صدام حفتر يبحث في روسيا توسيع الشراكة الاستراتيجية

التعاون العسكري يتصدر مباحثات صدام حفتر مع القيادة الروسية
الخميس 2026/08/20
مصالح متبادلة

موسكو- تتجه العلاقات بين روسيا وقوات شرق ليبيا نحو مزيد من التقارب، مع بحث نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا صدام حفتر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سبل تعزيز التعاون بين الجانبين في مختلف المجالات، خلال زيارة رسمية إلى موسكو تعكس الأهمية المتزايدة التي توليها القيادة الروسية لعلاقتها مع معسكر شرق ليبيا، في وقت تثير فيه هذه الشراكة قلقا لدى عواصم غربية وأوروبية.

والتقى صدام حفتر بوتين في قصر الكرملين، الأربعاء، بعد وصوله إلى موسكو الثلاثاء، حيث نقل إلى الرئيس الروسي تحيات القائد العام لقوات شرق ليبيا خليفة حفتر، مؤكدا، وفق ما أعلنته قوات الشرق الليبي، حرص الجانب الليبي على تطوير العلاقات مع روسيا وتعزيز التعاون المشترك.

ويأتي اللقاء في سياق علاقات وثيقة نسجتها موسكو مع خليفة حفتر خلال السنوات الماضية، وتطورت من اتصالات سياسية ودعم عسكري إلى شراكة ذات أبعاد استراتيجية أوسع.

ويبدو أن زيارة صدام حفتر تسعى إلى البناء على هذه العلاقة، خصوصا في الملفات العسكرية والأمنية، بما يعزز موقع قوات شرق ليبيا في المعادلة الداخلية والإقليمية.

ومن جانبه، عبّر بوتين عن تقديره لخليفة حفتر ولدور قواته في حفظ الأمن والاستقرار، مؤكدا دعمه للجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية وتعزيز استقرار البلاد والحفاظ على وحدة أراضيها.

وتحمل هذه المواقف أهمية خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي والأمني بين شرق ليبيا وغربها، رغم المساعي الدولية الرامية إلى الدفع نحو توحيد المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام.

ولم يقتصر برنامج صدام حفتر في موسكو على اللقاء بالرئيس الروسي، إذ أجرى فور وصوله مباحثات مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف تناولت تطوير التعاون العسكري بين البلدين.

ويشير توقيت هذه المحادثات إلى أن الجانب الأمني والدفاعي يحتل موقعا متقدما في أجندة العلاقة، في ظل حاجة قوات شرق ليبيا إلى الحفاظ على قدراتها العسكرية، ورغبة موسكو في تثبيت حضورها في منطقة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة.

وتنظر روسيا إلى شرق ليبيا باعتباره أكثر من مجرد طرف في الصراع السياسي الداخلي. فالموقع الجغرافي للمنطقة على البحر المتوسط، إلى جانب امتداد نفوذ قوات حفتر إلى مناطق واسعة في الجنوب، يمنح موسكو مساحة للتحرك باتجاه شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، ويتيح لها خيارات لوجستية واستراتيجية ترتبط بمصالحها في القارة الأفريقية.

وكان التعاون الروسي مع قوات حفتر قد اكتسب بعدا عسكريا واضحا خلال الحرب على طرابلس، عندما قدمت عناصر مرتبطة بمجموعة فاغنر دعما لقوات شرق ليبيا.

وعلى الرغم من التحولات التي طرأت على الوجود الروسي في أفريقيا بعد تفكك فاغنر، فإن موسكو حافظت على قنوات اتصالها مع قوات حفتر، فيما أعيد تنظيم حضورها في القارة عبر هياكل جديدة.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة لقاء صدام حفتر وبوتين باعتباره محاولة متبادلة لتثبيت المصالح. فبالنسبة إلى حفتر، تمثل موسكو شريكا دوليا يمكن أن يوفر دعما سياسيا وعسكريا في مواجهة الضغوط والتحديات الداخلية، كما يمكن أن يساعد التقارب مع روسيا في تعزيز موقع قوات الشرق في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية الليبية.

مجالات التعاون المحتملة بين الطرفين لا تقتصر على الجانب العسكري، إذ تبرز الطاقة والبنية التحتية والتجارة كقطاعات يمكن أن تشهد مزيدا من الانفتاح.

وأما بالنسبة إلى موسكو، فإن استمرار العلاقة مع حفتر يمنحها نفوذا داخل ليبيا، ويعزز قدرتها على التأثير في ملفات تتجاوز الحدود الليبية، من أمن البحر المتوسط إلى الهجرة والطاقة والتحركات المرتبطة بالساحل الأفريقي.

كما أن وجود شريك محلي قوي في شرق وجنوب ليبيا يوفر لروسيا هامشا أوسع للتحرك في منطقة تتنافس فيها قوى دولية وإقليمية متعددة.

ولا تقتصر مجالات التعاون المحتملة بين الطرفين على الجانب العسكري، إذ تبرز الطاقة والبنية التحتية والتجارة كقطاعات يمكن أن تشهد مزيدا من الانفتاح.

وتمثل ليبيا، بما تمتلكه من موارد وموقع جغرافي، ساحة مهمة للمصالح الاقتصادية الروسية، في حين يمكن لقوات شرق ليبيا الاستفادة من توسيع العلاقات الخارجية لتعزيز قدراتها السياسية والاقتصادية.

وفي المقابل، تتابع الولايات المتحدة ودول أوروبية هذا التقارب بقلق، خشية أن يؤدي تعميق التعاون الروسي مع حفتر إلى ترسيخ وجود عسكري روسي طويل الأمد في ليبيا.

وتزداد المخاوف بسبب أهمية المنشآت العسكرية والمطارات الواقعة في مناطق نفوذ قوات الشرق، والتي يمكن أن تمنح موسكو خيارات لوجستية مهمة للتحرك بين البحر المتوسط وعمق أفريقيا.

ويأتي ذلك كله في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة وأطراف دولية أخرى إلى توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية الليبية وإنهاء الانقسام السياسي.

وبينما تؤكد موسكو دعمها لوحدة ليبيا واستقرارها، فإن شراكتها المتنامية مع قوات شرق البلاد تطرح تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في أي ترتيبات مستقبلية.

وبذلك، فإن لقاء صدام حفتر وفلاديمير بوتين لا يبدو مجرد مناسبة دبلوماسية، بل محطة جديدة في مسار علاقة تتجه نحو مزيد من التعمق. فحفتر يبحث عن توسيع شبكة دعمه الخارجي وتعزيز قدراته، بينما تسعى موسكو إلى حماية مصالحها وتثبيت موقعها في ليبيا والبحر المتوسط وأفريقيا.

وبين الطرفين، تتحول ليبيا تدريجيا إلى إحدى ساحات التنافس الدولي على النفوذ، حيث أصبح التعاون الروسي مع معسكر الشرق جزءا من معادلة أوسع تتجاوز حدود الصراع الليبي الداخلي.