سعيّد يستدعي سفير الاتحاد الأوروبي احتجاجا على خرق الأطر الدبلوماسية
تونس - استدعى الرئيس التونسي قيس سعيد سفير الاتحاد الأوروبي بتونس لإبلاغه احتجاجا شديد اللهجة، في خطوة غير مسبوقة تؤكد على إصرار القيادة التونسية على إعادة ترسيم قواعد اللعبة الدبلوماسية والعلاقة مع الشركاء الغربيين.
وجاءت هذه الخطوة مساء الأربعاء، ردا على لقاء عقده الدبلوماسي الأوروبي جوزيبي بيرّوني مع الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي هذا الأسبوع، وهو لقاء رأته الرئاسة التونسية خروجا عن الأصول المهنية والدبلوماسية المتعارف عليها.
ويعد هذا الإجراء أحدث مؤشر على التوتر المتصاعد بين القيادة التونسية والشركاء الدوليين الذين وجهوا انتقادات أو اتخذوا مواقف تخص المجتمع المدني أو المعارضة في البلاد.
وقالت الرئاسة اليوم الأربعاء في بيان إن "سعيّد أبلغ احتجاجا شديد اللهجة بسبب عدم الالتزام بالضوابط الدبلوماسية والتعامل خارج الأطر الرسمية المتعارف عليها".
وتركز هذه العبارة على جوهر الموقف الرئاسي، والذي يعتبر أن التعامل مع جهات وطنية فاعلة، حتى لو كانت اتحاد الشغل الذي يضم نحو مليون عضو، يجب أن يتم ضمن قنوات رسمية شفافة تحترم سيادة الدولة ومؤسساتها.
وشكّل لقاء السفير الأوروبي، الذي عقد الاثنين، تجاوزا إجرائيا في نظر الرئاسة، خاصة وأن السفير بيرّوني أشاد خلاله بدور الاتحاد البارز في الحوار الذي حصل بموجبه على جائزة نوبل للسلام في عام 2015، وشدد على استمرار التعاون مع المجتمع المدني في تونس.
ويفسر هذا اللقاء في توقيته الحرج على أنه دعم خارجي غير مباشر لأطراف داخلية تخوض حاليا خلافات متصاعدة مع السلطة.
ويؤكد الاحتجاج "شديد اللهجة" على أن الرئيس سعيد ماض في سياسته القائمة على تحديد شروط العلاقة مع الشركاء الدوليين، وأن الدعم الاقتصادي أو التجاري لا يخول التدخل في الشؤون السيادية التونسية.
ويفهم هذا الإجراء على أنه محاولة حاسمة لإعادة تعريف الأطر الدبلوماسية، وإلزام البعثات الأجنبية بالمعاملة بالمثل واحترام البروتوكولات الرسمية، وهو ما يمثل ركيزة أساسية في مشروع "تصحيح المسار" الذي يقوده الرئيس سعيد منذ عام 2021.
وتأتي هذه المواجهة الدبلوماسية في وقت تشن فيه السلطات حملة واسعة النطاق على منظمات المجتمع المدني، متهمة إياها بتلقي تمويلات أجنبية غير خاضعة للرقابة.
وأسفرت هذه الحملة عن تعليق عمل العديد من المنظمات، بما في ذلك النساء الديمقراطيات، وصحفيو نواة، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت منظمة العفو الدولية إن الحملة على منظمات المجتمع المدني بلغت مستويات حرجة جراء اعتقالات وإجراءات احتجاز تعسفية، وتجميد أصول، وقيود مصرفية، وتعليق عمل 14 منظمة غير حكومية.
على الرغم من أن اتحاد الشغل لم يواجه حتى الآن أي قرارات رسمية بتعليق عمله، إلا أنه يشتكي من القيود المفروضة على الحقوق النقابية والتعليق الأحادي لعدد من الاتفاقيات مع السلطات ورفض التفاوض في عدة ملفات عالقة.
وهدد الاتحاد، الذي يعد أكبر منظمة للمجتمع المدني في البلاد، في وقت سابق من نوفمبر الجاري بتنظيم إضراب وطني "دفاعا عن الحقوق النقابية"، وسط أزمة اقتصادية وسياسية خانقة أدت إلى احتجاجات من قبل المعارضة والنقابات والصحفيين والأطباء.
وينظر إلى لقاء السفير الأوروبي بزعيم الاتحاد، في هذا المناخ المتوتر، على أنه محاولة لتوفير غطاء دولي للاتحاد العام التونسي للشغل، وهو ما ترفضه الرئاسة التونسية باعتباره مساسا بالشأن الداخلي وقضية سيادية.
وشهدت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، الذي يعد أكبر شريك تجاري لتونس وحليفا رئيسيا لعقود، جمودا لافتا منذ أن تولى سعيّد معظم السلطات في 2021 وشروعه بالحكم بمراسيم، وهي خطوة تصفها المعارضة بـ"الانقلاب".
ونفى الرئيس التونسي أن تكون أفعاله انقلابا، مؤكدا أنها ضرورية لإنقاذ تونس من سنوات من الفوضى وإنقاذ الدولة من الانهيار.
ويظهر التوتر الأخير أن الرئيس سعيد ماض في سياسته الخاصة التي لا تخضع لضغوط الشركاء التاريخيين، بل تسعى لإقامة علاقات على أساس جديد يضع السيادة الوطنية فوق أي اعتبار.
وتعتبر خطوة استدعاء السفير إشارة واضحة بأن تونس لن تتسامح مع أي محاولات للتدخل في ملفات حساسة مثل المجتمع المدني أو الأزمة الداخلية، وهي رسالة موجهة ليس فقط للاتحاد الأوروبي، بل لجميع الأطراف الدولية التي قد تفسر الدعم الاقتصادي كإذن للعب دور سياسي داخلي.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها البلاد، يبرهن هذا الموقف على أن الرئيس سعيد يضع إعادة تأكيد السيادة الوطنية وإرساء الضوابط الدبلوماسية الجديدة أولوية قصوى.
ويؤسس هذا الإجراء لقاعدة جديدة مفادها أن الشراكة مع تونس يجب أن تتم في إطار من الاحترام الكامل للأطر الرسمية والسيادة الوطنية.