"عزنا بطبعنا": القوة الناعمة السعودية

عز السعوديين قائم بانتمائهم الحضاري الأصيل، وبهويتهم الوطنية الخالدة الضاربة في أعماق التاريخ وبقيمهم الثقافية والروحية والأخلاقية النبيلة والسامية، بعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة.
الخميس 2026/09/10
نموذج مثالي للقوة الناعمة المؤثرة عالمياً

ظهر مفهوم القوة الناعمة للمرة الأولى في العام 1990، من خلال كتاب “القوة الناعمة.. وسيلة نجاح في السياسة الدولية” لأستاذ العلوم السياسية الأمريكي جوزيف ناي، الذي عرّفه بأنه “القدرة على التأثير في الآخرين من خلال الجذب والإقناع بدلاً من الإكراه والرشوة”، معتبراً أن القوة الناعمة لبلد ما ترتكز على ثلاثة موارد، هي: ثقافته، قيمه السياسية، وسياساته الخارجية؛ خصوصاً عندما يراها الآخرون مشروعةً وذات سلطة معنوية وأخلاقية.

انطلاقاً من هذا التعريف، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية تعد نموذجاً مثالياً للدولة ذات القوة الناعمة المؤثرة عالمياً، والتي تعبر الحدود والمسافات، وتخترق الحواجز لتدخل البيوت والقلوب لما يقارب نصف مليار عربي، وملياري مسلم، لتتجاوز تلك الأرقام ليس فقط من بوابات حضورها الروحي والديني والأدبي والتراثي والرمزي، وإنما كذلك من دورها الثقافي الأوسع والحضاري الأشمل بما في ذلك الترفيه والرياضة والإعلام والدبلوماسية العامة والمساعدات الإنسانية والإغاثية وغيرها.

قبل كل ذلك وبعده، هناك طبع السعوديين الذي يعتز به أهله، وهو نتاج هوية ثقافية واجتماعية توارثتها الأجيال منذ آلاف السنين، ولقّحتها المحطات التاريخية الكبرى والأحداث والتجارب والملاحم، فأعطتها زخماً من الإضافات المهمة مروراً بمحطتين تتميزان بأنهما الأكثر تأثيراً في تاريخ الجزيرة العربية: ظهور الإسلام على يد النبي محمد بن عبد الله في أوائل القرن السابع للميلاد، وقيام الدولة السعودية الحديثة على يد الملك عبد العزيز آل عبد الرحمن آل سعود في أوائل القرن العشرين.

العيد الوطني السعودي السادس والتسعون، الذي تحتفل به المملكة في 23 أيلول/سبتمبر الحالي، سينتظم تحت شعار “عزّنا بطبعنا”، تأكيداً على تلك الهوية الأخلاقية والقيمية والإنسانية بخصوصياتها الرمزية والروحية من داخل منظومة اجتماعية ضاربة في العراقة، متجذرة في الأصالة، ثرية بالسجايا، ومشعة بالخصوصيات. لذلك، فإن عز السعوديين قائم بانتمائهم الحضاري الأصيل، وبهويتهم الوطنية الخالدة الضاربة في أعماق التاريخ، وبتلك العلاقة الأزلية في قِدمها والسرمدية في خلودها مع عبقرية المكان وروعة الفضاء الممتد بجلالة الإطار وعظمة الأسرار.

القوة الناعمة السعودية تتجسد في الهوية الوطنية العريقة والثقافة الأصيلة والدور الحضاري الممتد من الإسلام والدولة الحديثة إلى الرياضة والإعلام والمساعدات الإنسانية

عز السعوديين دائم بقيمهم الثقافية والروحية والأخلاقية النبيلة والسامية، بعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة التي نراها في الوقفات والمواقف الإنسانية للملك وولي العهد، كما في سلوك وتصرفات وخصوصيات وتطلعات الإنسان السعودي حيثما كان موقعه من نسيج المجتمع وخارطة الجغرافيا. العلاقة الوطيدة والعميقة والراسخة بين القيادة والشعب تتضح في وحدة السجايا والمزايا والمشاعر والأحاسيس. الملك سلمان أكد على ذلك بقوله: “كان ملوكنا منذ عهد الملك المؤسس، والملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد، والملك فهد، والملك عبد الله بن عبد العزيز، على نهج أسلافهم ووالدهم، النهج الذي يجمع ولا يفرق، وهذه الدولة يسهر ملوكها على مصالح شعبها. ملوك متعاونون، وشعب متجاوب، وهذه نعمة من الله”.

