شراكة إستراتيجية بين بنغازي ومينسك تكرس الهوية السياسية لشرق ليبيا

متخصصون من بيلاروسيا سيشاركون في بناء مركز إعادة تأهيل ليبيا.
الثلاثاء 2025/07/15
شراكة بأهداف متباينة

تعيش العلاقات بين حكومة شرق ليبيا التي تتخذ من بنغازي مقرا لها، مع بيلاروسيا تطورا كبيرا في أبعادها السياسية والدبلوماسية المشتركة، وسط استفادة بيلاروسية من علاقات جديدة في أفريقيا بعيدا عن ضغوط العقوبات الغربية.

تشهد العلاقات بين شرق ليبيا وبيلاروسيا نموا لافتا للانتباه، بما يشكله من أبعاد سياسية وإستراتيجية وجيوسياسية مهمة، ومن اختراقات نجحت سلطات بنغازي في تحقيقها تمهيدا لترجمتها إلى مواقف سياسية ودبلوماسية فاعلة في الوقت الذي تحتاج فيه إلى الدعم المناسب لقراراتها ومواقفها.

وبحسب مراقبين، فإن توثيق عرى التعاون بين بنغازي ومينسك يحمل مصلحة عامة للطرفين، ففي الوقت الذي تبحث حكومة مجلس النواب عن مساحات أرحب لتفعيل دورها وتأكيد حضورها والحصول على اعترافات إقليمية ودولية تمهيدا لخطوات لاحقة، تستفيد بيلاروسيا من إطار تعاون بعيدا عن ضغوط العقوبات الغربية التي فرضت عليها منذ عام 2020 في سياق سعيها لتوطيد علاقاتها مع الدول الصديقة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

وفي أوائل يوليو الجاري، قام وفد من حكومة شرق ليبيا برئاسة رئيس حكومة الاستقرار الوطني أسامة حمد ووزير الصحة عثمان عبدالجليل بزيارة إلى مينسك، جرت خلالها مناقشة ستة مجالات تعاون واعدة بين البلدين في مجالات الرعاية الصحية والتعليم الطبي والصناعات الدوائية. وتتعلق هذه المجالات بتوريد الأدوية والمعدات الطبية والمستلزمات الطبية، وتدريب الأطباء والكوادر الطبية، وتدريب المتخصصين على صيانة المعدات الطبية، ودراسة إمكانيات التعاون في مجال الصناعات الدوائية.

خلال زيارة وفد الحكومة إلى مينسك، جرت مفاوضاتٌ حول إنشاء نظام إنذار مبكر ومعالجة حالات الطوارئ في بنغازي

ومن المقرر أن يشارك متخصصون من بيلاروسيا في تنفيذ مشروع بناء مركز إعادة تأهيل في ليبيا، والمساعدة في تطوير زراعة الأعضاء وأمراض القلب والأورام، وسيتمكن المتقدمون الليبيون من تلقي التعليم الطبي العالي في الجامعات البيلاروسية.

كما ناقش الطرفان إمكانية استقبال الجانب البيلاروسي لمرضى من ليبيا لتلقي العلاج في العمليات الجراحية المعقدة، واتفقا على شراء معدات نقل طبية بيلاروسية، وتصميم وإنشاء مركز تأهيل طبي جاهز بالكامل في بنغازي. وقال وزير الصحة عثمان عبدالجليل: “أعربنا عن حاجتنا للكوادر الطبية. نريد أطباء من بلدكم أن يأتوا إلى ليبيا. كما ناقشنا مع زميلنا البيلاروسي إرسال طلاب ليبيين إلى المؤسسات التعليمية في بيلاروسيا لتلقي التعليم العالي وتحسين مؤهلات المتخصصين.”

وفي الوقت الذي تعلن فيه مينسك رسميا عن اعترافها بحكومة الاستقرار في بنغازي وتبادل السفراء معها تشير أوساط إقليمية إلى أن شرق ليبيا اتجه لتكريس هويته السياسية من خلال شراكته الإستراتيجية مع بيلاروسيا، لاسيما أن البلدين يرتبطان بعلاقات قوية مع موسكو ويرفضان بقوة التدخل في شؤونهما الداخلية مهما كانت الدوافع والظروف.

