صفقة شاملة بين الصين والولايات المتحدة ضرورة لصالح العالم
واشنطن- خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مرت العلاقات الأميركية الصينية بمنعطفين حاسمين أعادا تعريف أسس هذه العلاقات. كان المنعطف الأول خلال زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون للصين عام 1972، حيث تخلى الولايات المتحدة عن سياسة الاحتواء لصالح سياسة التقارب لضمان العمل معًا في مواجهة خطر توسع الاتحاد السوفيتي. ومع تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن العشرين، انهار هذا الاتفاق الضمني.
وأما المنعطف الثاني فكان في منتصف التسعينيات، عندما قررت إدارة الرئيس بيل كلينتون الانخراط مع الصين الصاعدة ودعم تحديثها الاقتصادي.
ومن جانبها، سعت بكين للانضمام إلى النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ولعب دور بناء في الشؤون العالمية. لكن هذا التفاهم انهار خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى، حين نظرت واشنطن إلى بكين باعتبارها المنافس الرئيسي للولايات المتحدة، وبدلًا من الانخراط، تبنت سياسة المنافسة.
وفي تحليل نشره موقع مجلة “فورين أفيرز” الأميركية، يرى وو شينبو، عميد معهد الدراسات الدولية ومدير مركز الدراسات الأميركية في جامعة فودان الصينية، أن العلاقات الأميركية الصينية أمام منعطف حاسم ثالث في ظل إدارة الرئيس ترامب الجديدة، يتمثل في بناء علاقة مستقرة بين الصين والولايات المتحدة، وهي العلاقة التي يحتاجها البلدان بشدة في هذه المرحلة.
وبالنظر إلى الدمار الذي ألحقته إدارة ترامب الأولى بالعلاقات الأميركية الصينية، قد يبدو من غير المنطقي القول إن عودة الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه يمكن أن تتيح تحسين هذه العلاقات. إلا أن الظروف مواتية لبناء علاقة مثمرة بين ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ.
وعلى عكس الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، الذي صور الصراع مع الصين على أنه صراع بين الديمقراطية والاستبداد، لا ينظر ترامب إلى الصين من منظور أيديولوجي. بل إنه يشيد بشي باستمرار باعتباره رجلًا سياسيًا قويًا.
وعلى نطاق أوسع، يسعى ترامب إلى نظام عالمي تحترم فيه القوى الكبرى – أي الصين وروسيا والولايات المتحدة – مصالح بعضها البعض، وتسعى لتجنب الصراع.
وبعبارة أخرى، يتفق القادة في بكين وواشنطن على أن وجود تحالف قوي أو تنسيق نشط بين الصين والولايات المتحدة، وليس مجرد توازن قوى بينهما، أمر ضروري في عالم اليوم.
وبحسب الأكاديمي الصيني شينبو، فإن هذا يشير إلى توافر الظروف اللازمة لعقد “صفقة شاملة” بين الصين والولايات المتحدة، تشمل إصلاح النظام الدولي الحالي لإتاحة مساحة أكبر للقوى الصاعدة، التي طالما همشتها الولايات المتحدة وأوروبا، لتحقيق مصالحها.
بالنسبة للولايات المتحدة، لا يمكن للمكاسب قصيرة الأجل المتمثلة في إبطاء التقدم التكنولوجي الصيني أن تفوق الخسائر طويلة الأجل الناجمة عن فقدان الوصول إلى الأسواق الصينية وريادتها في الابتكار التكنولوجي.
كما ينبغي أن تشجع الصفقة الموعودة على اتباع نهج جديد في العلاقات الثنائية يعطي الأولوية للتعاون على المواجهة، الأمر الذي يتطلب جهدًا مدروسًا لإدارة المنافسة الاقتصادية والتصدي المشترك للتحديات الأمنية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتحقيق التعايش السلمي وتقاسم النفوذ بشكل مثمر، إن لم يكن إقامة شراكة صريحة بين واشنطن وبكين.
وبالنسبة لبكين، من شأن هذه الصفقة ضمان استمرار وصول الصين إلى الأسواق ورؤوس الأموال والتكنولوجيا، ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي الأميركية، وهي عناصر أساسية لدعم نموها الاقتصادي.
كما أنها ستمنع تحول التوترات بشأن تايوان إلى صراع فعلي مع الولايات المتحدة. وبالمثل، تسعى واشنطن إلى تجنب حرب واسعة النطاق وعالية المخاطر ومكلفة للغاية في غرب المحيط الهادئ. كما أن الصفقة الشاملة ستسهم في استفادة الاقتصاد الأميركي من خلال الحفاظ على وصول الولايات المتحدة إلى السوق الصينية المتنامية، وسلاسل التوريد التي يصعب استبدالها، ورأس المال الاستثماري.
