روسيا لم تنتهِ بعد من الشرق الأوسط

الشراكة مع واشنطن لا تمنع الخليجيين من بناء علاقة متينة مع موسكو.
الخميس 2025/11/06
بوتين يعيد روسيا إلى الواجهة

واشنطن - رغم سلسلة الانتكاسات الإقليمية التي منيت بها، ما تزال روسيا تحتفظ بنفوذ واسع يمتد من ليبيا إلى إيران.

وأعد الموقع الرسمي للكرملين حول القمة الروسية – العربية الأخيرة وثيقة لافتة للانتباه. فهو يضم روابط لتقارير إخبارية متعددة، ويعرض وسائل التواصل الإعلامي، ويشرح خلفيات تنظيم الحدث الذي كان يُفترض أن يُعقد احتفاءً بالعلاقات الروسية – العربية. بل يتضمن الموقع فقرة قصيرة تشرح شعار القمة الذي يتخذ شكل الصقر، باعتباره “رمزًا للقوة والحرية والنبل في كلٍّ من التقاليد الثقافية الروسية والعربية.”

لكنّ ما يغيب تمامًا هو أيّ محتوى فعلي عن القمة ذاتها في 15 أكتوبر، لأنها ببساطة لم تُعقد. فقد أُلغيت الفعالية التي كان من المقرر أن تكون احتفالًا واسعًا بعلاقات موسكو مع العالم العربي بعد فترة قصيرة من وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط لطرح خطته لوقف إطلاق النار في غزة.

وبمجرّد أن أُتيح الخيار، فضّل عدد من القادة العرب الذين كانوا ينوون حضور القمة الروسية التوجه إلى شرم الشيخ للقاء الرئيس الأميركي بدلًا من السفر إلى موسكو.

وجاءت لحظة الإحراج الأكبر حين اضطر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للاعتراف أمام الصحافة الدولية بأن بلاده لم تُدعَ إلى الاجتماع.

رغم سلسلة الانتكاسات الإقليمية التي منيت بها، وخاصة الحرب في أوكرانيا، ما تزال روسيا تحتفظ بنفوذ واسع يمتد من ليبيا إلى إيران

وقال لافروف “ليس الجميع راضيًا عن الشراكة بين روسيا والعالم العربي.” أما الرئيس فلاديمير بوتين فاكتفى باستقبال الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي ربما رأى أن زيارته إلى موسكو لا ضرر منها بعد لقائه ترامب في الرياض في مايو الماضي.

كما توحي هذه الحادثة، بأن علاقات روسيا مع الشرق الأوسط وصلت إلى مستوى متدنٍّ جديد. فالحملة الإسرائيلية الانتقامية ضد خصومها الإقليميين بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر تسبّبت أيضًا في خسائر كبيرة لموسكو. فقد كانت كلٌّ من حماس وحزب الله على علاقة وثيقة بروسيا، إلا أنهما تعرّضا لضربات ساحقة. وأما الرئيس السوري السابق بشار الأسد، الذي أنقذه التدخل الروسي عام 2015، فقد شكّل انهيار نظامه في ديسمبر الماضي وفراره إلى موسكو نكسة قاسية لطموحات الكرملين في المنطقة.

وجاءت الحرب الخاطفة التي شنّتها إسرائيل ضد إيران في يونيو (بدعم أميركي) لتتوج هذا المنحى المتدهور.

وكانت الغارات الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية مدمّرة بما يكفي، لكنها أيضًا أودت بمعظم القيادات العسكرية الإيرانية.

وأظهرت هذه التطورات حدود الصداقة الروسية، إذ عجزت موسكو عن تقديم أيّ دعم حقيقي لحلفائها في طهران.

وأعلن بوتين حينها أن الإيرانيين لم يطلبوا مساعدة عسكرية مباشرة، بل إنهم رفضوا عرضًا روسيًا بتزويدهم بأنظمة دفاع جوي متطورة. لكن هل يمكن لروسيا أن تتعافى من هذه الهزائم؟ في بعض الجوانب، بدأت بالفعل.

وانهار محور “المقاومة”، لكن زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو – رغم أنها لم تعوض غياب القادة العرب الآخرين – حملت رسالة رمزية عن صمود النفوذ الروسي.

وأكد الشرع، الذي خاض الحرب ضد موسكو في وقت ما، أنه يسعى اليوم إلى “إعادة بناء العلاقات” مع روسيا في إطار “سوريا الجديدة”.

واستحضر بوتين عقودًا من “العلاقات الخاصة” بين البلدين، مشيرًا إلى تاريخ التعاون الذي يعود إلى الحقبة السوفياتية، حين كانت سوريا أحد أهم حلفاء موسكو في المنطقة.

