شكوك التغيير تسبق الانتخابات التشريعية الفلسطينية

أزمة ثقة تثقل الاستحقاق الانتخابي.
الأربعاء 2026/07/15
خيبات الماضي تخيم على الاستحقاق المرتقب

رام الله- أعاد مرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الداعي إلى إجراء انتخابات المجلس التشريعي في نوفمبر المقبل، الحياة إلى مسار انتخابي ظل معطلًا لسنوات، لكنه في الوقت ذاته أعاد طرح تساؤلات قديمة حول قدرة هذا الاستحقاق على إحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي الفلسطيني.

وبينما يأتي القرار في وقت تشهد فيه حركة فتح إعادة ترتيب بيتها الداخلي عبر انتخابات تنظيمية، وتخوض فيه حركة حماس انتخابات داخلية بالتزامن مع حل حكومتها في قطاع غزة، تبدو الشكوك بشأن مآلات العملية الانتخابية أكبر من التفاؤل بإمكان فتح صفحة سياسية جديدة.

ولا ترتبط هذه الشكوك فقط بالانقسام الفلسطيني المستمر منذ عام 2007، وإنما أيضًا بتراجع ثقة الشارع الفلسطيني بالحركتين اللتين هيمنتا على الحياة السياسية طوال العقدين الماضيين.

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تآكل رصيد كل من فتح وحماس، في وقت يتزايد فيه الطلب الشعبي على قيادات جديدة وبرامج مختلفة، وهو ما يجعل الانتخابات المقبلة اختبارًا لشرعية النظام السياسي بأكمله، وليس مجرد منافسة على مقاعد المجلس التشريعي.

ويأتي مرسوم عباس بعد أسابيع من انتهاء الانتخابات الداخلية لحركة فتح، التي هدفت إلى إعادة ترتيب هياكلها التنظيمية استعدادًا للاستحقاقات المقبلة.

الانتخابات التشريعية المقبلة تمثل محطة مفصلية في الحياة السياسية الفلسطينية، لكنها تأتي وسط بيئة داخلية وإقليمية تجعل سقف التوقعات محدودًا

وفي المقابل، تجري حركة حماس مراجعات داخلية وانتخابات تنظيمية خاصة بها، بالتزامن مع الإعلان عن الحل الرسمي لحكومة غزة، في خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها جزءًا من إعادة صياغة دور الحركة في المرحلة المقبلة.

ويشير تزامن هذه التطورات إلى أن الفصيلين الرئيسيين يسعيان إلى دخول الانتخابات من موقع أكثر تماسكًا، بعد سنوات من الضغوط السياسية والعسكرية التي أعادت تشكيل موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية.

لكن مراقبين يرون أن إعادة ترتيب الهياكل الداخلية لا تعني بالضرورة تجديدًا سياسيًا، إذ قد تقتصر على إعادة توزيع الأدوار بين القيادات التقليدية، من دون إحداث تغيير جوهري في طبيعة النظام السياسي أو آليات صنع القرار.

وربما يكون التحدي الأكبر أمام الانتخابات المقبلة استعادة ثقة الناخب الفلسطيني.

فخلال السنوات الماضية، تراجعت الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية والفصائل السياسية نتيجة استمرار الانقسام، وتعثر المصالحة، وتكرار تأجيل الانتخابات، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية والأمنية الصعبة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي هذا السياق، لا يقتصر السؤال على هوية الفائز في الانتخابات، بل يمتد إلى قدرة العملية الانتخابية نفسها على إقناع الفلسطينيين بأنها تمثل بداية لمسار سياسي جديد، وليس مجرد إعادة إنتاج للمشهد القائم.

كما يبرز تساؤل آخر يتعلق بإمكانية بروز قوى أو شخصيات جديدة قادرة على كسر الثنائية التقليدية بين فتح وحماس، في ظل استمرار هيمنة الحركتين على البنية التنظيمية والسياسية الفلسطينية.

ولا تنفصل الانتخابات الفلسطينية عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها. فالولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل تتابع جميعها هذا الاستحقاق باعتباره عنصرًا مؤثرًا في مستقبل القضية الفلسطينية، وفي مسار الترتيبات السياسية التي يجري الحديث عنها بعد سنوات من الحرب والتوتر في المنطقة.

كما يأتي الإعلان عن الانتخابات في وقت لا تزال فيه الجهود الدولية لإطلاق مرحلة انتقالية جديدة تواجه تحديات متعددة، سواء على صعيد إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية أو تحديد شكل السلطة في غزة ومستقبل العلاقة بين الضفة الغربية والقطاع.

ولذلك، فإن نتائج الانتخابات لن يكون تأثيرها مقتصرًا على الداخل الفلسطيني، بل قد تنعكس أيضًا على طبيعة تعامل المجتمع الدولي مع القيادة الفلسطينية المقبلة.

ويتمثل أحد أبرز الأسئلة المطروحة في ما إذا كانت الانتخابات ستقود إلى تجديد حقيقي للنخبة السياسية الفلسطينية، أم أنها ستعيد إنتاج التوازنات ذاتها التي حكمت الساحة خلال السنوات الماضية.

وقد تمنح الانتخابات الداخلية التي أجرتها حركة فتح، وكذلك الانتخابات التي تنظمها حركة حماس، انطباعًا بوجود حراك سياسي، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة ظهور قيادات جديدة أو تبني سياسات مختلفة.

ويرى محللون أن تركيز الفصيلين لا يزال منصبًا على تعزيز التماسك الداخلي وضبط الهياكل التنظيمية، أكثر من الانخراط في مراجعة سياسية شاملة تستجيب للتحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، يرى آخرون أن مجرد العودة إلى صناديق الاقتراع بعد سنوات من الجمود قد يمثل خطوة مهمة نحو إعادة تفعيل المؤسسات المنتخبة، حتى وإن جاء التغيير بصورة تدريجية.

ولن يقتصر نجاح الانتخابات على تنظيم عملية التصويت، بل سيتوقف أيضًا على مدى قبول الأطراف المختلفة بنتائجها، وقدرتها على تحويلها إلى مدخل لإنهاء الانقسام واستعادة عمل المؤسسات الفلسطينية بصورة موحدة.

كما أن تشكيل مجلس تشريعي جديد لن يكون كافيًا وحده لمعالجة الأزمات المتراكمة، ما لم يترافق مع توافق سياسي أوسع بشأن شكل النظام السياسي، وتوزيع الصلاحيات، وآليات إدارة العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويضاف إلى ذلك تحدي ضمان مشاركة جميع المناطق الفلسطينية في العملية الانتخابية، وما قد يرافقها من تعقيدات أمنية وسياسية قد تؤثر في سير الانتخابات أو في الاعتراف بنتائجها.

وتمثل الانتخابات التشريعية المقبلة محطة مفصلية في الحياة السياسية الفلسطينية، لكنها تأتي وسط بيئة داخلية وإقليمية تجعل سقف التوقعات محدودًا.

وبينما يراها البعض فرصة لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات، يخشى آخرون أن تتحول إلى عملية تعيد إنتاج موازين القوى التقليدية من دون معالجة جذور الأزمة السياسية.

وبين هذين الاحتمالين، تبقى الشكوك في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير حقيقي حاضرة بقوة، ما يجعل استحقاق نوفمبر اختبارًا ليس فقط لحركتي فتح وحماس، بل لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله، وقدرته على استعادة ثقة الشارع وفتح الباب أمام مرحلة مختلفة بعد سنوات طويلة من الانقسام والجمود.

2