لترسيخ تلك العلاقة وتحويلها إلى مدرسة سعودية يستلهم منها الآخرون الرأي والرؤية، اعتمد قادة البلاد على سياسة الباب المفتوح التي ابتكرها الملك عبد العزيز، ويعد الملك سلمان أبرز روادها ومعتنقيها منذ أن تولى منصب أمير الرياض في الفترة الأولى بين 18 نيسان/أبريل 1955 و25 كانون الأول/ديسمبر 1960، والفترة الثانية من 4 شباط/فبراير 1963 إلى 5 تشرن الثاني/نوفمبر 2011، وصولاً إلى منصب ولي العهد ووزير الدفاع ثم توليه أعباء الحكم والقيادة كملك للبلاد وخادم للحرمين الشريفين منذ 23 كانون الثاني/يناير 2015. فقد عُرف عنه تواضعه أمام العامة من أبناء شعبه، واستماعه إلى مختلف الآراء في سياقات الحوار والشورى بما هي طبع يعتز به السعوديون. وبحسب تقييمه لتلك السجية، فإن “الدولة دأبت منذ عهد الملك المؤسس (عبد العزيز) على سياسة الباب المفتوح وسار عليها أبناؤه من بعده كمظهر من مظاهر الحكم في المملكة، وأضحت هذه المجالس المفتوحة صورة صادقة للعلاقة بين ولاة الأمر والمواطنين”.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ينظر إليه السعوديون بوصفه الحارس الأمين لتلك الهوية التي سبق أن تحدث عنها بكثير من العمق: “إذا هويتك لم تستطع أن تصمد مع التنوع الكبير في العالم، معناه أن هويتك ضعيفة ويجب أن نستغني عنها، وإذا هويتك قوية وأصيلة تستطيع أن تنميها وتطورها وتعدّل السلبيات التي فيها وتحفز الإيجابيات التي فيها، معناه أنك حافظت على هويتك وقوتها”. وأضاف: “الدليل، اليوم لباسنا في المملكة العربية السعودية، وعاداتنا العريقة وتقاليدنا وإرثنا الثقافي والتاريخي، وقبل ذلك إرثنا الإسلامي يُشكّل جزءاً رئيسياً من هويتنا، نطوره مع تطوير الزمان ونستمر في تعزيزه لكي يكون أحد عناصر تشكيل العالم، وأحد عناصر الأشكال الموجودة في العالم”.

وعندما يعتز السعوديون بهويتهم الوطنية، يأتي التفسير الرؤيوي الحضاري من ولي العهد: “أعتقد أن هويتنا قوية للغاية ونفتخر فيها، وهي جزء رئيسي من صنعي أنا وأنت وكل مواطن سعودي، هي جزء رئيسي من الحراك اللي صار في المملكة، بسبب هويتنا السعودية المبنية على الهوية الإسلامية والعربية وإرثنا الثقافي والتاريخي”.

شعار "عزنا بطبعنا" يعكس قيم السعوديين الراسخة: الشجاعة والكرم والأصالة والهوية القوية التي تجعل المملكة نموذجاً عالمياً في التأثير والجاذبية والريادة

بُنيت الهوية البصرية لليوم الوطني السعودي لهذا العام على ست صفات وقيم أصيلة متجذرة في الشخصية السعودية:

عزنا برؤيتنا: تجسد الطموح الوطني اللامحدود واستشراف المستقبل الواعد والريادة العالمية في ظل رؤية المملكة 2030.

عزنا بشجاعتنا: ترمز للبطولة وبسالة الأجداد والفروسية وحماية تراب الوطن الغالي بكل قوة وتضحية عبر التاريخ.

عزنا بهمتنا: مستوحاة من مقولة «همة السعوديين كجبل طويق»، تعبر عن الصمود والإصرار الذي لا يعرف المستحيل.

عزنا بأصالتنا: تجسيد للجذور التاريخية العميقة والتمسك بالتقاليد والهوية الوطنية المتوارثة عبر الأجيال.

عزنا بكرمنا: رمز كرم الضيافة السعودية الأصيلة وحفاوة الاستقبال التي أصبحت علامة فارقة للمملكة عالمياً.

عزنا بجودنا: تعبر عن الجود الإنساني والعطاء السخي وطيب الأثر والخير الممتد للجميع في كل زمان ومكان.

كما هو واضح، فإن تلك الصفات والقيم تتراوح بين ما هو شخصي يرتبط بسجايا وخصوصيات الفرد، وبين ما هو عام متصل بهوية المجتمع ككل، لكن تقديمها كعنوان شامل في إطار وطني جامع يعني السعي للترويج لها باعتبارها جزءاً أصيلاً من القوة الناعمة في جانبها اللامادي الذي يحدد مدى جاذبية المجتمع وتمسكه بالقيم الأخلاقية والرمزية والإنسانية، بما يساعده على تحصين وحدته وتأمين هويته وتكريس رؤيته وتحقيق أهدافه في التنمية والرقي والإنجاز.

3