صلاح بوسريف لـ"العرب": لا شعر في وسائل التواصل

الشاعر إنسان متقلب يقبل المجازفة والتجريب ويميل إلى صفة النهر.
الأحد 2025/07/06
الشعر لا يكون باللغة وحدها

تُعد تجربة الشاعر المغربي صلاح بوسريف واحدة من أبرز التجارب الشعرية في المشهد الشعري العربي المعاصر، لما تتميز به من عمق فكري وجرأة جمالية وسعي دائم نحو تجاوز الأشكال التقليدية للقصيدة منذ بداياته. في حوار مع "العرب"، يكشف بوسريف عن ملامح هذه التجربة، متتبعا تحولات رؤيته، وموقعه من الشعر المغربي والعربي، وعن رهانات اللغة والإيقاع، والتجريب الذي لا ينقطع، في سعي دائم إلى أن يكون "شاعرا، فقط."

أصر الشاعر صلاح بوسريف على أن تكون القصيدة أفقا مفتوحا للتجريب والتأمل، فابتعد عن الإيقاعات الموروثة والقوالب الجاهزة، وراح يؤسس لرؤية شعرية تُمزج فيها الذات بالتاريخ، واللغة بالفلسفة، والقصيدة بالأسطورة.

 لا يكتب بوسريف الشعر بوصفه ترفا لغويا، بل بوصفه فعلا معرفيا وجماليا، يعيد من خلاله النظر في علاقة الإنسان بالعالم، وفي موقع الشعر من هذا العالم المتغير. وقد وسمت تجربته بنزعة تأملية واضحة، وبلغة مشدودة إلى التوتر والدهشة، تسعى لا إلى قول الواقع بل إلى تفكيكه وإعادة بنائه شعريا، في ما يشبه حوارا متواصلا بين الذات والكون، بين الكلمة وفضائها.

الشعر فعل كتابي

• العرب: كيف تصف رحلتك الشعرية منذ ديوانك الأول “فاكهة الليل” إلى اليوم؟ ما الذي تغير في رؤيتك للشعر والكتابة عبر هذه العقود؟

◄ حداثة الكتابة وعي كتابي لا ينفي الصوت واللسان (أو الخطاب) بل يستوعبهما ويوظفهما باعتبارهما من دوال النص

صلاح بوسريف: عشت حياة شعرية بامتياز، عشت كشاعر، بالمعنى العام للكلمة، وعشت حياتي كشاعر، بالمعنى الشعري الإبداعي الخاص. راوحت بين الوجودين، كنت حين لا أكتب، ولا أقرأ، وهذا نادر عندي، أتملى الشعر في الطبيعة، في وجوه الناس، في الكلام الدارج العام، في تقلبات الفصول التي لم تبق بنفس الإيقاع، ولا بنفس الوتيرة. ما يعني، أن ما مر علي من عقود، فيها كنت أبحث عن لغتي، وعن الأفق المجازي الذي فيه سأكتب، كيف يمكن أن أكون فيه أنا، لا غيري، ممن، هم أيضا، لهم لغتهم، كما قال جبران، احتجاجا على من ضايقوه “لكم لغتكم ولي لغتي.”

في “فاكهة الليل” الذي أصدرته متأخرا، قياسا بتاريخ وجودي الشعري، بدت سمات هذا الأفق فيه، وهذا ليس كلامي، بل كلام النقاد، من كتبوا عن هذا العمل الشعري، آنذاك. أما ما تغير، فهو كل شيء، أنا نفسي، لم أعد ما كنت عليه قبل سنوات قليلة مضت. فأنا كائن منقلب، متقلب، أقبل المجازفة والتجريب، وأميل إلى صفة النهر الذي لا يمكن أن نسبح فيه أكثر من مرة، وبهذا سميت أحد كتبي بـ”مراقبة الصيرورة”، وفق عبارة هيراقليط، مفكر الصيرورة بامتياز.