وعلاوة على ذلك، سيؤدي التنسيق والتعاون مع بكين إلى تقليل المسؤوليات الدولية للولايات المتحدة، وهو أحد أهداف إدارة ترامب.
وفي المقابل، يجب الاعتراف بأن أي محاولة للتعاون الشامل بين بكين وواشنطن ستواجه تحديات جسيمة، لا سيما فيما يتعلق بتفاصيل القضايا المرتبطة بالخلافات العميقة بين البلدين. لكن الوقت الراهن هو الأنسب للسعي نحو اتفاق من هذا النوع.
وإذا فشلت واشنطن وبكين في التوصل إلى اتفاق شامل قريبًا، سوف تتزايد مخاطر الوقوع فيما يسمى بـ “فخ ثوسيديدس”، الذي يتمثل في اندلاع حرب تهدد فيها قوة صاعدة، وهي الصين، بإزاحة قوة عظمى قائمة، وهي الولايات المتحدة.
وفي حال نشوب صراع، سيتضرر الاقتصاد في البلدين بشدة، مع تفتت النظام الدولي وتفككه، مما سيجعل التعاون بين القوى العالمية الأخرى شبه مستحيل.
ولمواجهة هذا الخطر، يمكن للصين والولايات المتحدة البناء على الزخم الإيجابي الذي تحقق في قمة شي-ترامب في أكتوبر الماضي بكوريا الجنوبية، والعمل على إعادة ضبط العلاقات الثنائية بشكل جذري نحو الأفضل.
وأحد أبرز التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة في العقود الأخيرة كان هوسها بالهيمنة الأحادية ونزعتها لتشكيل العالم وفق تفضيلاتها.
ويشير خروج إدارة ترامب الثانية عن فكر ما بعد الحرب الباردة بشأن الهيمنة الأميركية إلى استعداد واشنطن لتغيير مسارها. وقد وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الهيمنة الأحادية بأنها “شذوذ”، وشدد على أهمية البراجماتية والتوازن في السياسة الخارجية الأمريكية.
كما أن المخاوف من صعود الصين وتراجع التفوق الأميركي دفعت العديد من صناع السياسة الأميركيين نحو تبني نهج أكثر تصادمية مع بكين في السنوات الأخيرة. إلا أن هذا الخوف في غير محله، بحسب شينبو.
وعلى الرغم من أن الصين قد تتجاوز الولايات المتحدة في بعض المؤشرات مثل الناتج المحلي الإجمالي في المستقبل القريب، فإن الولايات المتحدة ستحتفظ بريادتها في العديد من المجالات الأخرى، من بينها الابتكار التكنولوجي، والقوة العسكرية، والنفوذ في المؤسسات الدولية، وشبكات التحالفات التي بنتها.
وعلى الرغم من صعود الصين، ستظل الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم في المستقبل المنظور. وباختصار، هناك متسع على الساحة الدولية لكلا البلدين لتحقيق الازدهار.
وفي الوقت نفسه، تأتي تعددية الأقطاب مصحوبة بمسؤوليات أكبر ونفوذ أوسع بالنسبة للصين، التي استفادت على مدى الأربعين عامًا الماضية من النظام العالمي المستقر والمنفتح اقتصاديًا بقيادة الولايات المتحدة، والذي سمح لها باتباع سياسة خارجية هادئة والتركيز على النمو المحلي.
ومع ذلك، ومع ازدياد قوة بكين، يتعين عليها التغلب على ترددها في إنفاق المزيد من مواردها للتوسط في النزاعات العالمية، وتوفير مختلف الخدمات العامة، والعمل مع الدول التي تتشكك بشدة في نواياها ونظامها السياسي.
وقد أبدى شي جينبينغ اهتمامًا بذلك من خلال إطلاق مبادرات مثل مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحوكمة العالمية، لكن لا يزال يتعين على الصين بذل المزيد من الجهد لترجمة أقوالها إلى أفعال وتحقيق نتائج ملموسة تقنع الدول المتشككة بأن صعودها تطور إيجابي للعالم ككل.
ويجب أن تبدأ الجهود الرامية إلى إبرام صفقة شاملة بين الولايات المتحدة والصين بتسوية الخلافات في مجالي التجارة والاستثمار. فالعلاقات الاقتصادية هي جوهر العلاقات الأميركية الصينية، وقد كانت مصدرًا رئيسيًا للتوتر بينهما منذ عهد إدارة ترامب الأولى.
إلا أن البلدين يكملان بعضهما البعض اقتصاديًا. إذ تفيد واردات الصين من المنتجات والخدمات الأميركية قطاعات الزراعة والتصنيع والطاقة والخدمات في الولايات المتحدة، كما أن زيادة فرص وصول الشركات الأميركية إلى السوق الصينية سريعة النمو تحقق أرباحًا أكبر للمؤسسات الأميركية.
