبت بحقّهم تهمة الانتماء إلى التنظيم.
ويذهب حقوقيون إلى وصف الأسلوب العراقي في التعاطي مع عوائل داعش وحتى المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم، بأنّه عبارة عن محاربة للتشدّد بالتشدّد، مذكّرين بوجود حقوق أساسية معترف بها دوليا لا يمكن إسقاطها أو تجاوزها عند محاسبة أعتى المجرمين والإرهابيين. كما أنّ هناك مبادئ راسخة على رأسها تحريم العقاب الجماعي وتحميل الأشخاص تبعة جرائم اقترفها غيرهم.
حقوقيون يصفون الأسلوب العراقي في التعاطي مع عوائل داعش وحتى المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم، بأنّه عبارة عن محاربة للتشدّد بالتشدّد
وتخشى سيدة ثلاثينية طلبت عدم الكشف عن هويتها، من العودة إلى ديارها في صلاح الدين حيث أوقف والدها لدى عودته وتوفي لاحقا في السجن.
وتقيم حاليا في منزل متهالك في الموصل تخشى أن يتم إجلاؤها منه، فيما تؤرقها فكرة الحصول على أوراق ثبوتية إذ قد تُضطر إلى “التبرّؤ” من زوجها للحصول عليها.
وفي حين تشكر السلطات على إعادتها من مخيّم الهول حيث يتحدث كثيرون عن تزايد للعنف، تطالب السيدة بحلّ أزمة الأوراق الثبوتية. وتقول “نحن بحاجة إلى دعمهم لكي نتمكّن من السير إلى الأمام”.
وفيما ترفض العديد من الدول استعادة مواطنيها من مخيّم الهول، يسرّع العراق عمليات إعادة مواطنيه وقد أعاد حتى الآن نحو سبعة عشر ألفا معظمهم من النساء والأطفال. وتساهم منظمات محلية ودولية في تسهيل عملية إعادة الإدماج.
ويدعم الصندوق العالمي للصمود وإعادة الإدماج وهو منظمة مقرها جنيف وتركّز على منع التطرف، عدة مراكز مجتمع مدني محلية ساعدت حتى الآن حوالي ستة آلاف عائد.
وتقدّم المنظمة، بحسب المسؤول فيها كيفن أوزبورن، خدمات مثل الدعم النفسي والاجتماعي والتدريب المهني، لتسهيل العودة.
لكن تزامنا مع تزايد عمليات إعادة توطين العائدين في العراق، يعيق قرار واشنطن الأخير بخفض المساعدات الخارجية تلك الجهود.
وتتطلّب زيادة عمليات الإعادة، وفق أوزبورن، “توسيع نطاق الدعم لإعداد المجتمعات المحلية بشكل مناسب وتمكين إعادة الإدماج السلس والمستدام”.
وتقول نوران محمود من المؤسسة العراقية للتنمية المدعومة من الصندوق، إن الكثير من العائدين يخشون “الرفض المجتمعي ووصمة العار” ويواجهون تحديات “اقتصادية واجتماعية ونفسية”.
وتقدّم منظّمتها في الموصل استشارات نفسية إذ يعاني كثيرون من “القلق ومشاكل بالنوم والاكتئاب”، بالإضافة إلى برامج تعليمية.
وعادت الشابة رهف البالغة أربعة وعشرين عاما وهي من اللاتي يتلقّين دعما لمعالجة صدماتهنّ المتراكمة على مدى سنوات، إلى مقاعد المدرسة المتوسّطة بفضل دعم هذه المنظمة المحلية. وتمثل حالتها أحد النماذج القليلة المحفزة على التفاؤل حيث تقول “أشعر أنني ناجحة وأريد أن أعمل إمّا بالمحاماة أو بالتعليم”.