صندوق الـ300 مليار دولار… صفقة قرن أميركية لاستيعاب إيران
حديث واشنطن عن صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار مخصص لإيران، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد هبة مالية مجانية لإعادة إنعاش الاقتصاد الإيراني بعد سنوات من العقوبات والصراعات، هذا تفكير يبدو تبسيطا مفرطا لمسألة تحمل أبعادا استراتيجية عميقة يمكن أن ترتقي إلى مستوى صفقة قرن جديدة تضاهي أو تفوق أهمية ما كان طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته للأولى لبناء شراكة اقتصادية كبرى في الشرق الأوسط تستوعب القضية الفلسطينية عبر بوابة السلام الاقتصادي.
المقترح الأميركي الجديد، إن وجد طريقه إلى التنفيذ، لا يتعلق فقط بالأموال والاستثمارات، بل يعكس تحولا في طريقة التفكير الأميركية تجاه إيران، وانتقالا من سياسة تقوم على العزل إلى مقاربة تسعى إلى الاستيعاب والدمج التدريجي داخل الاقتصاد العالمي.
أمضت الولايات المتحدة أكثر من أربعة عقود في محاولة تطويق إيران عبر العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية. وشهدت تلك السياسة مراحل متفاوتة من التشدد، بلغت ذروتها خلال ولاية دونالد ترامب الأولى مع استراتيجية “الضغط الأقصى”. لكن الحصيلة النهائية لم تكن بالحجم الذي كانت تأمله واشنطن. صحيح أن العقوبات أضعفت الاقتصاد الإيراني وألحقت أضرارا كبيرة بالمجتمع، لكنها لم تدفع النظام إلى الانهيار، كما لم تؤد إلى تراجع حاسم في نفوذ طهران الإقليمي أو إلى تغيير جوهري في طبيعة الحكم.
العقوبات قد نجحت في إضعاف الاقتصاد لكنها فشلت في تغيير السلوك السياسي فلماذا لا يتم اللجوء إلى استراتيجية معاكسة تقوم على إغراء إيران بالانفتاح الاقتصادي وربط مصالحها بالنظام الدولي
ساهمت سياسة العزل الطويلة في تعزيز نفوذ المؤسسات الأكثر تشددا داخل الدولة الإيرانية. فقد توسعت إمبراطوريات الحرس الثوري الاقتصادية، وازدهرت شبكات التجارة الموازية والتهريب، وتحول الاقتصاد إلى بيئة مغلقة تستفيد منها مراكز القوى المرتبطة بالمؤسسة الأمنية والقيادة الدينية أكثر من غيرها. كما استخدمت السلطة الضغوط الخارجية لتبرير تشديد قبضتها الداخلية وتقديم نفسها بوصفها المدافع عن السيادة الوطنية في مواجهة “الحصار الغربي”، على حساب الحريات الخاصة والعامة.
من هنا يمكن فهم المنطق الذي يقف وراء أي تفكير أميركي جديد تجاه إيران. فإذا كانت العقوبات قد نجحت في إضعاف الاقتصاد لكنها فشلت في تغيير السلوك السياسي، فلماذا لا يتم اللجوء إلى استراتيجية معاكسة تقوم على إغراء إيران بالانفتاح الاقتصادي وربط مصالحها بالنظام الدولي؟
اللافت في المقترح المتداول أن تمويل الصندوق سيكون من خلال استثمارات خاصة وليس من أموال حكومية أميركية أو خليجية أو مساعدات مباشرة. وهذه نقطة جوهرية، لأن واشنطن تدرك أن تقديم أموال نقدية للنظام الإيراني سيُواجَه برفض داخلي أميركي واسع، كما سيثير مخاوف حلفائها الإقليميين من أن تتحول تلك الأموال إلى مصدر جديد لتمويل الأنشطة العسكرية أو الأذرع الخارجية المرتبطة بطهران.
لذلك فإن الحديث يدور عن استثمارات مباشرة في قطاعات إنتاجية وبنى تحتية وصناعات استراتيجية قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية للمستثمرين وفي الوقت نفسه خلق مصالح طويلة الأجل تربط إيران بالاقتصاد العالمي. فالمطلوب ليس منح إيران شيكا مفتوحا، بل دمجها في شبكة من المصالح تجعل الاستقرار والانفتاح أكثر ربحية من المواجهة والصدام.
وفي قلب هذه الرؤية يبرز قطاع النفط باعتباره الهدف الرئيسي وربما السبب الحقيقي وراء الفكرة برمتها، ويتنزل في صلب خطط ترامب في كل مكان.
إيران تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، لكنها لم تتمكن خلال العقود الماضية من استغلال هذه الثروة بالشكل الذي يتناسب مع حجمها بسبب العقوبات والعزلة التكنولوجية والمالية. وأي عملية انفتاح اقتصادي واسعة ستجعل قطاع الطاقة الإيراني الوجهة الأولى لرؤوس الأموال الغربية والأميركية.
ولعل ما لفت الانتباه في بعض التسريبات والتلميحات المصاحبة للفكرة هو الحديث عن إمكانية تطوير نموذج نفطي إيراني حديث قد يتحول مستقبلا إلى منافس كبير في الأسواق العالمية، يضاهي أو يفوق وزن أرامكو السعودية، كما جاء في تصريح أحد المسؤولين الأميركيين، ما يعكس حجم الإغراء الذي تحاول واشنطن تقديمه للنخبة الإيرانية: التخلي عن عداء أميركا مقابل التحول إلى قوة طاقة عالمية مندمجة في الاقتصاد الدولي.