ينبغي أن تشجع الصفقة الموعودة على اتباع نهج جديد في العلاقات الثنائية يعطي الأولوية للتعاون على المواجهة.
وفي الوقت نفسه، يعزز هذا النوع من الاستثمار الصيني المباشر في الولايات المتحدة على مدى العقدين الأخيرين الاقتصاد الأمريكي ويسهم في خلق فرص عمل.
وفي المقابل، تستفيد الصين من الروابط الاقتصادية مع الولايات المتحدة. فعلى مدى عقود، كانت الولايات المتحدة أكبر سوق تصدير للصين، ومصدرًا رئيسيًا للاستثمار الأجنبي المباشر، والشريك التكنولوجي الأهم لبكين. ولا تزال العلاقات التجارية والاقتصادية مع الولايات المتحدة متينة رغم الحرب التجارية التي واندلعت بين عامي 2018 و2019، والتصعيد المتبادل للتعريفات الجمركية في أبريل الماضي، وجهود فك الارتباط أو “تقليل المخاطر” التي أطلقتها كل من إدارة ترامب الأولى وإدارة بايدن.
وخلال المحادثات الثنائية في جنيف في مايو الماضي، أقرت الصين والولايات المتحدة بأهمية الحفاظ على علاقاتهما الاقتصادية والتجارية على المدى الطويل.
وإذا شجعت الصين ضخ المزيد من الاستثمارات الصينية في قطاع التصنيع الأميركي كوسيلة لدخول السوق الأميركية، فسيسهم ذلك في تقليص الاختلالات التجارية الثنائية وخلق المزيد من الوظائف للعمال الأميركيين.
وفي المقابل، ينبغي على الولايات المتحدة إزالة العقبات التي تحول دون الاستثمار الصيني المباشر، والتي تم فرض بعضها منذ عام 2018.
وسيؤدي ذلك إلى جذب المزيد من رؤوس الأموال الصينية إلى قطاعي التصنيع والخدمات في الولايات المتحدة.
وحيثما تستطيع واشنطن تخفيف القيود المفروضة على الاستثمار الأميركي في الصين، يمكن لبكين فتح قطاع خدماتها أمام المستثمرين الأميركيين بشكل أكبر. فعلى سبيل المثال، مع تزايد اهتمام الطبقة المتوسطة الصينية المتنامية بصحتها، تتاح للمستثمرين الأمريكيين فرص للاستفادة من قطاعي الطب والرعاية الصحية في الصين.
وأيضًا، سينجح مثل هذا النهج التبادلي في مجال التكنولوجيا، الذي شكل ساحة رئيسية للتنافس غير الحميد بين الولايات المتحدة والصين في السنوات الأخيرة، خاصة بعد أن تأكد أن هذا التنافس وتشديد القيود الأميركية على نقل التكنولوجيا إلى الصين له نتائج عكسية.
وعززت بكين استثماراتها في الابتكار التكنولوجي المحلي، مما أدى إلى خسائر فادحة في إيرادات الشركات الأميركية العاملة في الأسواق الصينية.
وبالنسبة للولايات المتحدة، لا يمكن للمكاسب قصيرة الأجل المتمثلة في إبطاء التقدم التكنولوجي الصيني أن تفوق الخسائر طويلة الأجل الناجمة عن فقدان الوصول إلى الأسواق الصينية وريادتها في الابتكار التكنولوجي.
وإذا خففت واشنطن من حدة حربها التكنولوجية ضد بكين بتخفيف حظرها على تدفق التكنولوجيا إلى الصين، فبإمكان بكين ممارسة ضبط النفس نفسه بتخفيف قيودها الخاصة على تصدير المعادن الأرضية النادرة الضرورية لمجموعة واسعة من المنتجات المدنية والعسكرية، بدءًا من البطاريات والرادارات وحتى مركبات الفضاء والمعدات العسكرية إلى الولايات المتحدة.
ويجعل تزامن تنامي قوة الصين ورغبتها في لعب دور أكبر على الساحة الدولية مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالحفاظ على هيمنتها العالمية، من عقد صفقة شاملة بينهما ليس ممكنًا فحسب، بل ضروريًا ليس فقط للدولتين وإنما للعالم كله.
وإذا أرادت الولايات المتحدة تخفيف أعبائها دون زعزعة استقرار النظام الدولي، فعليها أن تتقبل فكرة تحمل الصين المزيد من المسؤولية.
وبإمكان الصين أن تتبوأ مكانة أكثر بروزا في الحوكمة الاقتصادية العالمية، وأن تلعب دورًا أكبر في أمن منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وإذا أرادت الصين إقناع واشنطن والعالم بجدارته بتحمل جزء من المسؤوليات الدولية التي ستتخفف منها الولايات المتحدة، فعليها الالتزام باستخدام نفوذها المتزايد بطريقة مسؤولة، وهو ما سيدعم الاستقرار والازدهار العالميين على المدى الطويل.