• العرب: دائما ما تؤكد على مفهوم “حداثة الكتابة”. كيف تطور هذا المفهوم في تجربتك، وهل ترى أن الشعر العربي المعاصر قد اقترب من تحقيقه؟

صلاح بوسريف: الأمر لا يتعلق بالشعر العربي، بهذا النوع من الغلبة أو الإجماع، بل بتجربة الشاعر، وبما يكون انخرط فيه من مشروع شعري فكري وجمالي. كانت هناك تجارب في الكتابة، وكانت حينها مهمة، لأنها لعبت دورا في تغيير الفكر والخيال الشعريين، وفي تغيير لغة الشعر نفسها، وشرع يظهر نوع من البناء المغامر الجديد الذي فيه تجريب لم يكن سهلا أن يقبله الذوق العام، أو ينخرط فيه بسهولة، لكنه، كما انتقدته في أطروحتي “حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر”، بقي في مفهوم ومعنى التدوين، ولم يبلغ مرحلة، ولا تصور الكتابة.

“القصيدة” وبنيتها اللسانية الشفاهية تبقى هي المهيمنة على هذه الكتابة التي هي تدوين، وإملاء للصوت، لا للكتابة التي لها إحداثاتها، كما يقول جاك دريدا، في حديثه عن الشعر، ولها لغتها التي تتقاطع، وتتواشج، وتتصادى مع الإشارات، والعلامات، والدوال غير اللسانية، في سياقاتها السيميائية التي تتساوق مع اللغة، ومع البياض أو الفراغ، أي حين تتحول اللغة إلى ما نتأمله على الصفحة، وما يكون قراءة جوانية، غارقة في صمتها وتكتمها، وفرادتها، لا قراءة، الصوت فيها يكون هو الحاضر، ولا مكان للصفحة، ولا للعين، ولا للكتابة، حاسة واحدة هي من تعمل، وتبطل غيرها من الحواس.

انظر في تجارب الشعراء الرواد، ومن أتوا بعدهم، واقرأها، فأنت فيها ستكون مطوقا بالشفاهة وبالإنشاد، وبـ”القصيدة”، في بعض دوالها التي لم تختف، وفي مفهومها الذي ما زلنا نسمي به الكتابة، وهي شفاهة وصوت، وهذه من طرائف ما ندعيه من حداثة، أو “صدمة الحداثة.”

حداثة الكتابة، هي وعي كتابي، لا ينفي الصوت واللسان (أو الخطاب)، بل يستوعبهما، ويوظفهما باعتبارهما من دوال النص، أو العمل الشعري، لا ليكون هو كل شيء، وهذا حدث في عمل مهم، هو “الكتاب أمس المكان الآن” الذي ستجد في الكثير من توزيعاته الخطية نشيدا وصوتا يتلى ويجهر به. هذا ما أسميه باللاوعي الشعري، الذي لا ننتبه إليه، الذائقة التي نشأنا عليها، تجتذبه، وتدخل في بداهاته، ما لم ننتبه إليها، ونفكر فيها، أو نعي ما تستحضره من ماض في الحاضر.

حداثة الكتابة، هي كتاب، وهي عمل كبير، كما كان سمى بول فاليري في محاضرات الكوليج دو فرانس التي نشرت في كتابين ضخمين في 2023، عمل ميلتون “الفردوس المفقود”. والأصل في الحداثة، جذورها، فهي كانت أعمالا كبرى، في التراث الشعري الكوني، بداية من ملحمة جلجامش، إلى اليوم، في الشعرية العربية المعاصرة، عند شعراء ما زالوا معدودين على أصابع اليد. وهذا الكتاب، هو ما ستجده، فيما نشرته منذ أكثر من ثلاثة عقود من أعمال، كل عمل هو كتاب، بكل الدوال التي تنحو به نحو إحداثيات الكتابة.

• العرب: تتحدث عن الشعر كفعل كتابي يتجاوز القصيدة التقليدية. كيف ترى العلاقة بين الشكل والمضمون في نصوصك، وهل هناك حدود لهذا التجاوز؟

صلاح بوسريف: لا أتكلم عن القصيدة التقليدية، في حديثي عن الكتابة. هذه القصيدة لها أفقها الشعري الفني الجمالي الذي ما أزال أقرأها به، وأمتحنها فيه وبه، لا أفرض عليها زمني، أو رؤيتي المعاصرة. أعني بـ”القصيدة”، “القصيدة المعاصرة”، و”قصيدة النثر”. مفهومان مضللان، لا يستقيمان في التصورات التي نذهب إليها في الحداثة الشعرية، وفي البيانات الشعرية التي تكلمت عن الكتابة، وهي تقصد التدوين، ولا علاقة لها بالكتابة كما أشرت إليه من قبل. فكيف نستشرف المستقبل بالماضي، بمفهومات الماضي، ببنياته وأدواته، ولماذا نتوكأ على مفهوم القصيدة، لنسمي بها الشعر، وهي واحدة من أنواعه، وهو جنس، أو جامع أنواع، وهذه بداهات في المفهومين، لا يمكن إغفالها، أو التكتم عليها؟

 أما ما تسميه بالعلاقة بين الشكل والمضمون، فأرى أن مفهوم البناء يجمعهما معا، في سياق واحد. لا هذا يوجد خارج ذاك، ولا ذاك يوجد خارج هذا، بنفس ما يكون عليه النهار من تعاقب، بالتداول والتوالي، بل بالإيلاج، وهو ما يجعل الليل والنهار، يكونان زمنا في اختلاف مظهرهما، وحركية كل واحد، وإيقاعه، قياسا بالآخر. وقد كان ابن رشيق، في “العمدة”، قال هذا، بما عناه بالعلاقة بين الروح والجسد. ذهاب الواحد، هو ذهاب للآخر، فلا وجود لأي منهما دون غيره. وإذن، فالرؤية الشعرية، ضمن بناء النص، أو العمل الشعري، هي ما يجعل المضمون شكلا، والشكل مضمونا، في ما أكتبه، وأذهب إليه، لا فرق.

◄ المفارقة أن القصيدة المعاصرة هيمن عليها الصوت ولم تول الصمت ما يقتضيه ليصير الإيقاع أهم من الوزن

الصمت والإيقاع

• العرب: في قصائدك، هناك حضور قوي للذات الشاعرة، لكنها تتداخل مع التجربة الإنسانية الكونية. كيف تحقق هذا التوازن بين الشخصي والعام؟

صلاح بوسريف: ما تسميه قصائد، هو نصوص وأعمال، هذا هو المفهوم أو التسمية التي أدافع عنها، وإلا سنسقط في القديم الذي نستشرف به القادم. ما تقوله عن الذات الشاعرة صحيح، وهو ما أشرت إليه في أول جواب، لأن التجربة الشعرية، لا تكون فرادة واستثناء، ما لم تكن الذات فيها علامة طريق وأفق. والتجربة، هنا، لا بمعنى التجريب، فقط، وهو حاضر لا شك في ذلك، بل هي عمر، وهي حياة، وهي وجود شعري أنطولوجي، قائم على كينونة تفصح عن ذاتها، من داخل المتشابه، المستعاد، والمكرور، كما يقول القدماء، ليحدث الانفصال، بالمعنى الذي يعطيه فوكو للمفهوم، وهو ليس قطيعة بالإطلاق.

 هذا وهم، من تبنوه، أصوات الآخرين بارزة في ما كتبوه، تلوح للقارئ ليستشفها ويكتشفها. والتجربة الشعرية، هي ما يخلق الاستثناء، وهي ما يخرج بالشعر من الاستعادة والاجترار، ويخرج به من المحلي الضيق، إلى الكوني الواسع.

• العرب: تولي اللغة مكانة مركزية في شعرك، وتصفها بأنها “الرهان الأول”. ما التحديات التي تواجهها في تشكيل لغة شعرية تحقق رؤيتك الحداثية؟

صلاح بوسريف: قد أكون اعتبرتها رِهانا، ربما، في فترة ما، لأكتشف لاحِقا، أن الشعر لا يكون باللغَة وحدها، رغم أنها أساس، بل بغيرها من الدوال، وبالسياقات التي فيها تتقاطع هذه الدوال. الرموز، والبياضات، وتوزيع الفضاء، في الكتابة، يجعل كل علامة، أو حذف، أو ملء، ضمن بناء النص أو العمل الشعْرِي الكبير، أو الكتاب ـ العمل، هي لغة، إذا اعتبرنا اللغة هي ما نقرأ فيه رسالة ما، أو نتأول في قراءته، رسالة ما. واللغَة، حين تكون بهذا المعنى، فهي شبكة علائق خرائطِية تُخُومية، شديدة التركيب والتعقيد، لا نقرؤها بالحروف التي هي أيضا، في أصلها رموز، بل بالسياق الذي تَرِدُ فيه.

