حماس تسعى لاستعادة الشرعية عبر بوابة الانتخابات
غزة - في وقت تتصاعد فيه تداعيات الحرب المدمرة في قطاع غزة، التي أسفرت عن سقوط أكثر من 200 ألف فلسطيني بين قتيل وجريح وخلفت دمارا شاملا في البنية التحتية والنسيج الاجتماعي، تحاول حركة حماس استشراف طريق جديد للعودة إلى المشهد السياسي عبر بوابة الانتخابات.
وتعد الانتخابات بالنسبة لحماس طوق نجاة سياسي، حيث تسعى لردم الفجوة المتسعة بين خطابها المقاوم وبين الواقع الشعبي المنهك الذي يرى في استراتيجيتها العسكرية سببا مباشرا للدمار.
وأكد الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم، اليوم السبت، حرص الحركة على المشاركة في الانتخابات المقبلة ضمن أوسع تحالف وطني فلسطيني ممكن، بما يضمن توسيع قاعدة المشاركة السياسية.
ونقلت وكالة "شهاب" للأنباء الفلسطينية عن قاسم قوله، في تصريح صحفي، إن "توجه الحركة يعكس رؤيتها لتحويل الاستحقاق الانتخابي إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة التوافق والشراكة الوطنية، وبما يجمع مختلف القوى والفصائل الفلسطينية".
وأوضح أن الهدف من هذا التوجه يتمثل في "فتح الطريق أمام تشكيل قيادة وطنية موحدة تتولى إدارة القضايا الوطنية بصورة جماعية وتوافقية، بعيدا عن التفرد والانقسام".
وشدد قاسم على أهمية أن تشكل الانتخابات مدخلاً لتعزيز الوحدة الوطنية وترتيب البيت الفلسطيني، بما يخدم القضية الفلسطينية ويحافظ على ثوابتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ومخططاته.
يأتي هذا الإعلان في ظل وضع داخلي معقد للغاية. فالحركة التي قادت غزة منذ عام 2007، تجد نفسها اليوم في مواجهة تحديات وجودية تتعلق بشرعيتها الشعبية، بعدما أدت الحرب الأخيرة إلى أزمات إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
الانتخابات بالنسبة لحماس تعد طوق نجاة سياسي، حيث تسعى لردم الفجوة المتسعة بين خطابها المقاوم وبين الواقع الشعبي المنهك الذي يرى في استراتيجيتها العسكرية سببا مباشرا للدمار
يرى محللون أن محاولة حماس الانخراط في "تحالف وطني" هي محاولة ذكية لإعادة تدوير نفسها سياسيا، وتوزيع عبء "إدارة الأزمة" على شركاء آخرين، بدلا من تحملها منفردة لتبعات فشل إدارتها للقطاع أو نتائج المواجهة العسكرية التي أثقلت كاهل الفلسطينيين.
وبدلا من الوقوف وحيدة في مواجهة غضب الشارع الذي فقد آلاف الأرواح والمنازل، تحاول حماس عبر فصائل تدور في فلكها، صياغة مشهد جديد.
وفي هذا السياق، أكدت "فصائل المقاومة" الفلسطينية حرصها على صون وحدة الصف الوطني وتعزيز الشراكة السياسية، وتهيئة المناخ الملائم لإجراء الانتخابات بما يعبر عن الإرادة الشعبية.
وقالت الفصائل، في بيان، إنها "تتابع باهتمام الجهود المبذولة لتشكيل تحالف وطني واسع لخوض الانتخابات التشريعية، انطلاقاً من أهمية توحيد الجهود وتغليب المصلحة الوطنية".
لا ينفصل هذا الحراك عن السياق الزمني الذي حدده الرئيس محمود عباس في التاسع من يوليو الماضي، حين أصدر مرسوما حدد فيه 28 نوفمبر موعدا للانتخابات التشريعية، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية خلال الربع الأول من عام 2027.
وتأتي هذه الانتخابات وسط انقسام فلسطيني لا يزال يلقي بظلاله على كل مفاصل العمل الوطني منذ عام 2007.
وتشير لجنة الانتخابات المركزية إلى أن تسجيل الناخبين في الضفة الغربية سيبدأ في 15 أغسطس، بينما تبدأ فترة الترشح في 26 سبتمبر، وسط تساؤلات حقيقية حول قدرة حماس على إقناع المواطن الفلسطيني بأنها الخيار الأمثل بعد أن أفضت سياساتها إلى واقع مأساوي. فالفجوة بين الخطاب التنظيمي للحركة وبين الواقع المعيشي للفلسطيني الذي بات يبحث عن لقمة العيش والأمن أكثر من بحثه عن الشعارات الأيديولوجية، تعد العائق الأكبر أمام طموحات الحركة.
في بيانها، ركزت الفصائل على أن "القدس ستبقى في صدارة الثوابت الوطنية"، وهو خطاب عاطفي تقليدي تلجأ إليه القوى الفلسطينية عند كل استحقاق لحشد القواعد الشعبية. ومع ذلك، تبقى الحقيقة السياسية هي أن الانتخابات القادمة ستكون بمثابة "استفتاء" على أداء الفصائل خلال السنوات الثقيلة الماضية. فحماس، من خلال دعوتها للتحالف، لا تبحث فقط عن مقاعد في المجلس التشريعي، بل تبحث عن "غطاء وطني" يخرجها من عزلتها السياسية، ويمنحها صك براءة من التبعات الكارثية للحرب التي هزت أركان غزة.
وأجريت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006، وكانت بداية لشرارة الانقسام الذي استمر حتى اليوم. والآن، ومع تحرك الحركة نحو صناديق الاقتراع، يظل السؤال معلقا: هل سينسى الشارع الفلسطيني أوجاع الحرب، أم أن صندوق الاقتراع سيتحول إلى محكمة شعبية تحاسب كل من تسبب في هذه المأساة التاريخية؟ الأيام القادمة، بدءا من فتح باب الترشح في 26 سبتمبر، ستكشف عن الوجه الحقيقي للمشهد السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب.