عمان والسعودية: تكامل قوتي العراقة والعقلانية

العلاقات بين سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية تتسم بالتنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي المتنامي خاصة مع تأسيس مجلس التنسيق العُماني السعودي وفتح منفذ الربع الخالي لزيادة التبادل التجاري.
الأربعاء 2025/12/24
رسالة بليغة المحتوى

تُعدّ العلاقات بين سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية نموذجية في طبيعتها، متقدمة على صعيد الوعي المشترك بخصوصية الروابط التاريخية بين البلدين في أبعادها الاجتماعية والثقافية والروحية، وما تستوجبه من جهود للارتقاء بمستويات التنسيق السياسي والدبلوماسي والأمني والاستراتيجي، وتعزيز الشراكة الاقتصادية وتوحيد المواقف إزاء الملفات والقضايا الإقليمية والدولية. وهي علاقات تتميز بالثقة والاحترام المتبادلين، وباطمئنان كل طرف نحو الآخر. فالدولتان معروفتان برصانة المواقف ووضوح الرؤى واحترام التعهدات، كما أنهما مدافعتان بقوة عن قيم الحوار الحضاري والثقافي والسلام والاستقرار في المنطقة، وترفضان التدخل في شؤون الآخرين، وهو ما يتجلى في مواقف القيادتين في مسقط والرياض.

في 11 يوليو 2021، تم الإعلان رسميًا عن تأسيس مجلس التنسيق السعودي العُماني، خلال الزيارة التي قام بها السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة ولقائه الملك سلمان بن عبد العزيز في مدينة نيوم، وذلك بهدف وضع رؤية مشتركة لتعميق واستدامة العلاقات بين البلدين، ورفع مستوى التكامل بينهما في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والتنمية البشرية، بالإضافة إلى وضع إطار للاتفاقيات والمشروعات المشتركة بينهما.

القيادتان في البلدين لا تمارسان الجعجعة والضجيج، وإنما تباشران دوريهما بهدوء تام يحقق أهدافه السامية والنبيلة، متجاوزًا آثار العواصف الإقليمية التي تضرب في اتجاهات شتى

كانت تلك الزيارة الأولى الخارجية للسلطان هيثم بعد توليه الحكم في 11 يناير 2020، وقد مثّلت رسالة بليغة المحتوى تؤكد استمرارية السلطنة على ثوابتها الأساسية، وتعيد إلى الأذهان ملامح أول زيارة خارجية للسلطان الراحل قابوس بن سعيد بعد توليه الحكم في 23 يوليو 1970، عندما اختار أن يؤديها إلى المملكة في 11 ديسمبر 1971 تلبية لدعوة من الملك فيصل بن عبد العزيز، إعلانًا عن تدشين مرحلة جديدة من العلاقات الأخوية العريقة والوطيدة. وفي العام 1973، قال السلطان قابوس: “السعودية شقيقتنا الكبرى وسياستها الإسلامية هي المثلى”، مستطردًا أن “أسلوب الدول الفاشلة هو التفاخر والتآمر والتدخل في شؤون غيرها”. كانت تلك الكلمات مؤشرًا على الرؤية الثاقبة للقيادة العُمانية في قراءتها للخارطة الجيوسياسية ووعيها بطبيعة التوازنات الاستراتيجية.

تتسم العلاقات بين سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية بالتنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي المتنامي، خاصة مع تأسيس مجلس التنسيق العُماني السعودي وفتح منفذ الربع الخالي لزيادة التبادل التجاري، وتكامل الرؤى الاقتصادية (رؤية 2030 ورؤية 2040) في مجالات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي واللوجستيات، مع وجود توافق في وجهات النظر حول القضايا الإقليمية، رغم اختلافات تاريخية في المواقف السياسية، مما يعكس شراكة استراتيجية واعدة بين البلدين.