 من هُنا يأتي غموض النص، أو العمل ـ الكتاب، فهو في بنائه أرْخَبِيلِي، قد يبدو لنا متشققا، فيه صُدوع وفراغات وكُسُور، ولا ننتبه إلى الماء الذي يُسَور هذه الجُزُر، كما في بحر إيجة الذي هو، عند الإغريق، الأصل في هذا المعنى الأرخبيلِي، وكانوا يُسَمونه البحر الأساسي. الرؤيةُ الحداثية، تكون بالعمل كامِلا، لا بإحداثياتٍ دون غيرها، هذا تجزيء، وتشييئ للعمل، الذي هو كتابٌ، رغم العناوين، والأرقام، والفقرات، والحروف التي تبدو فَصْلا، وهي في جوهر الوَصْل، بِكُل تصدعاتِه وتقَطعاته.

• العرب: كيف تستثمر عناصر مثل “الصمت” و”البياض” في نصوصك؟ هل تراها أدوات لتفكيك النص التقليدي أم لخلق إيقاع جديد؟

صلاح بوسريف: الإيقاع، حتى في الأوزان الجاهلية، وهي الأصل، هو مراوحة بين الصمت والصوت، بين البياض والسواد، وها نحن نعود إلى تعاقب الليل والنهار. الموسيقى، ونحن نستمع إليها، يغمرنا فيها الصوت، ولا ننتبه إلى ما فيها من صمت، إما صمتا شاملا، بوقفاته الموسيقية، أو صمت بعض الآلات، لتتكلم غيرها. وهذا لا يعرفه، ويدركه، إلا من اعتاد على سماع الموسيقى الكلاسيكية التي هي أعمال كبرى، وهي بمعنى حداثة الكتابة، عمل ـ كتاب، أو عمل ـ كونشيرتو، أو سيمفونية كاملة.

القصيدة المعاصرة، هيمن عليها الصوت، ولم تول الصمت ما يقتضيه ليصير الإيقاع أهم من الوزن. لذلك، ذهبت، في حداثة الكتابة، إلى تفكيك النظم، لأجعل الإيقاع يكون دالا، ضمن باقي الدوال، وليس دالا أكبر، كما توهمه بعض الدارسين المغاربة، وبنوا عليه أطاريحهم، دون اعتبار للخيال والمجاز، ولغيرهما من الإحداثات، أو الدوال البانية للعمل.. فالإيقاع لا يكون في اللغة والكلمات، بل يكون في الصمت والبياض والفراغ، وفي التوزيع الفضائي للكتاب والعمل، وفي كتم الصوت، لصالح الصمت، والفراغ. وهذا، ما حاولت استثماره في جل أعمالي الشعرية، التي تخلق توترا مع متلقيها العاديين، خصوصا من أفسدت المدارس والجامعات ذوقهم.

التجربة فردية

• العرب: في أعمالك، هناك حضور للصورة الشعرية المكثفة والمجازات المبتكرة. ما الذي يلهمك لخلق هذه الصور، وكيف تختار بين البساطة والتعقيد في لغتك؟

◄ الإلهام في الشعر لا معنى له، ثمة لحظة خاطفة، نداء غامض، هو ما يباغت الشاعر، إذا عرف كيف يستثمره

صلاح بوسريف: لا أعتقد أن شاعرا بتجربة تميز بها، يميل إلى التعقيد أو التبسط، هذا غير وارد في الشعر، طبيعة الرؤيا، وطبيعة البناء، وما يكون في العمل/ الكتاب، أو النص الشعري من اختراقات، ومن خروج عن النمط، هو ما يخلق هذه التوترات بين الشاعر والقارئ، فالشاعر، دائما، في وضع المباغت، ومن يبادر، والقارئ يبقى في مكانه، ينتظر ما سيكون، ما يجعله في وضع المندهش، أو الرافض، بدل أن يتساءل عن هذا الذي لم يفهمه، لماذا، ويقرأ النص بصبر، وبهدوء، وبتأمل، وتمل، كما أن الشاعر كتبه بنفس هذه الشروط، وأكثر.

