رهان قوي على مشاريع الطاقة المتجددة في الخليج رغم ضغوط الحرب

 تمثل مشاريع الطاقة المتجددة في الخليج أكثر من مجرد استثمار في بنية تحتية جديدة؛ إنها جزء أساسي من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الاقتصادات الوطنية وجعلها أكثر مرونة في مواجهة الصدمات الخارجية. 
الاثنين 2026/08/10
موارد طبيعية استثنائية

الرياض – في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والحرب المستمرة مع إيران، يواجه قطاع الطاقة المتجددة في دول الخليج تحديات تمويلية ملموسة أثرت على سرعة تنفيذ بعض المشاريع، إلا أن الجدوى الاقتصادية القوية لهذه المشاريع ما زالت تدفع الحكومات والشركات إلى المضي قدماً في خطط التوسع.

ووفقاً لتقرير حديث صادر عن مؤسسة بلومبيرغ.إن.إي.إف، من المتوقع أن تضيف منطقة الخليج نحو 12 جيجاوات من قدرات الطاقة المتجددة خلال العام الجاري 2026، على أن يتضاعف هذا الرقم ليصل إلى حوالي 24 جيجاوات في العام المقبل، في مؤشر واضح على استمرار الزخم رغم الظروف الصعبة.

وأدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع تكاليف التمويل وزيادة المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد، مما جعل الحصول على القروض والتمويل الدولي أكثر صعوبة لمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. فقد ارتفعت أسعار الفائدة على التمويل المرتبط بالمشاريع في المنطقة، كما تأثرت عمليات الشحن والنقل بسبب الاضطرابات في الممرات البحرية الرئيسية، خاصة مضيق هرمز.

ومع ذلك، يؤكد محللون في بلومبيرغ.إن.إي.إف أن التكاليف المنخفضة لإنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، مقارنة بالوقود الأحفوري في كثير من الحالات، تجعل هذه المشاريع جذابة اقتصادياً على المدى الطويل.

ويقول أحد الخبراء إن "الاقتصاديات ما زالت تصب بقوة في صالح الطاقة الشمسية والرياح، حتى مع ارتفاع تكاليف رأس المال مؤقتاً".

وفي هذا السياق، تشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى قدرة المنطقة على تجاوز بعض العقبات اللوجستية. فقد تم تسليم شحنات كبيرة من توربينات الرياح إلى المملكة العربية السعودية في الأسابيع الماضية، كما دخلت محطة طاقة رياح بقدرة 1.1 جيجاوات حيز التشغيل التجاري، في خطوة تعكس نجاح الجهود في تأمين المعدات والمواد الأساسية.

ويُنظر إلى هذه المحطة، التي تعد من أكبر مشاريع الرياح في المملكة حتى الآن، كدليل على أن سلاسل التوريد لم تنقطع بالكامل، رغم التحديات. ويضيف مسؤولون في قطاع الطاقة السعودي أن مثل هذه الإنجازات تعزز الثقة في قدرة المملكة على تحقيق أهدافها ضمن رؤية 2030، التي تستهدف رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 50 بالمئة من مزيج الكهرباء بحلول نهاية العقد.

هذه التطورات تعود إلى سنوات من الاستثمار المكثف في تنويع مصادر الطاقة. فمنذ إطلاق رؤية السعودية 2030، عملت المملكة على بناء قدرات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح، مدعومة بمناقصات تنافسية سجلت أسعاراً قياسية عالمياً منخفضة. وبالمثل، تسير الإمارات وعُمان وقطر والكويت والبحرين في مسارات مشابهة، وإن بدرجات متفاوتة. وقد أبرزت اضطرابات صادرات النفط والغاز الناجمة عن الحرب الحالية مدى هشاشة الاعتماد الكبير على عائدات الوقود الأحفوري. فعندما تعطلت الصادرات أو انخفضت بسبب المخاطر الأمنية، ظهرت الحاجة الملحة إلى مصادر طاقة محلية مستقرة تقلل من الضغط على الميزانيات وتوفر فائضاً أكبر من النفط والغاز للتصدير.

ورغم الضغوط الحالية على الميزانيات الوطنية، الناتجة عن زيادة الإنفاق الدفاعي وتراجع بعض الإيرادات النفطية في فترات الاضطراب، تواصل الحكومات والشركات في المنطقة السعي لتنفيذ مشاريع استراتيجية.

وتهدف هذه المشاريع إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية في آن واحد: تحرير كميات إضافية من النفط والغاز للتصدير وزيادة العائدات، وتوفير كهرباء بتكلفة أقل للصناعات والمستهلكين، ودعم نمو مراكز البيانات التي تتطلب كميات هائلة من الطاقة المستقرة والرخيصة.

ويشير محللون اقتصاديون إلى أن الطلب المتزايد على الكهرباء من قطاع التقنية والذكاء الاصطناعي يشكل دافعاً إضافياً قوياً للاستثمار في الطاقة المتجددة، خاصة مع خطط دول الخليج لتصبح مراكز إقليمية للبيانات والخدمات الرقمية.

وتتميز منطقة الخليج بموارد طبيعية استثنائية للطاقة الشمسية بفضل الإشعاع الشمسي العالي على مدار العام، إلى جانب مواقع مناسبة لطاقة الرياح في بعض المناطق الساحلية والصحراوية. وقد نجحت المناقصات الحكومية في جذب استثمارات دولية كبيرة من شركات آسيوية وأوروبية، مما ساهم في نقل التقنيات وبناء الخبرات المحلية. ومع ذلك، يظل التحدي الرئيسي في الفترة الحالية هو تأمين التمويل طويل الأجل بأسعار معقولة، بالإضافة إلى ضمان استقرار سلاسل التوريد للمكونات الرئيسية مثل الألواح الشمسية والتوربينات والبطاريات التخزينية.

ويتوقع مراقبون أن تشهد السنوات المقبلة تسارعاً في ربط مشاريع التخزين بالبطاريات مع محطات الطاقة المتجددة، لضمان استقرار الشبكة الكهربائية ومواجهة التقلبات الطبيعية في الإنتاج.

كما يُرجح أن تزداد الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص، مع التركيز على نماذج التمويل المختلط التي تجمع بين التمويل الحكومي والاستثمار الأجنبي المباشر.

وفي تصريحات سابقة، أكد مسؤولون خليجيون أن التحول إلى الطاقة المتجددة ليس خياراً بيئياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية وأمنية في ظل بيئة جيوسياسية متقلبة.

وعلى الصعيد الإقليمي، يمكن أن يسهم التعاون بين دول مجلس التعاون في تعزيز التكامل في شبكات الكهرباء وتطوير مشاريع مشتركة عابرة للحدود، مما يقلل التكاليف ويرفع الكفاءة. ومع استمرار الحرب وتداعياتها، يبدو أن الزخم الحالي في قطاع الطاقة المتجددة سيستمر، مدفوعاً بالحاجة إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للإيرادات.