سلطنة عمان منصة دبلوماسية محايدة للمفاوضات الأميركية - الإيرانية

نجاح الحوار يعتمد على موازنة الضغوط الداخلية الإيرانية والمصالح الأميركية.
الخميس 2026/02/05
السلطنة لاعب إقليمي محايد في ملفات الشرق الأوسط الحساسة

مسقط- يتوقع أن تستضيف سلطنة عمان مباحثات بين الولايات المتحدة وإيران يوم الجمعة المقبل، في خطوة تمثل أول تواصل رسمي بين الطرفين منذ الهجوم الإسرائيلي المدعوم أميركيًا على إيران في يونيو 2025، والذي استمر لمدة 12 يومًا.

وأشار موقع إكسيوس الأميركي نقلا عن مصادر لم يسمها إلى أن نقل المباحثات من إسطنبول إلى عمان جاء بناءً على طلب إيراني، بعدما طالبت طهران بإجراء المفاوضات بصيغة ثنائية وحصرية مع الولايات المتحدة، مركزة على الملف النووي فقط، وتجنب القضايا الإقليمية الأخرى التي تثير قلق دول المنطقة، مثل برامج الصواريخ والوكلاء.

وقد وافقت واشنطن على هذا الطلب، ما يعكس رغبة الطرفين في إعادة فتح قنوات الحوار رغم التوترات الإقليمية الأخيرة، مع الحرص على إدارة الملف النووي بطريقة توازن بين المصالح الأمنية والاستراتيجية للجانبين.

ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تصعيدًا متزايدًا على أكثر من صعيد، إذ تواجه إيران ضغوطًا داخلية متصاعدة نتيجة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت أواخر ديسمبر الماضي احتجاجًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، إضافة إلى استمرار العقوبات الأميركية والتهديدات الإسرائيلية المتواصلة بشأن برنامجها النووي.

ويشير هذا السياق إلى أن إيران تسعى عبر حصر المباحثات في الملف النووي إلى إدارة الحوار ضمن بيئة أقل حساسية، مع محاولة تقليل أي ضغوط خارجية إضافية قد تؤثر على موقفها الإقليمي أو الداخلي، وهو ما يعكس استراتيجية مدروسة لإعادة فتح قنوات تفاوضية دون الدخول في صراعات مفتوحة مع الولايات المتحدة أو حلفائها في المنطقة.

عمان تظهر كلاعب دبلوماسي محايد قادر على توفير بيئة مناسبة لإجراء مفاوضات حساسة، بينما تحرص إيران على إدارة حوارها النووي بعناية فائقة

ويحمل اختيار عمان لاستضافة هذه المباحثات أكثر من دلالة. فالسلطنة لطالما كانت منصة دبلوماسية محايدة وموثوقة، وهو ما يمنح الطرفين مساحة للتفاوض بعيدًا عن الضغوط الإقليمية المباشرة.

وتوفر عمان إطارًا آمنًا للحوار، يتيح لإيران التركيز على الملف النووي، وللولايات المتحدة تقييم جدية طهران في التوصل إلى اتفاق دون التصعيد العسكري المباشر.

وتأتي هذه الوساطة العمانية لتؤكد الدور الإقليمي المتنامي للسلطنة كمنصة قادرة على جمع أطراف متوترة في محادثات مباشرة، وهو ما يعزز فرص خفض حدة التوتر الإقليمي ويعيد الثقة جزئيًا إلى مسار التفاوض حول الملف النووي الإيراني.

ويشير الطلب الإيراني على إجراء المباحثات بصيغة ثنائية حصرية إلى استراتيجية واضحة لدى طهران، تهدف إلى الحد من النقاش حول قضايا تعتبرها ثانوية بالنسبة لها، لكنها تمثل أولويات لدول المنطقة، مثل برامج الصواريخ والجماعات الوكيلة في لبنان وسوريا واليمن.

وهذا يعكس إدراك إيران لأهمية التركيز على الملف النووي، الذي يمثل محور اهتمام المجتمع الدولي والولايات المتحدة بشكل أساسي، وبالتالي محاولة حصر أي اتفاق محتمل ضمن حدود قابلة للتطبيق وتجنب أي فوضى أو ضغط إقليمي إضافي قد يقلل من جدوى الحوار.

وعلى الجانب الأميركي، تمثل هذه الخطوة فرصة لإعادة التفاوض مع إيران بشأن البرنامج النووي بطريقة دبلوماسية مدروسة، بعيدًا عن أي تصعيد عسكري قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع.

ويؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، وأن إدارته تجري مفاوضات "نشطة" معها حاليًا، وهو ما يشير إلى أن البيت الأبيض يرى في الحوار المباشر وسيلة لتخفيف التوترات وتحقيق أهدافه الأمنية الاستراتيجية.

وأصدرت القيادة الإيرانية تعليمات واضحة لوزير الخارجية عباس عراقجي بالبدء في هذه المباحثات، ما يعكس رغبة طهران في تقديم إشارات جدية للجانب الأميركي، مع محاولة السيطرة على ملفاتها الداخلية والسياسية بشكل متوازن.

