حرب إيران تمحو 98% من إيرادات قطر

إيرادات الهيدروكربونات تهبط من 9 مليارات دولار إلى 200 مليون في الربع الثاني مع اضطراب صادرات الغاز عبر هرمز.
الأربعاء 2026/09/23
إيرادات النفط والغاز تواجه صدمات غير مسبوقة

الدوحة- كشفت تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران حجم اعتماد قطر على استقرار مضيق هرمز، بعدما انهارت إيرادات النفط والغاز في الربع الثاني من العام إلى نحو 200 مليون دولار، مقابل 9 مليارات دولار في الربع الأول، بحسب بيانات وزارة المالية التي أوردتها «بلومبرغ». ويعني ذلك تراجعاً يقارب 98 في المئة خلال ثلاثة أشهر، في واحدة من أكثر الصدمات حدة التي تصيب الموارد الخارجية لدولة خليجية خلال الحرب.

ويعود جزء كبير من هذه الصدمة إلى طبيعة الاقتصاد القطري وموقعه الجغرافي. فمعظم صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية تخرج من منشآت رأس لفان، الواقعة على الساحل الشرقي، ولا يمكن نقل الشحنات إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية من دون المرور عبر هرمز. وقد أدى إغلاق المضيق فعلياً أمام حركة الناقلات إلى تعطيل الصادرات، بالتزامن مع تعرض منشآت رأس لفان لأضرار خلال الحرب. وأعلنت «قطر للطاقة» أن الأزمة عطلت 17 في المئة من طاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال في البلاد، فيما قد تستغرق بعض أعمال الإصلاح سنوات.

والمفارقة أن ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب لم يعوض قطر عن فقدان القدرة على التصدير. فالدولة تملك احتياطيات ضخمة من الغاز، لكنها تحتاج إلى خروج الغاز من موانئها ووصوله إلى المشترين حتى يتحول إلى إيراد. ولهذا أصبحت أزمة هرمز بالنسبة إلى الدوحة مشكلة «قابلية للتسليم» بقدر ما هي مشكلة إنتاج، وهو ما يفسر الانعكاس السريع للحرب على موارد الدولة. وتقول «رويترز» إن صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال تراجعت بنحو 96 في المئة في الأشهر الأولى من الحرب، مع انخفاض عدد الشحنات التي وصلت إلى الأسواق مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

◄ قد يكون الدرس الاقتصادي الأبرز من الحرب أن قطر نجحت في تنويع مصادر ثروتها واستثماراتها أكثر مما نجحت في تنويع الطريق الذي تتحرك عبره ثروتها

وظهر أثر ذلك سريعاً في المالية العامة. فقد سجلت الموازنة القطرية عجزاً قدره 21.2 مليار ريال، أي نحو 5.8 مليار دولار، خلال الربع الثاني من 2026، بعد عجز بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. وبلغت الإيرادات الحكومية في الربع الثاني 25.6 مليار ريال، مقابل إنفاق قدره 46.8 مليار ريال، بحسب وزارة المالية. وبذلك تجاوز عجز النصف الأول في ستة أشهر إجمالي العجز المتوقع في موازنة السنة بأكملها تقريباً.

لكن صورة المالية القطرية لا تختصر في أرقام الربع الثاني. فقبل الحرب، كانت قطر قد راكمت احتياطيات وأصولاً تمكنها من امتصاص الصدمات، كما أن صندوق قطر للاستثمار يملك أصولاً تقدر بنحو 580 مليار دولار. وفي أغسطس، بلغت الاحتياطيات الدولية والسيولة بالعملات الأجنبية لدى مصرف قطر المركزي 262.2 مليار ريال، أي أكثر من 70 مليار دولار، فيما ارتفعت الاحتياطيات الرسمية إلى 220.5 مليار ريال. وتمنح هذه الموارد الدوحة مجالاً لتمويل العجز والحفاظ على الإنفاق الأساسي حتى في حال استمرار تراجع الإيرادات.

وقد بدأت قطر بالفعل استخدام بعض أدواتها المالية للتكيف مع الوضع الجديد. ففي 21 سبتمبر طرحت الدولة سندات دولية بقيمة 3 مليارات دولار، في أول عودة إلى سوق السندات العامة منذ نوفمبر، في خطوة يمكن قراءتها كإشارة إلى استعداد الحكومة لاستخدام الأسواق إلى جانب احتياطياتها للتعامل مع احتياجات التمويل خلال فترة اضطراب الإيرادات. وأظهرت بيانات الصفقة طلباً قوياً من المستثمرين، إذ تجاوزت دفاتر الطلبات 6.8 مليار دولار عند التسعير النهائي.