الموضوع يرتبط في أحد وجوهه بالصراع الاستراتيجي المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين. فخلال سنوات العقوبات كانت بكين المستفيد الأكبر من النفط الإيراني، سواء عبر عقود معلنة أو من خلال شراء كميات كبيرة بطرق غير مباشرة مستفيدة من شبكات التهريب و”أسطول الظل” الذي استخدمته طهران لتجاوز القيود الغربية.
ومن هذا المنظور، فإن فتح قطاع الطاقة الإيراني أمام الشركات الأميركية والغربية لا يعني فقط تحقيق أرباح ضخمة، بل يعني أيضا سحب ورقة استراتيجية مهمة من يد الصين. فواشنطن لا تريد أن تظل الثروة النفطية الإيرانية مصدرا لتعزيز النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، بل تسعى إلى إعادة توجيهها نحو النظام الاقتصادي الذي تقوده هي.
كما أن مشاركة دول الخليج في أي صندوق استثماري محتمل تحمل أبعادا سياسية لا تقل أهمية عن أبعادها الاقتصادية. فاستثمارات خليجية واسعة داخل إيران ستخلق للمرة الأولى مصالح مالية مباشرة ومؤثرة بين الجانبين. وعندما تصبح المليارات الخليجية جزءا من الاقتصاد الإيراني، فإن دول الخليج ستكتسب أدوات تأثير وضغط لم تكن متاحة لها سابقا.
ومن المرجح أن تكون الإمارات وقطر في مقدمة الدول المرشحة للعب هذا الدور، بحكم العلاقات التجارية التي حافظت عليها مع إيران حتى خلال سنوات العقوبات. فقد شكل البلدان نافذة اقتصادية مهمة لطهران، وتحولت مدنهما إلى مراكز تجارية ومالية استوعبت جزءا كبيرا من النشاط الإيراني الخارجي. وبالتالي فإن الانتقال من دور الوسيط التجاري إلى دور المستثمر الاستراتيجي يبدو تطورا منطقيا إذا توفرت الظروف السياسية المناسبة.
تمويل الصندوق سيكون من خلال استثمارات خاصة وليس من أموال حكومية أميركية أو خليجية أو مساعدات مباشرة
لكن البعد الأكثر أهمية في هذه المقاربة قد لا يكون اقتصاديا أصلا، بل اجتماعيا وثقافيا وسياسيا.
الولايات المتحدة تدرك أن الانفتاح الاقتصادي لا يجلب الأموال والتكنولوجيا فقط، بل يجلب معه أيضا منظومة قيم وأنماط حياة جديدة. وعندما تدخل الشركات الغربية إلى السوق الإيرانية على نطاق واسع، وتزداد حركة السفر والتبادل التجاري والثقافي، ستنشأ تدريجيا طبقات اجتماعية جديدة ترتبط مصالحها بالاستقرار والانفتاح أكثر من ارتباطها بشعارات الثورة والمواجهة.
وعندها سيجد التيار المتشدد نفسه أمام معضلة حقيقية. فجزء كبير من شرعيته السياسية قائم على فكرة الصراع مع الغرب ورفض النموذج الغربي. لكن استمرار هذا الخطاب سيصبح أكثر صعوبة عندما تتحول الاستثمارات الغربية إلى مصدر للنمو الاقتصادي وفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
ومع مرور الوقت قد تتعمق الخلافات داخل النخبة الحاكمة نفسها بين من يرون في الانفتاح فرصة تاريخية لإنقاذ الاقتصاد وتعزيز مكانة إيران الدولية، وبين من يعتبرونه تهديدا مباشرا للمبادئ التي قامت عليها ثورة عام 1979. وقد يكون هذا الصراع أكثر تأثيرا من أي ضغوط خارجية، لأنه سينتقل من مواجهة بين إيران والغرب إلى نقاش داخلي حول هوية الدولة ومستقبلها.
كما أن الانفتاح الاقتصادي الواسع سيزيد الضغوط الاجتماعية المتعلقة بالحريات الفردية والعامة. فالتدفقات الاستثمارية الكبرى عادة ما تخلق بيئة أكثر انفتاحا على العالم، وتوسع هامش التفاعل الثقافي والاجتماعي، وتمنح الأجيال الشابة أدوات جديدة للتأثير والتعبير. وهذا من شأنه أن يضعف تدريجيا قدرة التيار المحافظ على فرض رؤيته للحياة العامة، سواء فيما يتعلق بالحجاب أو الحريات الشخصية أو الرقابة الاجتماعية والثقافية.
لذلك يمكن النظر إلى مشروع من هذا النوع باعتباره محاولة لتحقيق ما فشلت فيه العقوبات والحروب. فالهدف ليس إسقاط النظام بالقوة العسكرية، بل خلق واقع اقتصادي واجتماعي وثقافي جديد يجعل نفوذ المتشددين يتآكل تدريجيا من الداخل. إنها محاولة لتغيير البيئة التي أنتجت الثورة، لا لمواجهة الثورة نفسها بشكل مباشر.
وبالنتيجة، فإن أي مشروع استثماري ضخم داخل إيران يكشف أن بعض دوائر القرار الأميركية بدأت تفكر في مستقبل إيران بمنطق مختلف: ليس كيف يمكن إسقاطها أو عزلها، بل كيف يمكن استيعابها وتغيير سلوكها عبر المصالح الاقتصادية.
وفي حال نجحت هذه المقاربة، فإن التحول الذي قد تشهده إيران سيكون أعمق بكثير من نتائج أي مواجهة عسكرية. فالدول تتغير أحيانا بالحروب، لكنها تتغير في أحيان كثيرة بالمصالح والأسواق والاستثمارات. وربما يكون هذا بالضبط ما تراهن عليه واشنطن اليوم: أن ينجح المال والانفتاح في تحقيق ما عجزت عنه العقوبات والصواريخ طوال أربعة عقود.