درس الحرب مع إيران يفتح ملف انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط
لم تكن المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد اختبار لقدرات الدفاع الجوي أو لفعالية الردع الأميركي، بل تحولت أيضا إلى مناسبة لإعادة فتح أحد أكثر الملفات حساسية داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، وهو خريطة انتشار القوات والقواعد في الشرق الأوسط.
واشنطن- أعادت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تسليط الضوء على أحد العوامل المهمة في الإستراتيجيات الأميركية والذي حظي حتى باهتمام ضئيل وهو نمط تمركز ونشر القواعد الأميركية في الشرق الأوسط.
ونبّه إلى ذلك المحلل الأميركي إليوت أبرامز الذي وصف القواعد الأميركية في المنطقة بأنّها أهداف في مرمى الهجمات الإيرانية، مما أدى إلى مقتل 17 جنديا أميركيا على الأقل وإصابة قرابة 500 آخرين وخسارة معدات بمليارات الدولارات في المواجهة الدائرة حاليا.
وفي تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية الأميركي قال أبرامز، وهو خبير وزميل أول في دراسات الشرق الأوسط بالمجلس وشغل منصب نائب مساعد الرئيس ونائب مستشار الأمن القومي في إدارة جورج دبليو بوش، إن هذا الوضع يمثل مشكلة لأن الولايات المتحدة لها قواعد في كل أنحاء الخليج قريبة جدا من إيران. وأكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط هي قاعدة العديد الجوية في قطر حيث كانت تعمل بها قوات يبلغ قوامها نحو عشرة آلاف قبل الحرب الحالية.
وهذه القاعدة هي أيضا مقر القيادة المتقدمة للقيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” وموقع مركز العمليات الجوية المشتركة الذي يسيطر على كل النشاط الجوي الأميركي في كل أنحاء الشرق الأوسط. ويقع مقر الأسطول الخامس الأميركي والقيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية في البحرين. وهناك أيضا قواعد أميركية مهمة أيضا في الكويت والإمارات، كما أن هناك وجودا أميركيا في سلطنة عمان والسعودية، وكل هذه المواقع على مسافة هجومية سهلة من إيران.
قطر أنفقت ما بين 1 و2 تريليون دولار لإنشاء قاعدة العديد في عام 1996. وأنفقت أكثر من 6 مليارات دولار منذ ذلك الوقت على صيانتها
وكان نمط تمركز ونشر هذه القواعد منطقيا عندما كانت الولايات المتحدة تقاتل في أفغانستان والعراق ضد الخصوم الإرهابيين الذين كانوا يفتقرون إلى القدرة على مهاجمة هذه القوات. وفي عام 2001، عندما بدأت الولايات المتحدة عملياتها ضد حركة طالبان في أفغانستان، كانت القوات الأميركية في الخليج مفيدة للغاية ولم تكن عرضة تقريبا لخطر أي هجمات.
وكان نفس الشيء ينطبق في الحقيقة خلال الصراع العراقي الذي بدأ في عام 2003، حيث لم يكن الخصم قادرا على قصف القوات الأميركية بالصواريخ وكانت الطائرات المسيرة تستخدم بالكاد ولم تكن تشكل تهديدا. ولكن هذا النمط لنشر القوات بات اليوم عرضة بشدة للخطر في الصراع مع إيران.
نمط تمركز القوات الأميركية في الخليج انعكاس لتحديات قديمة بما في ذلك الحاجة إلى حماية حلفاء الولايات المتحدة في الخليج والشرق الأوسط الأوسع نطاقا من الاتحاد السوفيتي، لكنه أصبح لا يواكب مقتضيات الوضع الراهن، ويعرض للخطر القوات الأميركية، وهو ما يفسر السبب وراء نقل الكثير منها بعيدا عن إيران.
وفي ظل مدى الصواريخ والطائرات المسيرة في ترسانة إيران، ستظل القوات الأميركية الأبعد في خطر، وسوف يحتاج الجنود إلى المزيد من الوقت للتوجه لمكان آمن. وعلى سبيل المثال، يقع معسكر عريفجان في الكويت، وهو المقر المتقدم للجيش الأميركي للقوات البرية التابعة للقيادة المركزية، على بعد 62 ميلا فقط من إيران.
وتقع القاعدة البحرية الأميركية في البحرين على بعد نحو 128 ميلا من إيران. وتبعد قاعد العديد 170 ميلا. وتقع كل هذه القواعد داخل مدى الصواريخ الإيرانية. وفي المقابل تبلغ المسافة من إيران إلى إسرائيل نحو 1100 ميل.
