ضغوط ترامب تهدد استقلالية الجنائية الدولية

الالتزام بالقانون الدولي يظل قوياً ما دام لا يصطدم بمصالح القوى الكبرى.
الجمعة 2026/09/04
مواجهة أميركية ــ قضائية تحمل أبعاداً أكبر

لاهاي- لم تعد المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية مجرد خلاف حول حدود الاختصاص القضائي أو اعتراض أميركي على قرارات بعينها. ما يجري يتجه تدريجياً إلى اختبار أعمق للنظام القانوني الدولي: هل تستطيع مؤسسة قضائية دولية أن تحافظ على استقلالها عندما تقترب قراراتها من مصالح الولايات المتحدة وحلفائها؟

هذا السؤال يزداد إلحاحاً مع تصاعد الضغوط الأميركية على المحكمة ومسؤوليها، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب دفع الدول إلى الابتعاد عن المؤسسة ورفض التعاون معها.

وتقول المحكمة إن هذه الإجراءات تستهدف استقلال القضاء الدولي، فيما ترى واشنطن أن المحكمة تجاوزت حدود اختصاصها عندما تعاملت مع ملفات تخص دولاً وشخصيات لا تقبل بالولاية القضائية للمحكمة.

وبين الموقفين تقف الدول الأعضاء في نظام روما أمام معادلة صعبة: كيف تدافع عن مؤسسة أنشأتها لحماية القانون الدولي، من دون تحويل الخلاف معها إلى مواجهة سياسية مباشرة مع قوة كبرى؟

المشكلة الأساسية أن المحكمة لم تعد تتعامل فقط مع نزاعات بعيدة عن مراكز القوة الدولية.

المحكمة هي واحدة من المؤسسات التي ولدت من محاولة بناء نظام دولي أكثر اعتماداً على القواعد وأقل اعتماداً على القوة.

من أفغانستان إلى فلسطين، وصلت تحقيقات المحكمة إلى ملفات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالولايات المتحدة وإسرائيل. وأصبح إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نقطة تحول في علاقة المحكمة بواشنطن.

بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، يمثل هذا النوع من الإجراءات تجاوزاً لحدود المحكمة ومحاولة لمنحها سلطة على دول لم تقبل اختصاصها.

أما المحكمة وداعموها فيرون أن قبول هذا المنطق سيجعل العدالة الدولية رهينة لموافقة الدول الأقوى، بحيث تصبح الولاية القضائية مقبولة عندما تطال خصوماً سياسيين، ومرفوضة عندما تقترب من الحلفاء.

وهنا تتجاوز القضية ملف نتنياهو أو أي قضية أخرى. فالمسألة الحقيقية هي هل يوجد معيار قانوني واحد، أم أن تطبيق القانون يتغير بحسب وزن الدولة وموقعها في النظام الدولي؟

رغم الصورة التي قد توحي بها المواجهة الحالية، فإن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك أدوات القوة التي تملكها الدول.

فهي لا تمتلك شرطة لتنفيذ مذكرات التوقيف، وتعتمد على الدول الأعضاء في القبض على المطلوبين وتسليمهم، كما تعتمد على التعاون الدولي في الأدلة والمعلومات والتمويل.

هذه الحقيقة تجعل استقلال المحكمة مرتبطاً بالتضامن السياسي للدول الأعضاء.

فإذا أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق مسؤول من دولة ضعيفة، يمكن أن تبقى المذكرة لسنوات من دون تنفيذ. وإذا تعلق الأمر بمسؤول يتمتع بدعم دولة كبرى، تصبح قدرة المحكمة على تنفيذ القرار أكثر صعوبة.

وهنا تظهر المفارقة: المحكمة تستطيع إصدار القرار، لكنها تحتاج إلى إرادة الدول حتى يصبح القرار فعلاً قانونياً قابلاً للتنفيذ.

لذلك لا تقتصر أهمية الإجراءات الأميركية على مضمون العقوبات نفسها.

فالضغط يمكن أن يخلق أثراً غير مباشر على المحكمة من خلال المؤسسات والأفراد والشركات والدول التي تتعامل معها. وإذا أصبح التعاون مع المحكمة يحمل تكلفة مالية أو سياسية مرتفعة، فقد تبدأ بعض الحكومات في إعادة حساباتها.

◄ إذا اقتنعت الدول الأضعف بأن المحكمة لا تستطيع الوصول إلى الأقوياء، فقد تتراجع قيمة قراراتها

وهذا النوع من الضغط أكثر تعقيداً من محاولة إلغاء المحكمة مباشرة.

