روليت التوقيت: ترويض سلاح الفصائل العراقية بين السيادة والاحتواء

الحكومة العراقية ترجئ نزع السلاح إلى منتصف العام المقبل عبر مهلة تفاوضية لمنع الانزلاق نحو صدام داخلي مدمر.
السبت 2026/09/26
الحوار بديل استراتيجي للصدام المسلح

بغداد - في الوقت الذي تتقاطع فيه طموحات السيادة الوطنية مع تعقيدات الصراع الإقليمي المشتعل، تجد بغداد نفسها أمام اختبار تاريخي دقيق تتداخل فيه لغة الدبلوماسية مع هواجس الميدان. فبين احتفالات مرتقبة بإنهاء مهام التحالف الدولي وطي صفحة الوجود العسكري الأجنبي، تختار الحكومة العراقية انتهاج مسار تحليلي عقلاني يقوم على ترحيل المواعيد الحادة وإبدال لغة الصدام بمهلة تفاوضية تمتد تسعة أشهر كاملة.

هذا التحول الاستراتيجي لا يعكس تراجعا في هيبة الدولة، بل يترجم قراءة واعية لدقائق الصراع الأميركي-الإيراني وضرورة حماية مسارات الاستثمار الكبرى وطريق التنمية من شظايا الفوضى الداخلية، محولة التوقيت الزمني الجديد إلى رافعة حقيقية لترسيخ احتكار السلاح تحت مظلة المؤسسات الدستورية وحدها.

فلم يعد يوم 30 سبتمبر هدفا حاسما أمام الحكومة العراقية في إنهاء ملف سلاح الفصائل المسلحة في البلاد، ويُعد التمديد للمفاوضات مع الفصائل المسلحة لموعد جديد إلى منتصف العام المقبل أكثر قناعة وجدية لحسم هذا الملف المعقد.

ويترقب العراقيون يوم 30 سبتمبر الجاري ليكون موعدا للاحتفال بيوم (السيادة)، يوم الخروج النهائي لجميع قوات التحالف الدولي لدعم العراق في الحرب على "داعش" الذي تشكل في عام 2014، وسط تحضيرات لإقامة كرنفالات احتفالية واسعة.

وأعلنت الحكومة العراقية منذ أشهر أن موعد انتهاء مهام قوات التحالف سيتزامن مع الإعلان عن نزع سلاح الفصائل المسلحة، لكن يبدو أن هذا الموعد لن يتحقق وبحاجة إلى مزيد من الوقت قد يمتد إلى منتصف العام المقبل.

ويربط مراقبون في العراق نجاح مفاوضات الحكومة العراقية مع الفصائل المسلحة لحسم موضوع السلاح بانتهآء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بشكل أساسي. وتمديد المفاوضات لـ 9 أشهر مقبلة كفيل ببلورة موقف واضح بشأن هذا الصراع ويبعد البلاد عن الصدام الداخلي.

وفي سياق النقاش الوطني الدائر حول مستقبل المؤسسة العسكرية واحتكار السلاح، قال رئيس الحكومة العراقية السابق، حيدر العبادي، في تصريح متلفز إن "حصر السلاح بيد الدولة مطلب عراقي لا يرتبط بخروج القوات الأمريكية من العراق، وحصر السلاح استحقاق عراقي مستقل، ولا ترابط بينه وبين خروج القوات الأميركية أو بقائها، لأنه يتعلق بسيادة الدولة ووحدة القرار الأمني، وأن هذه القوات جاءت بطلب عراقي لمواجهة داعش".

وشدد على ضرورة العودة إلى "نقاش حقيقي والتفاهم حول جدول زمني مع الفصائل المسلحة، وصولاً إلى معالجة وطنية واضحة تضع السلاح والقرار الأمني ضمن مؤسسات الدولة، وتحفظ استقرار البلاد وتجنبها الصدام".

وقال "أنا مع إجراءات حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها.... أنا مع حصر السلاح بيد الدولة لأنه مطلب دستوري، لا حصر الدولة بيد أشخاص لأن قوة الدولة تكمن في فرض القانون وحماية المواطنين".

ويرى المتابعون أن جولات المفاوضات التي خاضتها الحكومة العراقية بشكل مباشر أو من خلال أطراف مؤثرة في الإطار التنسيقي الشيعي مع الفصائل المسلحة، دعت الحكومة العراقية إلى التراجع عن موعد 30 سبتمبر الحالي لحسم حصر السلاح والذهاب إلى موعد آخر، وهو تصرف عقلاني يعكس جدية المفاوضات واستثمارها لمعالجة جميع الأمور ويبعد البلاد عن الوقوع في فخ الصدام المباشر مع الفصائل ويفسح المجال للتوصل إلى حلول مقنعة.

كما يرى متابعون آخرون أن أمام الحكومة العراقية فرصة تاريخية لحسم ملف سلاح المقاومة المسلحة في العراق، خاصة وأن الولايات المتحدة منحت الحكومة العراقية فرصا أوسع للتفاوض مع الفصائل لحسم هذا الملف المعقد وفق قناعات تخدم مصالح العراق وما يتعرض له من صعوبات اقتصادية ومالية بسبب تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز.