الشرع، الذي خاض الحرب ضد موسكو في وقت ما، يؤكد أنه يسعى اليوم إلى "إعادة بناء العلاقات" مع روسيا في إطار "سوريا الجديدة"

وأكد الشرع التزامه بالاتفاقيات السابقة مع روسيا – في إشارة ضمنية إلى القاعدتين الروسيتين في طرطوس واللاذقية – ما دفع بعض المراقبين للتساؤل عما إذا كانت روسيا قد غادرت سوريا أصلًا.

ولا ينبغي أن يكون هذا مفاجئًا. فكما هو حال الكثير من دول المنطقة، تحاول سوريا التكيف مع واقع متغير مضطرب.

وبينما تقدم الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما كقوتين مهيمنتين في الشرق الأوسط، فإن التورط المفرط غالبًا ما يأتي بنتائج عكسية.

وأثبت قصف إسرائيل لقطر في سبتمبر – رغم فشله في اغتيال قادة من حماس – للدول الإقليمية أن الحفاظ على علاقات “طبيعية” مع تل أبيب لا يحميها من غضبها، وأن الاعتماد على واشنطن لكبح جماحها ليس خيارًا ممونًا.

وتشير آنا بورشفسكايا، الزميلة في معهد واشنطن، إلى أن دول الخليج سارعت إلى إظهار دعمها لروسيا بعد الغارات، موضحة أن ذلك كان “إشارة إلى واشنطن بأن الخليج لم يعد يرى الولايات المتحدة شريكًا يمكن الاعتماد عليه بالكامل، وأنه يريد علاقات متوازنة مع القوى الكبرى كافة، ومن ضمنها روسيا.” وأضافت أن لروسيا دورًا محوريًا في “أوبك+”، وهو عامل يصعب تجاهله.

ويتيح نهج موسكو البراغماتي الذي يتيح لها عقد الصفقات مع الجميع، بصرف النظر عن الأيديولوجيا، فرصا متزايدة لاستعادة موقعها الإقليمي تدريجيا.

وتعمل روسيا الآن على توطيد علاقاتها مع دول الخليج بوتيرة غير مسبوقة، ما ساعدها على التخلص من صورتها السابقة كقوة مثيرة للمشكلات تدعم أطرافًا غير تقليدية مثل سوريا وإيران.

وأما السياسة الخارجية المتقلبة لترامب، فهي تفتح أمام موسكو فرصًا إضافية. فلا أحد في المنطقة يعتقد أن خطته للسلام في غزة ستنجح فعلاً؛ إذ يتطلب نجاح من هذا النوع رؤية إستراتيجية وانضباطًا في التنفيذ لا يبدو أن الرئيس الأميركي يمتلكهما.

نهج موسكو البراغماتي الذي يسعى لعقد الصفقات مع الجميع بصرف النظر عن الأيديولوجيا يتيح فرصا متزايدة لاستعادة موقعها الإقليمي تدريجيا

وبينما كان من المفترض أن تنشغل إدارة أميركية أخرى بوضع إستراتيجية لمواجهة الطموحات الروسية، غرقت وزارة الخارجية الأميركية في خلافات داخلية، فيما بدا مجلس الأمن القومي والبنتاغون في حالة انتظار دائم لتعليمات من “الزعيم الكبير” الذي لا يصدر أوامره دائمًا.

وفي العراق – الدولة التي يُفترض أن واشنطن تملك فيها نفوذًا استثنائيًا بعد إسقاط نظام صدام حسين قبل عقدين – ظهر أمين مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو في سبتمبر معلنًا عن برنامج موسع للتعاون “العسكري – التقني” مع بغداد، مبني على “علاقات تاريخية طويلة،” تشمل الآن مجالات الاقتصاد والنقل أيضًا. كما ينشط المستشارون العسكريون الروس في ليبيا والسودان، حيث أبرمت موسكو اتفاقًا لإقامة قاعدة بحرية جديدة على ساحل البحر الأحمر. وأما تركيا فقد أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري لروسيا.

ويقول المحلل كريستيان كاريل في تقرير نشرته مجلة ناشيونال أنتريست الأميركية إنه لا ينبغي الافتراض بأن العلاقة بين موسكو وطهران باتت من الماضي.

ودفعت عودة العقوبات الأممية على إيران روسيا إلى توسيع تعاونها مع النظام الإيراني.

وامتنعت موسكو عن دعم طهران عسكريًا ضد إسرائيل، لكنها أبقت على “معاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة” الموقعة بين البلدين في يناير، والتي تتيح فرصًا متزايدة للطرفين لتعزيز تعاونهما الاقتصادي والعسكري.

وبالنظر إلى مجريات الأمور، قد تتاح لبوتين مجددًا فرصة لعقد قمته المؤجلة مع القادة العرب. لكن في كل الأحوال، يبدو مؤكدًا أن روسيا لن تغادر الشرق الأوسط في أيّ وقت قريب.

1