فلا حاجة إلى إسقاط مؤسسة دولية حتى تصبح أقل تأثيراً. يكفي أحياناً أن تتراجع قدرتها على الحصول على المعلومات، وأن يتردد الشهود في التعاون، وأن تواجه صعوبة في الوصول إلى الخدمات المالية والتقنية، وأن تبدأ الدول في التعامل مع قراراتها باعتبارها عبئاً دبلوماسياً.

وبذلك يمكن أن يحدث الإضعاف تدريجياً، من دون أن تختفي المحكمة من المشهد.

في المقابل، تجد الدول الأوروبية نفسها أمام اختبار لا يقل صعوبة.

فأوروبا كانت من أبرز الداعمين للمحكمة الجنائية الدولية، وترى فيها جزءاً من منظومة متعددة الأطراف يفترض أن تحد من الإفلات من العقاب.

لكن العلاقة الأمنية والسياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تجعل الدفاع عن المحكمة أكثر تعقيداً.

فالدول الأوروبية لا تريد فتح جبهة إضافية مع واشنطن، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والحرب في أوكرانيا والاعتماد الكبير على التعاون الأميركي في مجالات الدفاع والاستخبارات.

ومع ذلك، فإن التراجع الأوروبي أمام الضغط الأميركي قد يبعث برسالة تتجاوز المحكمة نفسها: أن الالتزام بالقانون الدولي يظل قوياً ما دام لا يصطدم بمصالح القوى الكبرى.

وهذه الرسالة قد تكون أخطر من العقوبات ذاتها.

الدفاع عن استقلال المحكمة لا يعني أنها فوق النقد.

فالمحكمة واجهت منذ تأسيسها انتقادات بشأن بطء الإجراءات، وصعوبة تنفيذ أوامر التوقيف، وتفاوت قدرتها على التعامل مع الأزمات الدولية، إضافة إلى الجدل حول التوازن الجغرافي والسياسي في القضايا التي تلاحقها.

المحكمة تقول إن هذه الإجراءات تستهدف استقلال القضاء الدولي، فيما ترى واشنطن أن المحكمة تجاوزت حدود اختصاصها عندما تعاملت مع ملفات تخص دولاً وشخصيات

ولهذا فإن المرحلة الحالية يمكن أن تكون فرصة لإعادة النظر في أداء المحكمة.

لكن هناك فارقاً بين الإصلاح والإضعاف.

الإصلاح يعني تحسين آليات التحقيق والمحاكمة، وتعزيز التعاون بين الدول، وتقليل البيروقراطية، وزيادة القدرة على تنفيذ القرارات.

أما الإضعاف فيعني جعل استقلال المحكمة مشروطاً بموافقة الحكومات القوية على قراراتها.

وهذا الفارق سيكون حاسماً في المرحلة المقبلة.

قد تبدو المواجهة الحالية أميركية ــ قضائية، لكنها في الواقع تحمل أبعاداً أكبر.

فالمحكمة هي واحدة من المؤسسات التي ولدت من محاولة بناء نظام دولي أكثر اعتماداً على القواعد وأقل اعتماداً على القوة. لكن هذا المشروع اصطدم منذ البداية بحقيقة أن الدول الكبرى لم تتخل عن منطق السيادة والمصلحة الوطنية.

الولايات المتحدة نفسها ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، كما أن قوى كبرى أخرى ليست أعضاء في المحكمة. ولذلك بقيت المحكمة تعمل داخل نظام دولي لا تتساوى فيه الدول في القوة ولا في القدرة على التأثير.

وهذا يجعل مستقبلها مرتبطاً بقدرة الدول الأعضاء على الإجابة عن سؤال بسيط لكنه بالغ الصعوبة: هل القانون الدولي ملزم للجميع بالدرجة نفسها، أم أن القوة تحدد في النهاية حدود القانون؟

ربما يكون أخطر ما تواجهه المحكمة اليوم ليس العقوبات ولا الضغوط الدبلوماسية، وإنما فقدان الثقة.

فإذا اقتنعت الدول الأضعف بأن المحكمة لا تستطيع الوصول إلى الأقوياء، فقد تتراجع قيمة قراراتها. وإذا اقتنعت الدول الأقوى بأن بإمكانها تعطيل عمل المحكمة بالضغط السياسي والاقتصادي، فقد يصبح الانضمام إليها أقل جاذبية.

وفي الحالتين، ستكون الخسارة أكبر من المحكمة نفسها.