 الشعر، عندي، هو الخيال، أو المجاز، زائد الإيقاع، ليس في ثنائيتهما، بل بتقاطع وتواشج، وتصاد مع مجموع دوال العمل ـ الكتاب. هل يمكن أن نلتقط صورة ما دون وضعها في سياق النص؟ غير ممكن، كما لا يمكن أن نختزل جغرافية مدينة في زقاق، أو حي، أو في بيت أو عمارة، أو بناء بعينه. والمجاز، بطبيعته، ابتكار، وإحداث، وإلا فهو نفس اللغة التي نقرأ بها الشعر عند الجميع. وأنا أعتبر المجاز، امتحانا حقيقيا في علاقة الشاعر، ليس باللغة، بل بالعالم، والطبيعة والأشياء، وكيف يمكن أن يبتني تصوره لعلائق هذه الأشياء، باللغة والرمز والإشارة، وبالبياض والفراغ، أيضا.

• العرب: كيف أثر التراث العربي، خاصة الصوفي، في تشكيل تجربتك؟ وهل ترى أن التصوف لا يزال مصدر إلهام للشعر الحديث؟

صلاح بوسريف: قلت أكثر من مرة، جئت إلى الحاضر من الماضي، قرأت التراث قبل أن أعرف الحداثة، وما كان يشدني في هذا التراث، هو الأشياء الغريبة المدهشة، التي هي استثناء، أو اختراق. والتراث الصوفي، أسرتني لغته، وهي لغة لها معجمها الخاص بها، لا يمكن قراءتها دون استشارة ما تحتمله من دلالات، بل تأويلات. وسعاد الحكيم، وهي متخصصة في التصوف، وفي ابن عربي، وضعت معجما ضخما، حول لغة، ومفاهيم ابن عربي، ما يعني، أن التصوف، ليس استشهادات نضمنها في الشعر، بل هو استكناه، واستبطان لهذه اللغة، في صميمها، وهذا الصميم، هو ما كتبت به في “فاكهة الليل”، وفي “على إثر سماء”، وعدت إليه، بعد سنوات، في “ياااا هذا تكلم لأراك”، وفي “لا أحد سواااي” حول شمس الدين التبريزي، وجلال الدين الرومي.

الإلهام، في الشعر، لا معنى له، ثمة لحظة خاطفة، هي، إذن، نداء غامض، هو ما يباغت الشاعر، إذا عرف كيف يستثمره، ويشتغل في أفقه، فهو من يتحكم في العمل، وما لم يحدث هذا، فالعمل هو من يتحكم فيه، لذلك اعتبرت مفهوم الانكتاب الذي يستعمله البعض ليدل به على الكتابة، غير دقيق، فهو أمر بالمعنى الغيبي الميتافيزيقي، وهذا ربما ما قصده به مارتن هايدغر، وهم تبعوه، دون تدبر ما يعنيه بالانكتاب، أما الكتابة فهي أنت، بانفراطك من النداء، في إبانه. وإلا سنكون عدنا إلى ما سمي بـ”شيطان الشعر”، في الشعرية العربية الجاهلية.

التأسيس يكون بالعودة إلى التراث، بقراءته، وتفكيكه، مساءلته، وبنقد ما يكون فيه في حاجة إلى النقد، والتراث ليس واحدا، بل هو أرض مفتوحة على جهات، اللانهائي فيها، أكثر مما نظنه انتهى وانقضى. والتراث كان لي أرضا، فيها تعلمت المشي في أراضي الشعر، وفي اكتشاف جمالياته، ولغاته، وأساليبه، ورؤاه، وما كان فيه من اختراقات، استثمرت العديد منها في ما كتبته، بإعادة تبيئته، لكن، في شرطه الإنساني الكوني، لا الوطني أو العربي، فقط. هذه طبيعة الشعر، هو أرض بلا تخوم، والشاعر كائن كوني بطبعه، والكون أفقه الرحيب الذي عليه أن يسبح في مائه وسمائه.