اليوم، يلعب المجلس دورًا فاعلًا في استثمار الإمكانات وتعظيم المنافع والمصالح المشتركة بما يلبي تطلعات وطموحات شعبي البلدين، إنفاذًا لتوجيهات قادتهما. وفي 22 ديسمبر 2025، عقد اجتماعه الثالث في مسقط، برئاسة مشتركة من وزيري خارجية البلدين بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي والأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وبمشاركة رؤساء اللجان الفرعية وأميني الأمانة العامة للمجلس.

وزير الخارجية العُماني أشار إلى التقدم النوعي في العلاقات بين البلدين الشقيقين وما شهدته من تطور ملحوظ في العديد من القطاعات باتجاه تحقيق التكامل الاقتصادي وتعزيز التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، فضلًا عن تعميق التعاون في المجالات الأمنية والعدلية والثقافية والسياحية. كما تحدث عن التعاون المتطور والمتواصل في النواحي السياسية والتشاور والتنسيق إزاء القضايا الإقليمية والدولية، بما يعكس الحرص المشترك على تكامل الرؤى والأهداف بين البلدين الشقيقين، وأعرب عن تطلعه إلى مواصلة النهوض بالتعاون المشترك وتحقيق التكامل في شتى المجالات التي تعود بمزيد من المنافع على الشعبين، مؤكدًا تفعيل مختلف المبادرات المتفق عليها وتنفيذ البرامج والمشاريع المشتركة بما يحقق طموحات قيادتي وشعبي البلدين.

المجلس يلعب دورًا فاعلًا في استثمار الإمكانات وتعظيم المنافع والمصالح المشتركة بما يلبي تطلعات وطموحات شعبي البلدين، إنفاذًا لتوجيهات قادتهما

وزير الخارجية السعودي تطرق إلى أهمية تنمية وتطوير العلاقات التجارية وتحفيز الاستثمار والتعاون بين القطاعين الحكومي والخاص. وأشاد بتوقيع محضر تسهيل الاعتراف المتبادل بقواعد المنشأ بين البلدين، والاكتفاء بشهادة المنشأ الصادرة من الجهات المعنية، وإطلاق مبادرات المرحلة الثانية من التكامل الصناعي بين البلدين الشقيقين، ما يعكس متانة الروابط الاقتصادية ويؤكد الالتزام بتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري الذي يخدم مصالح البلدين والشعبين. كما أشاد بالعمل القائم على إنشاء المنصة الإلكترونية لمجلس التنسيق وتدشينها، التي تهدف إلى ربط جميع أعمال اللجان ومبادراتها لتسهيل متابعة سير أعمال المجلس، مثمنًا التقدم المحرز بين البلدين في مجالات الاقتصاد والتجارة والصناعة والطاقة والاستثمار وغيرها من المجالات الحيوية، والسعي إلى توسيع فرص التعاون بما ينعكس إيجابًا ويعود بالنفع على شعبي البلدين. وأكد الحرص على أهمية الاستمرار في أن تتابع اللجان المنبثقة عن المجلس استكمال الإجراءات اللازمة لتنفيذ ما تبقى منها، وأن تقوم الأمانة العامة بالمتابعة والعمل على معالجة أي تحديات تحول دون ذلك.

القيادتان في البلدين لا تمارسان الجعجعة والضجيج، وإنما تباشران دوريهما بهدوء تام يحقق أهدافه السامية والنبيلة، متجاوزًا آثار العواصف الإقليمية التي تضرب في اتجاهات شتى. ومن يتابع مسيرة العلاقات الثنائية سيجد في كل خطوة من خطواتها ترجمة واضحة لفكر كل من السلطان هيثم والملك سلمان ورؤية الأمير محمد بن سلمان، وتعبيرًا عن إرادة الشعبين، بل الشعب الواحد في البلدين الجارين الشقيقين المتوافقين على ضرورة أن يكون الغد أفضل وأكمل، سواء بالنسبة إليهما أو بالنسبة للمنطقة التي يلعبان فيها دورًا رياديًا يليق بمكانة كل منهما السياسية والثقافية والحضارية.

7