في الثالث من يوليو الجاري، تم في مينسك توقيع حزمة من وثائق التعاون بين بيلاروسيا وليبيا، من ذلك اتفاقية نوايا بين الإدارتين في المجال الصناعي، ومذكرة تفاهم لتطوير التعاون في المجال الزراعي. كما اتفق الطرفان على تطوير الاتصالات في المجالات الاجتماعية والعلمية والتعليمية. إضافةً إلى ذلك، تم التوصل إلى اتفاقيات بشأن توسيع التعاون الثنائي في المجال الطبي، حيث وقّع رئيسا الإدارتين المعنيتين في بيلاروسيا وليبيا خطة عمل بهذا الشأن.

وجرت خلال زيارة وفد الحكومة الليبية إلى مينسك، مفاوضاتٌ حول إنشاء نظام إنذار مبكر ومعالجة حالات الطوارئ في بنغازي، ووقّع الطرفان بروتوكول نوايا. كما التقى الوفد الليبي رئيس وزراء بيلاروسيا، ألكسندر تورتشين الذي صرح قائلا: “إنني واثق من أن الحدث اليوم سيعطي دفعة قوية للمزيد من التعاون بين بيلاروسيا وليبيا،” مشيرا إلى أن مجالات التعاون الواعدة بين البلدين هي الزراعة والصناعة والطب والتعليم وإزالة عواقب حالات الطوارئ.

وترى أوساط ليبية أن الدفع القوي نحو تطوير العلاقات بين بنغازي ومينسك يأتي في إطار علاقات تضامنية وندية لا تخضع فيها سلطات شرق ليبيا الى محاولات التدخل في شؤونها الداخلية كما يحدث عادة مع العواصم الغربية الهادفة إلى تكريس وصايتها على دول العالم الثالث والمشاريع التنموية الصاعدة.

هناك عزم على افتتاح مصنع لتجميع الجرارات والمقطورات والمعدات الزراعية المعلقة، بالإضافة إلى الاهتمام بآلات حصاد الأعلاف، ومصانع معالجة وفرز الحبوب

وفي 22 مايو الماضي، أصدر رئيس وزراء الحكومة الليبية أسامة حماد، قرارا رسميا يُعفى بموجبه مواطنو جمهورية بيلاروسيا من تأشيرات الدخول ورسوم الإقامة المفروضة على الأجانب.

وينص هذا القرار، الذي يتضمن إشارة مباشرة إلى مبدأ المعاملة بالمثل المنصوص عليه في التشريعات الليبية، على إدراج بيلاروسيا ضمن قائمة الدول التي يُمنح مواطنوها امتيازات لدخول البلاد “في إطار تعزيز العلاقات الثنائية” و”بناء على توجيهات مجلس الوزراء.”

وبحسب تقارير إعلامية فإن هذا القرار جاء في إطار عملية تعاون أوسع بين قيادة شرق ليبيا وبيلاروسيا، شملت في الأشهر الأخيرة تبادلات أمنية.

وأفادت مصادر محلية بوصول جنود ليبيين سبق تدريبهم في بيلاروسيا إلى بنغازي، بالإضافة إلى وجود مدربين عسكريين بيلاروسيين يدربون قوات تابعة للجيش الوطني الليبي في وسط وجنوب ليبيا. فيما تواصل العمليات اللوجستية لنقل معدات عسكرية من مينسك إلى ليبيا، ومنها إلى وجهات لاحقة في عدة دول في منطقة الساحل.

وكان الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو أكد استعداد بلاده لتطوير التعاون مع ليبيا خلال اجتماع مع المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي في مينسك يوم 18 فبراير الماضي، داعيا إياه الى أن يعتبر أنه جاء لزيارة الأصدقاء، مشيرا إلى أن الجانب البيلاروسي على علم جيد بالوضع في ليبيا.

وقال لوكاشينكو مخاطبا حفتر: “لديّ موقف خاص تجاه شعبكم،  فقد زرتُ ليبيا في وقتٍ ما. وبالطبع، ليبيا اليوم مختلفة. ولكن عليكم أن تعلموا أننا مستعدون لبذل كل ما في وسعنا من أجلكم، مما ستجدونه مفيدًا في بيلاروسيا،” مؤكدا أن الاتفاقات التي تم التوصل إليها بين الحكومتين سيتم تنفيذها في موعدها.

