حياة آلاف الفلسطينيين مهددة بسبب احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة

نفاد المئات من الأصناف الدوائية بسبب الأزمة المالية الخانقة.
الجمعة 2026/06/05
مصائر معلقة على قرار إسرائيلي

رام الله- تتفاقم الأزمة الصحية في الأراضي الفلسطينية بوتيرة متسارعة، مع تحذيرات رسمية من انهيار أجزاء واسعة من المنظومة العلاجية نتيجة النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، في وقت تعجز فيه الحكومة الفلسطينية عن توفير التمويل اللازم بسبب استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة، التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات السلطة الفلسطينية.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، الخميس، أن حياة آلاف المرضى باتت مهددة بشكل مباشر، بينهم أكثر من أربعة آلاف مريض سرطان، بعد نفاد مئات الأصناف الدوائية والمستلزمات الطبية الأساسية من المستودعات المركزية، في واحدة من أخطر الأزمات التي يواجهها القطاع الصحي منذ سنوات.

وتشمل الأزمة، وفق الوزارة، أدوية الأمراض المزمنة والعناية المكثفة والعلاجات المرتبطة بالأورام، إلى جانب المواد المخبرية والمستهلكات الطبية الضرورية للعمليات الجراحية والعلاجات التخصصية، ما انعكس على قدرة المستشفيات الحكومية على مواصلة تقديم خدماتها بصورة طبيعية.

وتُعرف أموال المقاصة بأنها الضرائب والرسوم الجمركية التي تجبيها إسرائيل على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية عبر المعابر التي تسيطر عليها، قبل تحويلها إلى السلطة الفلسطينية بموجب الاتفاقات الاقتصادية الموقعة بين الجانبين.

احتجاز أموال المقاصة تسبب في تراجع القدرة الحكومية على سداد مستحقات شركات الأدوية والموردين وتباطؤ عمليات التوريد

غير أن إسرائيل بدأت منذ عام 2019 باقتطاع أجزاء من هذه الأموال تحت ذرائع مختلفة، قبل أن تتوقف منذ أكثر من عام عن تحويل أي دفعات منتظمة منها، ما أدى إلى تراكم أكثر من خمسة مليارات دولار من الأموال المحتجزة، وفق تقديرات فلسطينية.

وتشكل هذه الأموال نحو 68 في المئة من إيرادات الحكومة الفلسطينية، الأمر الذي جعل استمرار احتجازها ينعكس بصورة مباشرة على قدرة السلطة على دفع رواتب الموظفين وسداد مستحقات الموردين، وفي مقدمتهم شركات الأدوية والمستلزمات الطبية.

وقالت وزارة الصحة إن 726 صنفا دوائيا ومستهلكا طبيا نفد رصيدها بالكامل، بينما وصل مخزون عشرات الأصناف الأخرى إلى مستويات حرجة، في مؤشر على اتساع الأزمة وتجاوزها حدود النقص الجزئي أو المؤقت.

وبحسب البيانات الرسمية، نفد 180 دواء أساسيا من أصل 520 دواء توفرها الوزارة، فيما سجل 50 دواء من أدوية الأورام رصيدا صفريا من أصل 97 صنفا مخصصا لعلاج مرضى السرطان.

كما أعلنت الوزارة نفاد 79 صنفا من المواد المخبرية و265 مستهلكا طبيا تخصصيا، وهو ما يهدد الخدمات التشخيصية والعلاجية في المستشفيات الحكومية، بما في ذلك الفحوص المخبرية الدقيقة والعمليات الجراحية المعقدة.

وتقول الوزارة إن الأزمة الحالية لم تعد مجرد تحد مالي أو إداري، بل تحولت إلى تهديد مباشر لحياة المرضى، خصوصا المصابين بالسرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة والحالات الحرجة التي تعتمد على العلاج المنتظم والمتواصل.

ويواجه مرضى السرطان على وجه الخصوص أوضاعا شديدة الصعوبة مع تراجع توفر الأدوية الكيماوية والعلاجات المناعية، ما يهدد بانقطاع بروتوكولات العلاج وتأخير الجلسات الدورية، وهو ما قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للمرضى وتقليص فرص الاستجابة للعلاج.

كما طال النقص خدمات غسيل الكلى بسبب تراجع مخزون الفلاتر والمواد الطبية المرتبطة بالعلاج، إلى جانب نقص في مواد القسطرة القلبية والدعامات والخيوط الجراحية الدقيقة، وهي مستلزمات حيوية لا يمكن للمستشفيات العمل دونها.

إسرائيل بدأت منذ عام 2019 باقتطاع أجزاء من هذه الأموال تحت ذرائع مختلفة، قبل أن تتوقف منذ أكثر من عام عن تحويل أي دفعات منتظمة منها

وأدى هذا الوضع إلى تأجيل أكثر من 11 ألف عملية جراحية مبرمجة، بحسب وزارة الصحة، نتيجة نقص المستلزمات الطبية وتراجع القدرة التشغيلية للمستشفيات الحكومية، في وقت تواجه فيه الطواقم الطبية ضغوطا متزايدة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات.

ويرى متابعون للشأن الفلسطيني أن الأزمة الصحية الحالية تكشف حجم الهشاشة البنيوية التي يعاني منها القطاع الصحي الفلسطيني، المرتبط بشكل كبير بالمساعدات الخارجية والتحويلات المالية، في ظل محدودية الموارد المحلية واستمرار القيود الإسرائيلية على الحركة والاستيراد.

كما تعكس الأزمة، وفق مراقبين، حجم الترابط بين الاقتصاد والسياسة في الحالة الفلسطينية، إذ تحولت أموال المقاصة إلى أداة ضغط متكررة تستخدمها إسرائيل في سياق الصراع السياسي والأمني، ما يجعل المؤسسات الفلسطينية، بما فيها القطاع الصحي، رهينة للتقلبات السياسية والمالية.

ويحذر خبراء من أن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يؤدي إلى انهيار تدريجي في الخدمات الصحية الحكومية، خصوصا مع تزايد الديون المستحقة لشركات الأدوية وتباطؤ عمليات التوريد، إضافة إلى محدودية قدرة المستشفيات على تعويض النقص عبر القطاع الخاص أو المنظمات الدولية.

وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أكدت وزارة الصحة أن الحكومة الفلسطينية تواصل جهودها لتأمين الاحتياجات الأكثر إلحاحا وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، رغم الصعوبات المالية الحادة.

غير أن الوزارة أقرت بأن هذه الجهود تبقى محدودة في ظل غياب حل جذري لأزمة المقاصة واستمرار تراجع التمويل، ما يهدد استقرار القطاع الصحي بأكمله.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والإنسانية إلى التدخل العاجل للإفراج عن أموال المقاصة وتقديم دعم طارئ للقطاع الصحي الفلسطيني، محذرة من “تداعيات كارثية” على آلاف المرضى إذا استمر النقص الحالي.

كما ناشدت الجهات المانحة توفير أدوية ومستلزمات طبية منقذة للحياة بقيمة 50 مليون دولار بشكل عاجل، لتغطية الاحتياجات الأساسية وضمان استمرار الخدمات العلاجية والتشخيصية خلال المرحلة المقبلة، في وقت يبدو فيه القطاع الصحي الفلسطيني أمام اختبار غير مسبوق لقدراته على الصمود.

1