أمام الفصائل المسلحة هدف لمدة تسعة أشهر لتسليم السلاح، وما يهم الأميركيين حاليا هو تجريدها من الصواريخ والمسيرات لتجنب الصدام المباشر

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي، الدكتور محمد نعناع، لوكالة الأنباء الألمانية "إن الحكومة العراقية تقف اليوم في المنتصف بين نزع سلاح الفصائل المسلحة والضغوطات الأميركية بشأن حسم هذا الملف وتقويض هذه الفصائل في عدم دعمها لإيران بعد تاريخ 30 سبتمبر الحالي".

وذكر "أن الإدارة الأميركية ماضية في سياستها بالقضاء على بقايا الفصائل المسلحة المتبقية في سوريا ولبنان واليمن، ولديها سيناريو فيما يتعلق بوضع الفصائل المسلحة في العراق، وفسحت المجال للحكومة العراقية في حسم هذا الملف".

كما ذكر نعناع أن " الحكومة العراقية تحاول عدم الصدام مع الفصائل المسلحة، وتعمل بجد على تقويض هذه الفصائل، ولديها دعم من المرجعية الدينية الشيعية العليا ومن الأطراف السياسية البارزة، فضلاً عن دعم شعبي واضح".

ويؤكد المراقبون أن أمام الحكومة العراقية فترة مهمة وكافية للتوصل إلى اتفاق حاسم في 30 يونيو المقبل، مع تصاعد أغلبية مؤيدة في العراق لحصر السلاح، وبنفس الوقت عدم فسح المجال أمام الفصائل المسلحة للمناورة وترك النهايات مفتوحة، وأن هذا الموعد يبدو مقنعا ويحظى بدعم أمريكي.

ويعتقد محللون سياسيون في العراق أن الهدنة الجديدة مع الفصائل ربما ستقود إلى عدم انشطار جديد في الفصائل المسلحة وتقييد سقف المفاوضات بوقت كاف لنزع سلاح الفصائل، وخاصة ما يتعلق بالصواريخ والمسيرات التي تهدد المصالح الأمريكية وأمن دول الخليج.

ويبدو أن الإدارة الأميركية أعطت الحكومة العراقية الضوء الأخضر لتوسيع دائرة المفاوضات مع الأطراف المسلحة وتغيير توقيتات حصر السلاح وفق أجندات محددة، نظرا لتعقيدات هذا الملف وضرورة استثمار الوقت لحسم الملف بعيداً عن الصدام المباشر.

وقال الدكتور ياسين البكري، وهو محلل سياسي"أمام الفصائل المسلحة هدف لمدة 9 أشهر لتسليم السلاح ولديهم مبرراتهم، وأيضا ما يهم الأميركيين حاليا هو تجريد الفصائل المسلحة من الصواريخ والمسيرات التي تهدد مصالحها في المنطقة، والملف معقد بحاجة إلى التدرج الزمني في التوقيتات".

من جهته، أكد البكري في حديث متلفز "أعتقد أن طرح الموعد الجديد لنزع سلاح الفصائل جاء بعد موافقة أمريكية نظرا لتعقيدات هذا الملف، والأشهر المقبلة ستكون مهمة جدا على الحكومة".

وأوضح المحلل السياسي، وائل الركابي، لوكالة الأنباء الألمانية "أعتقد أن 9 أشهر ستكون كافية للتفاهم بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة لتنظيم السلاح، خاصة وأن هذا القرار عراقي وطني خالص ويحظى بدعم واسع في العراق، والجميع متيقن أن المرحلة المقبلة بحاجة إلى موقف وطني موحد بعيدا عن الانشقاق والفوضى".

وأضاف "أعتقد أن الأميركيين أخذوا ضمانات من الجانب العراقي بعدم قيام الفصائل المسلحة باستهداف مصالحهم أو الدخول في الصراع بالمنطقة".

وذكر "أن الحوار هو السبيل الوحيد لحسم ملف السلاح، وأن قرار الحرب والسلم بيد الدولة ولا مجال للصدام والإنشقاق والفوضى، والعراقيون جميعا يعون مخاطر ما تشهده المنطقة من أحداث خطيرة".

وفي المجمل، تحظى توجهات الحكومة العراقية في حصر السلاح بدعم شعبي كبير في ظل المشهد الأمنـي المستقر وفتح الأبواب أمام كبريات الشركات العالمية لتوسيع دائرة الاستثمار والانفتاح العالمي باتجاه العراق، وخاصة ما يتعلق برفع قدرات العراق بإنتاج النفط الخام إلى مستوى 10 ملايين برميل يوميا في العام 2030، وأيضا دخول مشروع طريق التنمية لربط التجارة العالمية بين الخليج وتركيا وأوروبا عبر منظومة طرق برية وسككية في العراق.