صراع مسيرات صيني – تركي في السودان
الخرطوم- لم تعد الطائرات المسيرة في الحرب السودانية مجرد سلاح مساعد للقوات المتحاربة، بل تحولت إلى أحد أبرز ملامح المعركة، ومع اتساع استخدامها بات السودان ساحة اختبار عملية لمنظومات عسكرية أجنبية، بينها مسيرات تركية وصينية، في حرب تتداخل فيها التكنولوجيا مع شبكات الإمداد والدعم الخارجي.
وفي أحدث مؤشر على تصاعد حرب المسيرات، أعلن الجيش السوداني في 24 سبتمبر إسقاط طائرة مسيرة من طراز «FH-95» في ولاية شمال كردفان، وهي مسيرة صينية التصميم بعيدة المدى. وقال الجيش إن دفاعاته أسقطتها شمال شرقي منطقة الكويكتي، بينما لم يصدر عن قوات الدعم السريع تعليق فوري على الحادث. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه كردفان تصعيداً متزايداً بين الطرفين.
ولا يمثل إسقاط المسيرة الصينية حادثاً معزولاً. فقد أصبحت المسيرات جزءاً أساسياً من العمليات في كردفان، حيث يستخدم الطرفان طائرات مسيرة للاستطلاع وضرب خطوط الإمداد واستهداف مواقع عسكرية ومنشآت داخل مدن تقع أحياناً بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة. وتقول رويترز إن قوات الدعم السريع كثفت خلال سبتمبر هجماتها بالطائرات المسيرة على مدن تسيطر عليها الحكومة في شمال كردفان، بينما يستخدم الجيش السوداني بدوره تقنيات متطورة في هذا المجال.
◄ وجود مسيرة صينية، أو مسيرة تركية في يد طرف، لا يعني بالضرورة أن الدولة المصنعة تقف مباشرة وراء استخدام فيها تلك المنظومة
وتكشف طبيعة الطائرات المستخدمة عن تحول نوعي في الحرب. فالجيش السوداني وسّع قدراته الجوية عبر مسيرات أجنبية، من بينها «بيرقدار أكينجي» التركية، فيما ظهرت في المعارك مسيرات صينية من طراز «FH-95»، إلى جانب منظومات وذخائر من مصادر أخرى. وأفادت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بأن تحليل حطام طائرات استخدمها الجيش السوداني في ضربات نسبت إليه أظهر مكونات تتوافق مع طائرات «أكينجي» التركية، بينما رُصدت أيضاً ذخائر متسكعة صينية الصنع من طراز «Yiha III».
وهنا تبرز دلالة الصراع التقني. فالسودان لا يستورد نموذجاً واحداً من حرب المسيرات، وإنما يستقبل مزيجاً من التقنيات والمنظومات التي طورتها قوى مختلفة. ومع انتقال الحرب من المواجهات الأرضية التقليدية إلى الضربات بعيدة المدى، أصبحت القدرة على الرصد والتشويش والاعتراض والضرب من مسافات كبيرة عاملاً متزايد الأهمية في تحديد قدرة كل طرف على المناورة.
لكن من المهم عدم اختزال المشهد في ثنائية «تركيا مقابل الصين». فشبكات التسليح في الحرب السودانية أكثر تعقيداً من ذلك. وأظهر تقرير أممي صدر في سبتمبر وجود شبكات خارجية توفر أسلحة ومقاتلين وتدريباً ودعماً تقنياً للطرفين، مع وجود أدلة على توسيع الجيش السوداني لقدراته في مجال المسيرات بواسطة أنظمة أجنبية، في حين وثقت التحقيقات دعماً خارجياً متنوعاً لقوات الدعم السريع.
كما أن وجود مسيرة صينية في يد طرف، أو مسيرة تركية في يد طرف آخر، لا يعني بالضرورة أن الدولة المصنعة تقف مباشرة وراء العملية العسكرية التي تستخدم فيها تلك المنظومة. فانتقال الأسلحة عبر دول وسيطة وشبكات تجارية وعسكرية يجعل تحديد مسار كل قطعة سلاح أكثر تعقيداً، ولذلك تبدو عبارة «النفوذ التقني» أكثر دقة من الحديث عن مواجهة صينية تركية مباشرة.
مع ذلك، فإن كثافة استخدام هذه المنظومات تمنح الحرب السودانية بعداً يتجاوز حدود الصراع الداخلي. فكلما أصبحت الطائرات المسيرة أكثر قدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، اتسعت دائرة التأثير على المدن والبنية التحتية وخطوط الإمداد. وأفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من ألف مدني قتلوا جراء ضربات المسيرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، مع استهداف مستشفيات ومدارس وأسواق وشبكات كهرباء ومواقع للنازحين.
وفي شمال كردفان، أصبحت المسيرات جزءاً من معركة السيطرة على الطرق والمساحات المفتوحة. فالمنطقة تمثل حلقة وصل بين وسط السودان ودارفور، ولذلك فإن استهداف خطوط الإمداد أو القوافل أو مواقع التجمعات يمنح الطائرات المسيرة وظيفة تتجاوز الضربة التكتيكية إلى التأثير في قدرة القوات على التحرك والحفاظ على مواقعها. ومع تصاعد القتال هناك، يبدو أن الحرب الجوية منخفضة الكلفة نسبياً أصبحت وسيلة لتعويض صعوبة الانتشار البري في مساحة جغرافية واسعة.
◄ الحرب السودانية أصبحت مساحة تختبر فيها تقنيات عسكرية متعددة، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر لهذا السباق الجوي
واللافت أن المسألة لا تتعلق فقط بمن يملك مسيرة أكثر تطوراً، وإنما بمن يستطيع دمجها مع منظومة أوسع تشمل الاستخبارات والاستطلاع والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي. ويشير إسقاط مسيرات بعيدة المدى في كردفان، في المقابل، إلى أن امتلاك المنصة لا يضمن وحده قدرتها على الوصول إلى الهدف، خصوصاً مع تطور وسائل الرصد والتشويش والاعتراض.
وهكذا يتحول السودان تدريجياً إلى مختبر واقعي لحرب المسيرات في أفريقيا. التكنولوجيا التي ظهرت في ساحات أخرى تجد طريقها إلى حرب داخلية طويلة، فيما تختبر الأطراف قدرات المنظومات المستوردة في ظروف ميدانية مختلفة، وتتكشف في الوقت نفسه حدودها أمام الدفاعات المضادة.
ولا يبدو أن أهمية هذا التحول عسكرية فقط. فكلما توسعت قدرة طرفي الحرب على تنفيذ ضربات دقيقة وبعيدة المدى، أصبحت الحدود بين الجبهة والمناطق الخلفية أكثر هشاشة، وارتفعت كلفة الحرب على السكان والمنشآت المدنية.
لذلك فإن السؤال الذي تطرحه حرب المسيرات في السودان لا يتعلق فقط بمن يملك التكنولوجيا الأفضل، وإنما بما إذا كان انتشار هذه التكنولوجيا يغير طبيعة الحرب نفسها. فوجود «أكينجي» التركية و«FH-95» الصينية وغيرها من المنظومات الأجنبية في سماء السودان يعكس اتساع سوق السلاح غير المأهول، لكنه يكشف أيضاً أن الحرب السودانية أصبحت مساحة تختبر فيها تقنيات عسكرية متعددة، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر لهذا السباق الجوي.