• العرب: تحدثت سابقا عن تأثرك بشعراء مثل جلال الدين الرومي. من هم الشعراء أو المفكرون الآخرون، عرب أو عالميون، الذين أثروا في مسارك؟

صلاح بوسريف: كثيرون، وما زلت أتأثر بهؤلاء، من هم معنا، من تجاربهم التي فيها أصالة، وجرأة، والذات فيها حاضرة بإبداعيتها، وقدرتها على التجدد والتصير. ولعل طه حسين، كان بين أكثر هؤلاء حضورا في ذاكرتي وثقافتي، هو من أرشدني إلى التراث، وإلى الشعر، والنقد، والتاريخ، والفكر. لا تعجبني رواياته، وسيرته عظيمة، لأنها هي ذاته، جاءت من داخله، لا من خارجها، وهذا هو عمق الذات، كما تكلمت عنها في الشعر. تأثرت بأبي تمام، والمعري، وبأبي حيان التوحيدي، وبابن عربي، وبالملاحم الكونية الكبرى، في كل الثقافات واللغات، والشعريات، وتأثرت بملارميه، وببول فاليري، وبإزرا باوند، وغير هؤلاء، ممن لا أستطيع الاسترسال في ذكر أسمائهم.

• العرب: كيف تنظر إلى علاقتك بالشعر المغربي الحديث، خاصة جيل الثمانينات الذي تنتمي إليه؟ هل ترى نفسك جزءا من مدرسة شعرية معينة؟

صلاح بوسريف: انتهى زمن المدارس، والتجمعات، والتيارات، اليوم، هناك التجارب الفردية أو الشخصية. الجيل الذي تتحدث عنه، لم أعد أعرف عنه الكثير، ربما لأنني دخلت في سياق تجربة شغلتني عن متابعة شعرائه، ولا أقرأ منهم إلا من أرى أنهم يكتبون في سياق تجربة، رغم تعثراتها، عندهم، وهذا الجيل، هو من حاربني، أكثر من غيره من الأجيال، بل إن الستينيين، وبينهم أحمد المجاطي، ومحمد الخمار الكنوني، ومحمد السرغيني، رحبوا بي، ورحبوا بما كتبته، واستمعت إليهم، واعتبروا ما أكتبه مهما وكذلك بعض شعراء السبعينات، مثل عبدالله راجع، الذي ألح علي أن أنشر عملي الشعري الأول، وكذلك من جاؤوا بعد جيل الثمانينات من الشعراء، الذين هم في الطريق إلينا كأفق وطريق.

◄ التأسيس يكون بالعودة إلى التراث، بقراءته، وتفكيكه، مساءلته، وبنقد ما يكون فيه في حاجة إلى النقد

• العرب: كشاعر وناقد، كيف توفق بين الكتابة الشعرية والتحليل النقدي؟ هل يؤثر النقد على إبداعك الشعري أم أنك تفصلهما تماما؟

صلاح بوسريف: لست ناقدا، أعمالي غير الشعرية، جلها نظرية، وهذا ما يجمعني بالنقد، فالنظرية نقد، كما يقول هنري ميشونيك. أغلب الشعراء الأساسيين في الشعر الكوني، اليوم، وقبل اليوم، في كل اللغات والثقافات، جمعوا بين الاثنين، وكانوا، في النظرية، يدافعون عن تصوراتهم الشعرية الفنية، في سياقاتها الفكرية الجمالية. أما النقد بمعنى قراءة الأعمال الشعرية، هذا أمر لم أقم به منذ زمان، وقد خلق لي عداوات مع الشعراء، وهذا من أسباب تحول النقد إلى مجاملات، وإطراء، والكلام عن كل الشعراء بنفس اللغة، وبنفس الدرجة، الجميع ولا أحد. لا شيء في هذا يفيد الشعر ولا النقد.

الشعر عندي، قبل كل شيء، وما أنشره نظريا، هو انعكاس لانشغالاتي الشعرية، وهذا شيء طبيعي، فلا شاعر يكون دون تصور نظري ـ نقدي للشعر، فهو يجدد ويتجدد بالبحث، والتأمل، والاكتشاف، لا بالكتابة والنشر الآليين، أو بالكتابة كبداهة واسترسال.

