حلاوة النهايات

تتحقق السعادة بالرضا، بالاستقرار على أفضل صورة ممكنة منها، والعمل الدائب على رفع منسوبها. وتذكَّرْ: لا سعادة كاملة في الدنيا.
الخميس 2025/07/03
الحل في التوازن، بين الحلم والواقع

ما هذا؟ قد يتبادر إلى ذهنك الآن أن هناك خطأً في العنوان، فالتعبير الشائع في علاقات الحب هو “حلاوة البدايات”، أما النهايات.. فأنت تعرفها. لا تستعجل أمرك، فالكلام هنا عن “الحب.. وأشياء أخرى”. الرحمة للكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، طالما أننا ذكرنا اسم مسلسله الشهير، بالصدفة.

البدايات، تكون حلوة بالفعل في أغلب الأشياء. في الحب؛ ترسم لوعة الأشواق معالم الطريق، تُلوِّن لوحاته، تحدد اتجاهاته، فيعم التناغم بين الطرفين.. أو هذا ما يبدو لهما.

وفي العمل؛ تكون الانطلاقة الأولى في مضماره نتاج شرارةٍ من طموحٍ جارف، ووقود من الأمل الدائم، تغذيه صورة مرسومة للغد المشرق، والنجاح المبهر، الذي سيأتي حتمًا ويتحقق، بالإخلاص والاجتهاد.

في السياسة؛ تأتي البدايات بعد التحولات الكبرى كالتحرير والثورات مصحوبة بشعور عام بالسعادة، بالثقة في القدرة على إصلاح كل ما فات، والبدء من جديد، للخروج من النفق المظلم، سعيًا نحو الحلم، نحو النور. غدًا تتحقق الأحلام.. أو هكذا تقول الشعوب لنفسها.

فجأة تتبدل الأحوال، تذهب الحلاوة وتغلب المرارة. يسود الشعور بالصدمة. في الحب؛ يتنافر الأحباب، يظهر اختلاف الطباع، تسري الرتابة، وقد تحدث القطيعة. في العمل؛ يعم الصراع، وتتعدد الحسابات، ولا يمر طريق النجاح دومًا بمحطة الاجتهاد. وفي السياسة؛ تسقط الأحلام، وتعلو التساؤلات؛ أين الأمل؟ أين النور؟ وإلى أين المسير؟

والحق أن كل هذا طبيعي ومتوقع، فالعيب فينا وليس في “البدايات”، في تفكيرنا، في نظرتنا للأمور، لذا فإن مرارة الصدمة تكون مبررة، لها ألف سبب وسبب، عنوانها جميعًا: “إننا نحلم بالجنة.”

لكن.. لا جنة في الأرض. لا مدينة فاضلة. الجنة في السماء، في النهايات. لا تظن أنني أدعوك بهذا إلى السعي فحسب نحو “جنة الله”، أو أن “حلاوة النهايات” ليس مكانها الدنيا، فهذه دعوة لا يطلقها إلا مَن يريدون الاستئثار بثروات الأرض، فيقولون لك إن الدنيا فانية، ما شأنك بها؟ سعادتك الوحيدة في الآخرة، فاعمل لأجلها. لا تصدق هؤلاء. لا تثق فيهم. اعمل للدنيا والآخرة معًا.

“التوازن”.. وحده يحقق لك سعادة الدنيا، وتُدرَكُ “حلاوة النهايات”. اجعله فلسفتك الراسخة، في الحب والعمل، السياسة والأحلام.

بالتوازن يدرك المرء في الحب أن حبيبه إنسان، ليس ملاكًا أو شيطانًا، ودوام السعادة معه مرهون بالموازنة بين الشد والإرخاء، الأخذ والعطاء، وتبادلٍ دائمٍ للتنازلات، سعيًا إلى تحقيق التكامل بين كائنين بشريين، هما بحكم الطبيعة ناقصان. تذكَّرْ: لا ملائكة أو شياطين من البشر.

وفي العمل، لا مفر من التوازن بين أمور عدة؛ استمرار السعي بدأب، وعدم انتظار النجاح، والتكيف مع طبيعة منظومة العمل، والحلول لا تأتي بالشكوى والمظلومية، والمهم المواصلة، لأجل السعادة، فالكنز في الرحلة، وفقًا للأديب العالمي باولو كويلو.

في السياسة، تزول “حلاوة البدايات” عندما تبالغ الشعوب في الشعور بنشوى الانتصار، عقب التحرر من محتل، أو الثورة على دكتاتور، كأن الجنة ستهبط إلى الأرض. وهنا مكمن الخطأ، ومنبع الإحساس بالمرارة.

الحل في التوازن، بين الحلم والواقع، بين المأمول والمتحقق، بين السعادة بالنصر واستمرار الإصلاح، بالإصرار على المشاركة في القرار، فالحاكم واحدٌ من البشر، وفساد البشر وارد، ولا بد له من مواجهة، بالسلم والتدرج والتراكم، مع يقين كامل في أنه.. لا مدينة فاضلة.

تتحقق السعادة بالرضا، بالاستقرار على أفضل صورة ممكنة منها، والعمل الدائب على رفع منسوبها. وتذكَّرْ: لا سعادة كاملة في الدنيا.

18