عسكريون أميركيون في لبنان للإشراف على تنفيذ اتفاق الإطار

وزير الدفاع الإسرائيلي يتحدى واشنطن: لا نحتاج إلى إذن للبقاء في لبنان.
الخميس 2026/07/09
شكوك لبنانية في النوايا الإسرائيلية

واشنطن تسعى إلى ترجمة "اتفاق الإطار" الذي رعته إلى خطوات عملية تعزز حضور الجيش اللبناني وتحد من احتمالات تجدد المواجهة، بينما تواصل إسرائيل ربط أي انسحاب إضافي بشروط تتعلق بسلاح حزب الله، في موقف يعكس استمرار التباين بين الرؤية الأميركية الساعية إلى احتواء التوتر، والمقاربة الإسرائيلية التي تمنح الأولوية للاعتبارات الأمنية والعسكرية.

بيروت- تكثف الإدارة الأميركية تحركاتها لتفعيل “اتفاق الإطار” الموقع بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لنقل التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي، وسط استمرار المماطلة الإسرائيلية في تنفيذ الالتزامات المتعلقة بإعادة الانتشار والانسحاب من المناطق التي يفترض أن يتسلمها الجيش اللبناني في جنوب البلاد.

ويأتي هذا التحرك في وقت تزداد فيه المخاوف من انهيار التهدئة الهشة التي أعقبت الحرب الأخيرة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في عدد من المناطق الحدودية، وتمسك تل أبيب بإبقاء قواتها داخل ما تصفه بـ”المنطقة الأمنية”، رغم الضغوط الأميركية الداعية إلى احترام التفاهمات التي جرى التوصل إليها برعاية واشنطن.

وفي هذا السياق أعلن سفير الولايات المتحدة لدى بيروت ميشال عيسى، الخميس، أن وفدا عسكريا أميركيا سيصل إلى لبنان خلال الأيام المقبلة، للإشراف على المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق، مؤكدا أن التحضيرات الميدانية والإدارية بلغت مرحلة متقدمة.

وجاء إعلان عيسى عقب لقائه الرئيس اللبناني جوزيف عون، بحسب بيان للرئاسة اللبنانية، بينما تزامن مع تصريحات تصعيدية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، عكست وجود تباين واضح بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي بشأن مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان.

وكان لبنان وإسرائيل قد وقعا في السادس والعشرين من يونيو الماضي، في واشنطن وبرعاية أميركية، “اتفاق إطار” ينص على بدء إعادة انتشار إسرائيلية من منطقتين تجريبيتين، على أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيهما، تمهيدا لتوسيع نطاق التنفيذ تدريجيا إذا أثبتت المرحلة الأولى نجاحها.

ميشال عيسى: زيارة عون إلى واشنطن تعكس مدى اهتمام ترامب بلبنان

وأثار الاتفاق منذ الإعلان عنه انقساما واسعا داخل الساحة اللبنانية، إذ اعتبره بعض القوى السياسية خطوة ضرورية لتجنيب البلاد حربا جديدة، فيما رأت أطراف أخرى أنه يقدم تنازلات كبيرة لإسرائيل، خصوصا أنه يربط الانسحاب الإسرائيلي باستكمال انتشار الجيش اللبناني واتخاذ إجراءات تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة.

ولم يحدد الاتفاق جدولا زمنيا واضحا للانسحاب الإسرائيلي، وهو ما فتح الباب أمام تفسيرات مختلفة، وأثار مخاوف من أن تتحول العملية إلى مسار طويل يخضع للتقديرات الأمنية والسياسية الإسرائيلية أكثر مما يخضع لنصوص الاتفاق.

وأوضح عيسى أن الوفد العسكري الأميركي سيعمل مع الجانبين على وضع الآليات التنفيذية الخاصة بالمناطق التجريبية، مؤكدا أن الهدف الأساسي يتمثل في ضمان عدم حدوث أي فراغ أمني لحظة انسحاب القوات الإسرائيلية، بما يتيح انتقالا منظما للمسؤوليات إلى الجيش اللبناني.

وأضاف أن الاجتماعات التنسيقية ستحدد توقيت بدء التنفيذ على الأرض، وفق نتائج المشاورات الفنية والعسكرية، وبما يضمن استقرار الوضع الأمني ومنع أي تصعيد ميداني قد يعرقل تنفيذ الاتفاق.

ويرى مراقبون أن إرسال وفد عسكري أميركي إلى بيروت يعكس رغبة واشنطن في الانتقال من دور الوسيط السياسي إلى دور المشرف المباشر على تنفيذ الترتيبات الأمنية، بما يمنح الاتفاق قدرا أكبر من الضمانات، ويحد من احتمالات تعثره بسبب الخلافات بين الطرفين.

ولا تزال إسرائيل تحتفظ بمناطق داخل جنوب لبنان، بعضها يعود إلى سنوات طويلة، فيما توسعت سيطرتها خلال الحرب التي اندلعت بين عامي 2023 و2024، قبل أن تتوغل مجددا خلال العمليات العسكرية الأخيرة لمسافات تجاوزت عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ما يجعل مسألة إعادة الانتشار إحدى أكثر القضايا حساسية في المفاوضات الجارية.