وأكد المشير حفتر بدوره أن مختلف المجالات تشهد تطورًا نشطًا، ويتم إنتاج معدات حديثة، وأن الوضع يسوده السلام والهدوء منذ سنوات طويلة، رغم التوترات المحيطة بالجمهورية. ووصف قدرة بيلاروسيا على الحفاظ على السلام والهدوء بأنها نموذجٌ تسعى العديد من الدول الأخرى إلى الاقتداء به، لافتا أن رغبة ليبيا في تطوير التعاون المفيد للطرفين مع مينسك بما يخدم مصالح البلدين والشعبين، وأضاف: “لدينا رغبة قوية للغاية في خلق تعاون إستراتيجي بيننا، السيد الرئيس، للمستقبل.”

الدفع القوي نحو تطوير العلاقات بين بنغازي ومينسك يأتي في إطار علاقات تضامنية وندية لا تخضع فيها سلطات شرق ليبيا الى محاولات التدخل في شؤونها الداخلية

وبحسب رئيس اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان والعلاقات الوطنية والإعلام في مجلس النواب، نيكولاي بوزين، فإن بيلاروسيا تمتلك الكفاءات التي تحتاجها ليبيا اليوم، وقال: “هناك مقولة متداولة في الشرق: صديق قديم خير من صديقين جديدين. وهذه الزيارة تُجسّد هذا القول. عمومًا، لطالما كانت ليبيا في دائرة اهتمامنا، وكنا كذلك في دائرة اهتمام ليبيا. لسنوات طويلة، جمعنا تعاون ثنائي وثيق. خليفة حفتر، الذي جاء إلينا، ليس مجرد قائد عسكري، بل هو أيضًا شخصية سياسية فاعلة،” مردفا أن خليفة حفتر ليس ممثلًا للشعب الليبي فحسب، بل هو أيضًا شخصٌ مستعدٌّ للحوار معه، قائلاً: “وهذا يشمل مصر والإمارات العربية المتحدة. الرجل له مكانةٌ مرموقةٌ في روسيا.”

وتابع نيكولاي بوزين، أن بيلاروسيا تمتلك الكفاءات التي تحتاجها ليبيا. وأردف: «زعم الغرب أن ليبيا ستتلقى المساعدة والدعم، لكن لا شيء من هذا يُذكر. وهذا مثال واضح على ما ينتظر جارتنا أوكرانيا. هناك وعود كثيرة، لكن لا أحد يرغب في تقديم يد العون، بما في ذلك توفير المعدات. هذا أمر بالغ الأهمية لبلد يفتقر إلى الإنتاج أو أي قدرات أخرى. يشمل ذلك النقل والآلات الزراعية والغذاء العادي، وهو شحيح هناك.”

وأشار بوزين إلى أن ليبيا غنية بالموارد المعدنية. وأوضح: “كفاءاتنا في مجال التنقيب عن المعادن، وتدريب المتخصصين، مطلوبة بشدة في هذه المنطقة. في رأيي، هذا هو بالضبط سبب زيارة ممثل ليبي رفيع المستوى إلى بلادنا. لم يأتِ الوفد للتنقيب فحسب، بل جاء إلى مكان تتوفر فيه الكفاءات اللازمة لتنمية دولته. من حيث المبدأ، لدينا عدد كبير من المجالات التي يمكن تطويرها في المستقبل.”

كما قال جبريل البدري رئيس الهيئة الوطنية للتنمية في ليبيا، إن بلاده تحتاج إلى تحديث الزراعة. وهي بحاجة ماسة إلى متخصصين من جمهورية بيلاروسيا لمساعدتها على تحسين القطاع، وإنتاج الحبوب والأعلاف.

وتم توقيع أولى عقود توريد الآلات الزراعية البيلاروسية، وسيتمكن الليبيون قريبا من اختبار العمال البيلاروس عمليا. وفي بنغازي، هناك عزم على افتتاح مصنع لتجميع الجرارات والمقطورات والمعدات الزراعية المعلقة، بالإضافة إلى الاهتمام بآلات حصاد الأعلاف، ومصانع معالجة وفرز الحبوب.

وبين ألكسندر إيفيموف، وزير الصناعة في بيلاروسيا أن الجانب الليبي يبدي اهتمامًا بالغًا بتنظيم إنتاج سيارات الركاب، بما في ذلك تجميعها. وقد آن وقت مناقشة هذا المجال بالتفصيل، واتفق الطرفان على دراسة آفاق إنشائه في المستقبل القريب. واستطرد أنه ستنطلق قريبا دورات بمركز للتجارة والخدمات، لتدريب المتخصصين الليبيين على صيانة المعدات البيلاروسية.

4