إليوت أبرامز: الوضع يمثل مشكلة لأن الولايات المتحدة لها قواعد في كل أنحاء الخليج قريبة جدا من إيران
ونقل أبرامز عن تقرير سابق لمجلة إير أند سبيس فورسيس الأميركية القول “إنّ بعض الجنود الأميركيين يغادرون قاعدة العديد الجوية في قطر، القاعدة العسكرية الرئيسية الأميركية في الشرق الأوسط، ويبدو أيضا أنه تم نقل طائرات أميركية”.
وتم نقل العشرات من الطائرات الأميركية إلى مطار بن غوريون وقاعدة رامون الجوية في إسرائيل. وتستخدم الولايات المحدة أيضا قواعد في الأردن حيث تكبدت القوات الأميركية خسائر مادية ومقتل جنديين الأسبوع الماضي. ويعتقد الجنرال المتقاعد فرانك ماكنزي، وهو قائد سابق في سينتكوم، أن هناك حاجة إلى المزيد من عمليات النقل بعيدا عن إيران والخليج.
ونقل أبرامز عن ماكنزي في تصريح لمجلة “ميدل ايست أي” في أوائل الشهر الجاري قوله “لا يوجد رجل في كامل قواه العقلية سوف يضع القيادة المتقدمة لسنتكوم على بعد 100 ميل من إيران (في قطر)، ومع ذلك هي موجودة هناك”.
ووصف النمط الحالي لتمركز القواعد الأميركية بأنه موروث تاريخي وقال “إن استراتيجية تمركز القواعد الأميركية لا تواكب الواقع على الأرض” واختتم تصريحه بالقول “نحتاج إلى النظر غربا، نحتاج إلى تمركز القواعد في إسرائيل” بسبب المسافة البعيدة عن إيران ولأن ذلك، من وجهة نظره، سوف يفرض أقل قدر من القيود على حرية وصول الولايات المتحدة ونشر قوات وحقوق الطيران في المجال الجوي.
وتشمل مواقع أخرى أبعد من إيران يمكن النظر فيها، غرب السعودية ومصر، ولكن كلا الموقعين ليس لديهما نظم الدفاع الجوي التي تملكها إسرائيل ولن يوفرا حقوق الطيران لمن يضطر إلى الحاجة إليها. ومع ذلك، ومع الوضع في الاعتبار أن الولايات المتحدة لديها قوات في العديد من الدول الخليجية، فإنه يتعين عليها أن تفكر في إنشاء قواعد جديدة منتشرة في عدة مواقع، بدلا وضع كل مواردها الجوية في مكان واحد.
ولكن قول ذلك أسهل من تنفيذه. وفيما يمكن لإسرائيل أن ترحب بتركيز قاعدة أميركية في مجالها، فربما تنظر مصر والسعودية أو دول أخرى في المنطقة إلى ذلك على أنه عبء من المحتمل أن يؤدي إلى شن هجمات أو كوسيلة لكسب نفوذ على الولايات المتحدة للحصول على تنازلات سياسية، أو في حالة مصر، للحصول على المزيد من المساعدات.
وعلاوة على ذلك، فإن إنشاء قواعد جديدة مكلف للغاية في وقت يوجد فيه بالفعل عبء كبير على ميزانية الدفاع الأميركية.
وأنفقت قطر ما بين 1 و2 تريليون دولار لإنشاء قاعدة العديد في عام 1996. وأنفقت أكثر من 6 مليارات دولار منذ ذلك الوقت على صيانتها.
نمط تمركز القوات الأميركية في الخليج انعكاس لتحديات قديمة بما في ذلك الحاجة إلى حماية حلفاء الولايات المتحدة في الخليج والشرق الأوسط
ويظل من شبه المؤكد أنه سوف تتم مناقشة صياغة نمط جديد لتمركز القوات الأميركية. ونقل أبرامز عن الأدميرال المتقاعد بالبحرية الأميركية مارك مونتغومري قوله لشبكة فوكس نيوز إن الجيش الأميركي يعتمد بالفعل على مواقع بديلة للقواعد الواقعة بالقرب من إيران. وأضاف “لا نعتمد عليها بنفس الطريقة التي كنا نعتمد بها عليها قبل الحرب. أعتقد أننا سوف نقوم بإعادة تموضع هذه القوات”.
كما أن من المسلّم به أن كلا من الجيش الأميركي والكونغرس سوف يطرحان الأسئلة المتعلقة بالمكان الذي سوف تذهب إليه هذه القواعد وتوقيت ذلك ومن الذي سيتحمل تكلفة المواقع الجديدة. لكن الكونغرس يتصرف ببطء وتستمر الهجمات على القواعد الأميركية الحالية في نفس الوقت.
واختتم أبرامز تقريره بالقول إن الانتظار سوف يكون مكلفا، وطالما ظلت القوات الأميركية داخل مدى الصواريخ الإيرانية لفترة أطول، فإن الولايات المتحدة سوف تتحمل المزيد من تكلفة الاستعداد والردع والخسائر البشرية.