ساحات الاقتراع الفلسطينية تختبر رهان التغيير والشرعية السياسية
رام الله - في مرحلة مفصلية تمر بها الأراضي الفلسطينية، يخطو المشهد السياسي خطوة تاريخية نحو تجديد شرعية المؤسسات الدستورية عبر صناديق الاقتراع.
ومع إعلان لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بدء استقبال طلبات الترشح للانتخابات التشريعية 2026 بالتزامن بين الضفة الغربية وقطاع غزة، تبرز إرادة وطنية جامعة لتجاوز الانقسام وتفعيل المسار الديمقراطي.
هذا الاستحقاق الانتخابي لا يمثل مجرد محطة إجرائية لتشكيل برلمان جديد، بل يشكل بارقة أمل حقيقية لتوحيد الرؤى الوطنية، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس التمثيل النسبي والمشاركة الفاعلة التي تكفل تمثيل كافة شرائح المجتمع، بما فيها المرأة والشباب، لمواجهة التحديات المصيرية الراهنة.
وفي سياق ترجمة هذا الاستحقاق الميداني، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، السبت، فتح باب استقبال طلبات ترشح القوائم لانتخابات المجلس التشريعي المزمع إجراؤها في 28 نوفمبر 2026، بالتزامن في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقالت اللجنة، في بيان، إنها بدأت عند الساعة الثامنة صباحا (5:00 ت.غ) استقبال طلبات الترشح في مقرها العام بمدينة البيرة وسط الضفة، ومكتبيها في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
وأوضحت أن العملية تستمر لمدة 12 يوما حتى 7 أكتوبر المقبل، لافتة إلى وجود "إقبال كبير من القوائم المترشحة في مكتبها برام الله ودير البلح".
ووفق اللجنة، فإن الترشح لعضوية المجلس التشريعي يتم من خلال القوائم الانتخابية فقط، ولا تقبل طلبات الترشح الفردية، بحيث لا يقل عدد مرشحي القائمة عن 16 ولا يزيد على 132 مرشحا.
وأكدت اللجنة على ضرورة التزام القوائم بالحد الأدنى لتمثيل المرأة وفقا لأحكام القانون؛ وذلك بوجود امرأة واحدة من بين الأسماء الثلاثة الأولى في القائمة، وامرأة ضمن كل ثلاثة أسماء تلي ذلك.
وبينت أن طلب ترشح القائمة يقدم من قبل منسقها ومفوضها بعد استكمال النماذج والوثائق والمرفقات المطلوبة، مؤكدة أن الطلبات المقدمة تخضع للدراسة والتدقيق للتأكد من استيفائها الشروط القانونية، وأن تقديم الطلب لا يعني قبوله أو اعتماده.
ووفق الجدول الزمني المعتمد من لجنة الانتخابات، تنطلق الدعاية الانتخابية في 6 نوفمبر المقبل، فيما يجري الاقتراع المسبق لقوى الأمن في 26 من الشهر ذاته.
انطلاق عملية الترشح للانتخابات التشريعية بالتزامن في الضفة الغربية وقطاع غزة يمثل اختبارا حقيقيا لإرادة الأطراف الفلسطينية في إنهاء الانقسام، وتجديد الشرعيات الدستورية
وفي 9 يوليو الماضي، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوما حدد بموجبه 28 نوفمبر موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية في مدينة القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، لتكون الأولى من نوعها منذ عام 2006.
وتعطل عمل المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2007 عقب الانقسام الفلسطيني، فيما أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارا بحله عام 2018.
وسبق أن أُلغيت انتخابات تشريعية ورئاسية كانت مقررة عام 2021، بعد قرار للرئيس عباس بتأجيلها، مبررا ذلك بعدم وجود موافقة إسرائيلية تضمن مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة.
وتعد الانتخابات المرتقبة الثالثة للمجلس التشريعي الفلسطيني، بعد انتخابي عامي 1996 و2006، فيما يبلغ عدد مقاعد المجلس المقبل 132 مقعدا.
في ظل تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية والفصائل على وقع سنوات الانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية، تشير استطلاعات الرأي إلى تآكل رصيد كل من فتح وحماس، وهو ما ولد رغبة عارمة لدى الشارع الفلسطيني في البحث عن وجوه شابة وخطاب بديل، مما يحول الاستحقاق المرتقب إلى امتحان شامل لمشروعية المنظومة السياسية برمتها.
كما يطرح التساؤل نفسه حول قدرة آليات الانتخابات على كسر الجمود التقليدي، خصوصا مع مساعي الحركتين لاحتواء الصدمة عبر ترتيبات تنظيمية داخلية ربما لا ترقى لتغيير جوهر البنية السياسية القائمة.
وبينما تسعى الحركتان لاحتواء المزاج العام عبر ترتيبات داخلية، يبقى الرهان معقودا على ما إذا كانت الانتخابات ستشكل بداية لمسار ديمقراطي حقيقي أم مجرد إعادة إنتاج للتوازنات التقليدية القائمة.
لا تنفصل الانتخابات عن محيطها الإقليمي والدول الفاعلة التي تترقب هذا الاستحقاق كعنصر حاسم في صياغة مرحلة ما بعد الحرب وتحديد شكل السلطة في غزة وعلاقتها بالضفة.
ومع ترقب المجتمع الدولي للنتائج لتحديد طبيعة تعامله مع القيادة المقبلة، تبرز تعقيدات أمنية وسياسية بشأن ضمان مشاركة جميع المناطق وقبول الأطراف المختلفة بالنتائج، مما يجعل من نجاح هذه المحطة امتحانا لقدرة النظام على تجاوز الجمود واستعادة ثقة الشارع.
ويمثل انطلاق عملية الترشح للانتخابات التشريعية بالتزامن في الضفة الغربية وقطاع غزة اختبارا حقيقيا لإرادة الأطراف الفلسطينية في إنهاء الانقسام، وتجديد الشرعيات الدستورية عبر آلية ديمقراطية شفافة تفتح الأبواب أمام رؤى سياسية جديدة قادرة على مواجهة التحديات الوطنية الكبرى.
تكتسب الانتخابات التشريعية 2026 أبعادا استراتيجية بالغة الأهمية في توقيت تشهد فيه القضية الفلسطينية منعطفات بالغة الدقة، حيث أن إصرار لجنة الانتخابات على إجراء العملية بشكل متزامن ومؤسسي يعزز من مصداقية المسار الديمقراطي ويخلق حراكا سياسياً جماهيريا يلتف حول صناديق الاقتراع.
ومع اشتراط القوائم النسبي وتحديد ضوابط دقيقة لتمثيل المرأة والشباب، فإن البرلمان المرتقب مهيأ ليعكس طيفا واسعا من التعددية السياسية والاجتماعية، شريطة أن يترافق ذلك مع توافق وطني واسع يضمن قبول النتائج واستعادة وحدة المؤسسات بعيدا عن إعادة إنتاج الأزمات السابقة.