حفتر يتحرك على خط الانتخابات

الرجل الذي كان اسمه مرتبطاً أساساً بالمعادلة العسكرية في ليبيا، أصبح معنياً الآن بشكل مباشر بكيفية إنتاج السلطة المقبلة
الثلاثاء 2026/09/08
الانتخابات كفرصة لتثبيت النفوذ

بنغازي – لا يتعامل خليفة حفتر مع عودة الانتخابات إلى واجهة المشهد الليبي باعتبارها مجرد محطة سياسية جديدة، بل يبدو أنه يتعامل معها باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت موقع معسكر الشرق داخل الدولة الليبية المقبلة. فبعد سنوات من تموضعه أساساً بوصفه لاعباً عسكرياً يملك نفوذاً واسعاً في شرق البلاد، بدأ حفتر يتحرك على مسار سياسي أكثر وضوحاً، بالتوازي مع عودة الحديث عن انتخابات رئاسية وتشريعية يمكن أن تعيد رسم خريطة السلطة في ليبيا.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، استقبل حفتر في بنغازي المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بول سولير، في لقاء تناول دعم جهود توحيد المؤسسات الليبية تمهيداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. ويأتي اللقاء بعد أيام من اتفاق لجنة «4+4» الذي أعاد الانتخابات إلى صدارة المسار السياسي الليبي، وحدد إطاراً زمنياً لا يتجاوز 24 شهراً لإجراء الاستحقاقين الرئاسي والبرلماني.

المتغير الأهم في تحركات حفتر هو أن الانتخابات لم تعد بالنسبة إلى معسكر الشرق مجرد استحقاق ينبغي انتظار شروطه، وإنما أصبحت ساحة محتملة لتحويل النفوذ الذي تراكم خلال سنوات الانقسام إلى نفوذ سياسي داخل مؤسسات الدولة.

وقد رحب حفتر باتفاق «4+4»، معتبراً إياه خطوة مهمة نحو إنهاء الانسداد السياسي، فيما رحبت به أيضاً حكومة الوحدة الوطنية. ويعكس هذا التوافق المحدود انتقال الأطراف المتنافسة من مواجهة فكرة الانتخابات إلى محاولة التأثير في شروطها وقواعدها ومخرجاتها.

وهنا تكمن أهمية تحرك حفتر. فالرجل الذي كان اسمه مرتبطاً أساساً بالمعادلة العسكرية في ليبيا، أصبح معنياً الآن بشكل مباشر بكيفية إنتاج السلطة المقبلة، ومن سيكون قادراً على الوصول إلى المؤسسات الموحدة التي يفترض أن تخرج من المسار الانتخابي.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن حفتر حسم قراره بشأن خوض الانتخابات أو أن معسكر الشرق لديه مرشح نهائي، لكنه يعني أن مرحلة التعامل مع الانتخابات باعتبارها ملفاً مؤجلاً تقترب من نهايتها. ومع اقتراب الاستحقاق، يصبح الحفاظ على النفوذ السياسي والعسكري والاتصالات الدولية جزءاً من معركة ما قبل الانتخابات.

يحمل لقاء حفتر والمبعوث الفرنسي دلالة إضافية، بالنظر إلى أن فرنسا واحدة من القوى الأوروبية الأكثر اهتماماً بالملف الليبي، فيما تسعى باريس إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الليبية.

واللافت أن الحديث في لقاء بنغازي لم يتركز فقط على الانتخابات، بل على توحيد المؤسسات باعتباره مدخلاً إليها. وهذه نقطة أساسية في الحسابات الليبية، لأن إجراء انتخابات في ظل استمرار الانقسام المؤسسي قد يؤدي إلى إنتاج سلطة جديدة من دون إنهاء جذور الأزمة القديمة.

انفتاح حفتر على التحركات الدولية لضمان ألا يأتي توحيد المؤسسات على حساب النفوذ الذي بناه الشرق خلال السنوات الماضية

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة انفتاح حفتر على التحركات الدولية باعتباره محاولة لضمان ألا يأتي توحيد المؤسسات على حساب النفوذ الذي بناه الشرق خلال السنوات الماضية. فالتسوية التي تقبل بها بنغازي هي على الأرجح تسوية تمنحها مكاناً واضحاً في بنية الدولة المقبلة، وليس مجرد العودة إلى نظام مركزي تسيطر عليه طرابلس.

يمثل اتفاق «4+4» أهم تطور سياسي في الأسابيع الأخيرة، لكنه لا يعني أن الطريق إلى الانتخابات أصبح مضموناً. الاتفاق ينص على إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين ذات الصلة، إلى جانب إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز عامين. لكن تنفيذ هذه البنود يحتاج إلى موافقة المؤسسات السياسية القائمة، التي سبق أن عرقلت مسارات انتخابية أخرى.

وهذا يجعل تحرك حفتر خارجياً وداخلياً مهماً. فهو لا ينتظر فقط ما ستفعله المؤسسات في طرابلس وبنغازي، وإنما يحاول أن يكون جزءاً من صناعة التفاهمات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

كما أن دخول نجل حفتر، صدام، في واجهة المشهد السياسي يعزز الانطباع بأن معسكر الشرق لا يتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مجرد انتقال إداري، بل باعتبارها إعادة توزيع واسعة للنفوذ. وقد رحب صدام حفتر بدوره باتفاق «4+4»، في مؤشر على أن القيادة العامة تريد أن تكون حاضرة في المسار السياسي بالتوازي مع حضورها العسكري.

المعضلة الأساسية أمام حفتر وبقية الأطراف الليبية ليست الاتفاق على مبدأ الانتخابات، وإنما الاتفاق على نتائجها المحتملة. فالانتخابات التي تنجح في توحيد المؤسسات يمكن أن تضع حداً لمرحلة الحكومات المتنافسة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى جولة جديدة من الصراع إذا رفض طرف نتائجها أو اعتبر أن قواعد اللعبة صممت لإقصائه.

ولهذا يبدو حفتر معنياً منذ الآن بضمان أن يكون معسكر الشرق طرفاً مقرراً في أي ترتيبات مقبلة. فالتجربة الليبية أظهرت أن امتلاك القوة على الأرض لا يكفي وحده للحصول على شرعية سياسية، كما أن الشرعية الانتخابية لا تضمن وحدها إنهاء موازين القوة التي نشأت خلال الحرب والانقسام.

ومن هنا، فإن تحرك حفتر على خط الانتخابات يحمل رسالة مزدوجة: الشرق مستعد للمشاركة في التسوية، لكنه يريد أن يدخلها من موقع قوة.

وتبدو هذه المعادلة هي الاختبار الحقيقي للمسار الجديد. فإذا نجحت الاتصالات الدولية والداخلية في تحويل اتفاق «4+4» إلى ترتيبات عملية، فقد تجد ليبيا نفسها للمرة الأولى منذ سنوات أمام مسار يمكن أن يقود إلى انتخابات فعلية. أما إذا بقيت الخلافات حول المؤسسات والقوانين وقواعد الترشح، فقد تتحول الانتخابات مجدداً إلى عنوان للتنافس بدلاً من أن تكون بوابة للخروج منه.

في الحالتين، يبدو أن حفتر قرر ألا ينتظر لحظة الاقتراع حتى يتحرك. فالمعركة على الانتخابات الليبية بدأت قبل صناديقها، والشرق يريد أن يضمن مكانه في الدولة التي ستولد منها.