• العرب: في كتبك النقدية مثل رهانات الحداثة والسهم والوتر، قدمت رؤية لتجديد النقد العربي. ما التحديات التي تواجه النقد الشعري اليوم، وكيف يمكن تجاوزها؟

صلاح بوسريف: النقد، هو مواكبة للشعر، إنصات للتجارب، ووصف لها، من خلال مساءلتها، ومعرفة ما يمكن أن تنطوي عليه من جديد، ومن اقتراحات فكرية جمالية. وليس ما نفرضه على الشاعر من تصورات. “السهم والوتر”، هو بيانات في حداثة الكتابة، هو، بهذا المعنى، تال على النص، أو التجربة والعمل. ويدخل في سياق تأمل النص، أو التجربة. والنقد اكتشاف، ما لم يكن بهذا المعنى، فلا داعي له.

• العرب: يُنظر إليك كأحد رواد الحداثة الشعرية في المغرب. كيف تقيم تطور الشعر المغربي منذ الثمانينات، وما التحديات التي تواجهه اليوم؟

صلاح بوسريف: لا أعتبر نفسي رائدا لشيء، بقدر ما أعمل على تشذيب تجربتي، وتهذيبها، والعمل على وضعها في سياق الشعر الكوني. أن أكون مغربيا، هذه هويتي الوطنية بالمعنى السياسي والجغرافي، أما هويتي الشعرية، فهي المواطنية العالمية، التي أكتب في ضوئها، دون اعتبار للشهرة، أو الجوائز، بل إلى قول شيء آخر مختلف، يصل إلى كل اللغات والثقافات، والجغرافيات، وهذا لا أحد يتحكم فيه، وهو رهين باستقبال التجارب، اليوم، أو بعد حين.. أما الشعر المغربي، ففيه تجارب، آتية من المستقبل، وما كان، “فيه ما فيه”، بتعبير ابن عربي، من مشكلات، كنت تكلمت عنها، والجواب كان هجوما علي كشخص، لا نقدا، أو مناقشة، وتوكيدا أو تفنيدا لما قلته وكتبته. لذلك، دعني أكتفي بالقادم، فهو أفق وطريق، وأنا أميل إلى ما يأتي، لا إلى ما مضى وانقضى.

• العرب: في ظل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية الراهنة، كيف ترى دور الشعر في تشكيل الوعي الإنساني؟

صلاح بوسريف: الشعر كيان أنطولوجي في جوهره، والوعي بالشعر، بهذا المعنى، والوجود به بهذا المعنى، يجعل التقنية بدورها، تنصاع للشعر، وتستثمره في إضفاء البعد الإنساني على مكننتها، وشيئيتها، وامتصاصها للعقل، والفكر، والخيال. يكفي أن يبقى الإنسان إنسانا، لنبلغ هذا الوعي، وننخرط فيه.

• العرب: أعمالك تُرجمت إلى لغات عديدة مثل الفرنسية والإسبانية. كيف ترى تأثير الترجمة على انتشار الشعر العربي، وهل هناك تحديات خاصة تواجه شعرك في الترجمة؟

صلاح بوسريف: ترجمة الشعر مشكلة، مهما كان المترجم، فثمة من الشعر ما يبقى عالقا في الأصل، لا نستطيع ترجمته، وهذا لا يعني أنني أرفض الترجمة، بل أراها ضرورية، لكن، بروح المسؤولية، والجدية، وترجمة الشعر، وليس ما يكون لغة دون شعر، أو شاعرا، دون قيمة شعرية، وهذا ما يحدث مع الأسف، ما يفسد الرؤية لما نقدمه من نماذج لا تمثل الشعر العربي في تجاربه الحقيقة.

• العرب: في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، هل ترى أنها فرصة للشعر أم تهديد لعمق التجربة الشعرية؟

صلاح بوسريف: لا شعر في وسائل التواصل، الشعر الذي يمكن أن تقرأه، هو ما يكون نشر ورقيا، وأعيد نشره في هذا العالم المليء بالمفارقات، والمغالطات، والأوهام. أستعمل، شخصيا هذه الوسيلة، في شقها الإخباري الإعلامي، وفي التواصل مع من ينتمون إلى الثقافة والفكر والشعر، وغير هذا، لا يعنيني.

8