وفي إطار متابعة تنفيذ الاتفاق، تستعد الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية لعقد جولة جديدة من الاجتماعات في العاصمة الإيطالية روما يومي الرابع عشر والخامس عشر من يوليو الجاري، بعد سلسلة اجتماعات سابقة استضافتها واشنطن.

وأوضح عيسى أن اختيار روما لا يعكس أي تغيير في طبيعة المفاوضات، وإنما جاء لأسباب تقنية ولوجستية تتعلق بتسهيل تنقل أعضاء الوفود والسفراء، مؤكدا أن الاجتماع سيكون مخصصا للجوانب التنفيذية والتنظيمية الخاصة باتفاق الإطار.

وأشار إلى أن الاجتماعات ستناقش تشكيل فرق عمل متخصصة تضم خبراء قانونيين وتقنيين وعسكريين، بهدف متابعة تنفيذ البنود المتفق عليها، لافتا إلى أن روما لن تكون المحطة الأخيرة، بل ستعقبها اجتماعات أخرى في عواصم مختلفة وفقا لمراحل التنفيذ.

ويعكس هذا المسار حرص الإدارة الأميركية على إنشاء آلية متابعة مستمرة، بدلا من الاكتفاء بتوقيع الاتفاق، خصوصا أن التجارب السابقة أظهرت أن معظم التفاهمات اللبنانية الإسرائيلية كانت تتعثر عند مرحلة التطبيق.

وفي الشق السياسي، أكد عيسى أن الزيارة المرتقبة للرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن، بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تكتسب أهمية خاصة في الظرف الراهن، لأنها تعكس اهتمام الإدارة الأميركية بإعادة تثبيت الاستقرار في لبنان، ودعم مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.

وكان مصدر لبناني رفيع قد كشف، الأربعاء، أن عون سيتسلم رسميا الدعوة الأميركية خلال لقائه السفير الأميركي، في خطوة ينظر إليها على أنها مؤشر على رغبة واشنطن في تعزيز التواصل المباشر مع القيادة اللبنانية خلال المرحلة المقبلة.

الإدارة الأميركية تكثف تحركاتها لتفعيل "اتفاق الإطار" الموقع بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لنقل التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي

وخلال اجتماعه مع عيسى شدد الرئيس اللبناني على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، وممارسة ضغوط جدية على إسرائيل لوقف القصف وأعمال التجريف والتفجير التي تنفذها في عدد من القرى الجنوبية، والالتزام الكامل بما ورد في اتفاق الإطار.

وتشير الإحصاءات الرسمية اللبنانية إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة منذ الثاني من مارس 2026 أسفرت عن مقتل أكثر من أربعة آلاف وثلاثمئة شخص، وإصابة أكثر من اثني عشر ألفا، إضافة إلى نزوح ما يزيد على مليون لبناني، ما يجعل تثبيت التهدئة أولوية ملحة بالنسبة للحكومة اللبنانية.

وفي المقابل، بدا أن التصريحات الأميركية المتفائلة بشأن مستقبل الاتفاق لا تحظى بالتأييد الكامل داخل الحكومة الإسرائيلية.

فبعد ساعات من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، اعتقاده بأن إسرائيل ستنسحب من لبنان تنفيذا للاتفاق، خرج وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتصريحات حملت نبرة مغايرة.

وقال كاتس إن إسرائيل “لم تطلب إذنا من أحد لدخول لبنان، ولا تحتاج إلى إذن للبقاء فيه”، مؤكدا أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل من داخل المنطقة الأمنية “كلما اقتضت الحاجة”، في موقف اعتبره مراقبون رسالة مباشرة إلى واشنطن بأن القرار النهائي بشأن الانسحاب سيظل خاضعا للتقديرات الأمنية الإسرائيلية.

وربط كاتس أي انسحاب إضافي بإتمام عملية نزع سلاح حزب الله في مختلف أنحاء لبنان، وإزالة ما وصفه بالتهديد الذي يواجه مستوطنات شمال إسرائيل، وهو شرط يدرك كثير من المراقبين صعوبة تحقيقه في المدى القريب، بالنظر إلى تعقيدات المشهد السياسي اللبناني.

وفي الوقت الذي تمضي فيه الحكومة اللبنانية في تنفيذ خطة لحصر السلاح بيد الدولة، لا يزال حزب الله يرفض التخلي عن ترسانته العسكرية، معتبرا أنها تمثل جزءا من “المقاومة” في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يجعل ملف السلاح أحد أكثر الملفات تعقيدا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

وتعكس هذه المعادلة أن نجاح اتفاق الإطار لن يتوقف على التفاهمات التقنية وحدها، بل سيظل رهنا بقدرة الولايات المتحدة على تضييق الفجوة بين المطالب الأمنية الإسرائيلية والاعتبارات السيادية اللبنانية، ومنع الخلافات السياسية من إعادة إشعال جبهة لا تزال قابلة للانفجار في أي لحظة.

2