ويكتسب السياق الداخلي الإيراني أهمية كبيرة في تحليل هذه المباحثات. فإيران تواجه تحديات داخلية كبيرة، منها الاحتجاجات الشعبية المستمرة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، إضافة إلى استياء شعبي متزايد من سياسات الحكومة في إدارة الموارد الأساسية.

ويزيد هذا الوضع الداخلي من صعوبة أي تفاوض مع الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يحفز القيادة الإيرانية على البحث عن مكاسب ملموسة من المباحثات النووية، سواء من خلال تخفيف العقوبات الاقتصادية أو ضمان عدم تصعيد النزاعات العسكرية في المنطقة، بما يعزز شرعيتها داخليًا ويتيح لها التخفيف من حدة الاحتقان الشعبي.

سلطنة عمان منصة دبلوماسية محايدة وموثوقة قادرة على جمع الأطراف المتوترة في محادثات مباشرة، بعيدًا عن ضغوط المحيط الإقليمي.

ومن منظور إقليمي، فإن هذه المباحثات تحمل دلالات استراتيجية مهمة. فهي تعكس محاولة إيران لتقليل أي تدخل خارجي في ملفاتها النووية والسياسية، وفي الوقت نفسه تمثل اختبارًا للقدرة الأميركية على ضبط الملف النووي الإيراني دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

كما أن التركيز الإيراني على حصر الحوار في الملف النووي دون التطرق إلى برامج الصواريخ والجماعات الوكيلة يتيح للولايات المتحدة فرصة لإعادة ضبط استراتيجياتها في الشرق الأوسط ضمن نطاق محدود ومحدد، وهو ما قد يقلل من حدة التصعيد في المدى القصير، لكن لا يلغي المخاطر المحتملة على المدى المتوسط والطويل.

ويبدو واضحًا أن عمان تؤدي دورًا محوريًا في هذا السياق، فهي تمثل منصة دبلوماسية محايدة وموثوقة قادرة على جمع الأطراف المتوترة في محادثات مباشرة، بعيدًا عن ضغوط المحيط الإقليمي.

ويعكس اختيار السلطنة لاستضافة المباحثات ثقة الطرفين في دورها كوسيط يتيح إدارة الحوار النووي بطريقة أكثر انسيابية، ويقلل من المخاطر السياسية والتصعيد العسكري، وهو ما يمثل عنصر استقرار مهم في منطقة شديدة التعقيد.

وعلى المستوى الدولي، تعتبر هذه المباحثات اختبارًا لقدرة الطرفين على تجاوز السنوات الطويلة من التوترات والعداءات، وإعادة بناء قنوات الحوار، وهو ما قد يشكل مؤشرًا على إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي محتمل يضمن مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية ويقلل من مخاطر تصعيد النزاعات الإقليمية.

كما تمثل هذه الخطوة إشارة للمجتمع الدولي بأن الطرفين يفضلان الحلول التفاوضية على الانزلاق نحو المواجهة العسكرية، وهو ما يعزز فرص استقرار المنطقة ويعيد بعض الثقة إلى المسار الدبلوماسي حول إيران.

وفي هذا السياق، يبرز عنصر الوقت كعامل حساس في المفاوضات، إذ تواجه إيران ضغوطًا داخلية متزايدة بسبب الأزمة الاقتصادية، بينما تسعى الولايات المتحدة لضمان ألا يؤدي أي اتفاق محتمل إلى تقويض مصالح حلفائها في المنطقة، وخاصة إسرائيل ودول الخليج. وبالتالي، فإن نجاح هذه المباحثات يعتمد على قدرة الطرفين على الموازنة بين الضغوط الداخلية والتحديات الإقليمية، وإيجاد صيغة توافقية تسمح بالتحرك السياسي والاقتصادي دون تصعيد محتمل.

ويشير الخبر أيضًا إلى أن هذه المباحثات ستكون أول لقاء مباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين منذ العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركيًا، ما يجعلها اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الطرفين على تجاوز الماضي والتعامل مع الملفات المعقدة بطريقة بنّاءة. فالاتفاق على صيغة المباحثات الثنائية في عمان يعكس حرصًا مشتركًا على خلق مساحة للحوار بعيدًا عن الضغوط الإقليمية المباشرة، ويؤكد جدية الطرفين في التركيز على الملف النووي كأولوية استراتيجية مشتركة.

ويمكن القول إن هذه المباحثات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران بصيغة ثنائية وحصرية، تحت مظلة عمانية، تمثل محاولة حذرة لإعادة فتح الحوار النووي بعد تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط الداخلية الإيرانية، وتعكس رغبة الطرفين في إدارة خلافاتهما عبر القنوات الدبلوماسية بدلًا من التصعيد العسكري المباشر.

كما تظهر عمان كلاعب دبلوماسي محايد قادر على توفير بيئة مناسبة لإجراء مفاوضات حساسة، بينما تحرص إيران على إدارة حوارها النووي بعناية فائقة، بما يضمن حماية مصالحها الإقليمية وتهدئة التوتر الداخلي، ما قد يمهد الطريق نحو مرحلة تفاوضية جديدة تسهم في الحد من حدة النزاعات الإقليمية وتحافظ على استقرار المنطقة بشكل نسبي.

2