عراقيل أمام "4+4": من يخشى الانتخابات؟

مجلس النواب يدعم مخرجات اللجنة، واعتراضات داخل المجلس الأعلى تسقط عضوية عضوين شاركا في أعمال اللجنة.
الثلاثاء 2026/09/15
اعتراضات الأعلى الدولة تهدد المسار

طرابلس – لم تعد الانتخابات الليبية تبدو مجرد استحقاق مؤجل بسبب خلافات قانونية أو تقنية، بل تحولت إلى سؤال يتعلق بمصالح القوى التي بنت نفوذها خلال سنوات الانقسام. ولذلك فإن اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4» يكتسب أهمية تتجاوز البنود التي يتضمنها، لأنه يقترب من المنطقة الأكثر حساسية في الأزمة الليبية: إعادة إنتاج الشرعية عبر صناديق الاقتراع، وما يمكن أن يترتب على ذلك من إعادة توزيع للسلطة والنفوذ والموارد.

وجاء الاتفاق في 30 أغسطس برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ويتضمن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار القانوني والدستوري بما يسمح بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. وفي تطور مهم، صوّت مجلس النواب في 14 سبتمبر بالإجماع على اعتماد مخرجات اللجنة المصغرة، بينما واجه الاتفاق اعتراضات داخل المجلس الأعلى للدولة وصلت إلى إسقاط عضوية عضوين شاركا في أعمال اللجنة. واعتبر مجلس الأمن الاتفاق «خطوة مهمة» باتجاه انتخابات وطنية وتوحيد المؤسسات الليبية.

لكن المفارقة أن الاتفاق الذي يفترض أن يفتح الطريق إلى الانتخابات بدأ يكشف، في الوقت نفسه، حجم المصالح التي يمكن أن تتضرر من الوصول إليها. فالانتخابات لا تعني فقط اختيار رئيس وبرلمان جديدين، وإنما تعني انتهاء صيغة سياسية استمرت سنوات، واستبدال شرعيات مؤقتة أو متنازع عليها بشرعية انتخابية يفترض أن تكون أكثر قدرة على توحيد مؤسسات الدولة.

وهنا تكمن حساسية «4+4». فاللجنة المصغرة جمعت ممثلين عن معسكرات الشرق والغرب، وتمكنت عبر مسار أممي من الوصول إلى تفاهم حول نقطتين كانتا من أكثر العوائق أمام الانتخابات: تشكيل قيادة جديدة للمفوضية الانتخابية، وتعديل القواعد القانونية المنظمة للاستحقاق. وتوصي الوثيقة بتشكيل مجلس جديد للمفوضية، كما تضع تعديلات على شروط الترشح للرئاسة، بينها السماح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح وفق شروط محددة.

هذه التعديلات ليست تقنية بالكامل. فهي تمس مباشرة ميزان المنافسة المحتمل في الانتخابات، ولذلك من الطبيعي أن تتعامل معها القوى السياسية والأمنية باعتبارها جزءاً من معركة تحديد شكل السلطة المقبلة. وما يجعل الملف أكثر تعقيداً أن الانتخابات الليبية السابقة تعطلت أساساً عند الاصطدام بأسئلة المرشحين وشروط الترشح وقواعد اللعبة، وليس بسبب غياب الرغبة المعلنة في إجراء الاقتراع.

كل قوة سياسية أو أمنية راكمت نفوذاً ومصالح خلال المرحلة الانتقالية قد تجد نفسها أمام حسابات جديدة إذا أُجريت انتخابات حقيقية

ومن هنا يمكن فهم الاعتراضات التي ظهرت داخل المجلس الأعلى للدولة. فالمجلس أبدى تحفظات على طريقة إعداد مخرجات «4+4»، وناقشت لجنته السياسية الانعكاسات القانونية والمؤسسية للاتفاق، فيما اتخذ لاحقاً خطوة بإسقاط عضوية عضوين شاركا في أعمال اللجنة. وهذا يعني أن الموافقة التي حصل عليها الاتفاق من مجلس النواب لا تكفي وحدها لإغلاق الباب أمام الخلافات، خصوصاً أن المسار الانتخابي يحتاج إلى توافق أوسع من مجرد توقيع ممثلي القوى المتنافسة.

لكن السؤال الأهم يبقى: من يخشى الانتخابات؟

الإجابة لا تختصر في طرف واحد. فكل قوة سياسية أو أمنية راكمت نفوذاً ومصالح خلال المرحلة الانتقالية قد تجد نفسها أمام حسابات جديدة إذا أُجريت انتخابات حقيقية. السلطة التنفيذية الحالية، ومراكز النفوذ في الشرق والغرب، والشبكات السياسية والاقتصادية المرتبطة بالمؤسسات القائمة، جميعها ستكون مطالبة بالتعامل مع احتمال ظهور قيادة جديدة تستند إلى تفويض انتخابي.

وهذا لا يعني أن كل اعتراض على «4+4» هو محاولة لتعطيل الانتخابات. فقد تكون هناك اعتراضات قانونية أو مؤسسية حقيقية على طريقة اعتماد الاتفاق أو على تفاصيله. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الاعتراضات إلى آلية دائمة لتأجيل الاستحقاق، كما حدث في مراحل سابقة، بحيث يصبح كل تقدم في المسار الانتخابي سبباً لفتح خلاف جديد حول قواعده.

وتملك الأمم المتحدة هنا فرصة، لكنها تواجه اختباراً صعباً. فالمبعوثة الأممية هانا تيتيه نجحت في دفع الأطراف إلى تفاهم مصغر تجاوز جزئياً الانقسام بين الشرق والغرب، لكن نجاح التفاهم لن يقاس بالتوقيع عليه أو بالترحيب الدولي به، وإنما بقدرته على الانتقال إلى المؤسسات وتنفيذ البنود ضمن جدول زمني واضح. وقد شدد مجلس الأمن بالفعل على ضرورة دعم الاتفاق والعمل على توحيد المؤسسات، بما فيها السلطة التنفيذية والمؤسسات العسكرية والأمنية.

لذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون حول مبدأ الانتخابات، إذ لا تكاد قوة سياسية ليبية تعلن رفضها صراحة، وإنما حول شروط الانتخابات ومن يديرها ومن يضمن نتائجها وما الذي سيحدث لمراكز النفوذ القائمة بعدها.

وهنا يصبح «4+4» اختباراً حقيقياً للطبقة السياسية الليبية: هل تريد انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية فعلاً، أم انتخابات تبقى مؤجلة إلى أن تصبح شروطها ملائمة للجميع؟ فالمشكلة الليبية لم تعد في العثور على صيغة تعلن موعداً جديداً للاقتراع، وإنما في معرفة ما إذا كانت القوى التي استفادت من الانقسام مستعدة للمخاطرة بنفوذها عبر صناديق الاقتراع.

وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل الطريق إلى الانتخابات أصعب من الاتفاق عليها: فالانتخابات لا تنتج سلطة جديدة فقط، وإنما قد تنهي امتيازات سلطة قائمة.