لكن اللجوء إلى الاحتياطيات والاقتراض لا يحل المشكلة الأساسية إذا طال أمد الحرب. فقطر تواجه صدمة تمس القطاع الذي يمثل العمود الفقري لصادراتها، وليس مجرد قطاع عادي يمكن تعويضه بسرعة. ولذلك تبدو قدرة الدوحة على الصمود مرتبطة أساساً بمدة إغلاق هرمز وسرعة عودة صادرات الغاز، وبما إذا كانت الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان ستتطلب إصلاحات طويلة.

وقد بدأ التأثير يتجاوز المالية العامة إلى خطط قطر طويلة الأجل. وقال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة» سعد الكعبي إن أزمة هرمز قد تؤخر بعض مراحل توسعة حقل الشمال، بسبب صعوبة وصول المعدات إلى البلاد. ولا يزال مشروع «حقل الشمال الشرقي» يستهدف بدء الإنتاج في 2027، لكن المراحل اللاحقة تواجه حالة من عدم اليقين بسبب اضطراب سلاسل الإمداد.

وتكشف أزمة التصدير كذلك عن تحد آخر في استراتيجية قطر: التنويع الجغرافي للأسواق لا يعادل بالضرورة التنويع في طرق النقل. فقد بنت الدوحة خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من العقود طويلة الأجل مع آسيا وأوروبا، لكنها ظلت تعتمد على هرمز للوصول البحري إلى هذه الأسواق. وقال الكعبي إن نقل الغاز القطري عبر أنابيب بديلة لا يمثل حلاً اقتصادياً أو تقنياً عملياً، لأن طبيعة صناعة الغاز المسال القطرية قائمة على التصدير البحري من منشآت رأس لفان.

وبذلك أصبح أمن هرمز جزءاً مباشراً من الأمن الاقتصادي القطري. فكل يوم إضافي من التعطيل يعني تأخير شحنات، وتعقيداً في تنفيذ العقود، وضغطاً إضافياً على الموازنة، حتى لو ظلت احتياطيات البلاد مرتفعة. وتظهر هذه المعادلة في أسواق الغاز العالمية أيضاً؛ إذ أدى توقف الإمدادات القطرية إلى ارتفاع أسعار الغاز المسال في آسيا بأكثر من الضعف منذ فبراير، بينما اضطرت الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل من الولايات المتحدة وأفريقيا وأستراليا وغيرها.

◄ صندوق سيادي بقيمة 580 مليار دولار واحتياطيات تتجاوز 70 ملياراً يمنحان الدوحة هامشاً لمواجهة صدمة قد تدفع الاقتصاد إلى انكماش 12.1% في 2026

وفي هذا السياق، تعكس خطوة إنشاء «دوحة للاستثمار»، وهي وحدة جديدة داخل جهاز قطر للاستثمار مخصصة للاستثمارات المحلية، توجهاً نحو تعزيز قدرة الاقتصاد الداخلي على مواجهة الصدمات. وستدير الوحدة محفظة تضم 45 شركة حكومية تمثل نحو ثلث أصول الصندوق السيادي، مع تركيز على دعم القطاع الخاص وجذب رأس المال والخبرات. ويبدو أن الفكرة تتجاوز إدارة الأزمة الحالية إلى تقوية قاعدة اقتصادية يمكنها تحمل تقلبات قطاع الطاقة مستقبلاً.

لكن حتى هذا التحول يحتاج إلى وقت. فالتنويع الاقتصادي يمكن أن يقلل اعتماد الدولة على الهيدروكربونات على المدى الطويل، لكنه لا يستطيع تعويض عشرات المليارات من إيرادات الغاز المفقودة خلال أشهر. ولهذا فإن السؤال بالنسبة إلى قطر في المرحلة الحالية ليس ما إذا كانت تملك الموارد اللازمة لعبور الأزمة؛ فالاحتياطيات والصندوق السيادي يوفران بالفعل هامشاً واسعاً، وإنما إلى متى تستطيع تحمّل صدمة ترتبط مباشرة بإمكانية تصدير ثروتها الأساسية؟

ويزداد السؤال أهمية مع تقدير «بلومبرغ» أن الاقتصاد القطري قد ينكمش بنسبة 12.1 في المئة خلال 2026، في أسوأ توقع بين الدول المشمولة باستطلاع اقتصادي. وتبقى هذه النسبة توقعاً مبنياً على آراء اقتصاديين وليست تقديراً رسمياً نهائياً، لكنها تعكس حجم المخاطر التي أصبحت الحرب تفرضها على اقتصاد كان يستعد لمرحلة جديدة من توسعة إنتاج الغاز.

وهنا تظهر المفارقة في الحالة القطرية: الثروة التي راكمتها البلاد تمنحها قدرة كبيرة على امتصاص الصدمة، لكن موقعها الجغرافي يجعلها شديدة الحساسية لصدمات لا تستطيع معالجتها بالمال وحده. فالصندوق السيادي يستطيع تمويل العجز، والاحتياطيات تستطيع حماية السيولة، والأسواق تستطيع توفير تمويل إضافي، لكن لا يمكن لهذه الأدوات وحدها إعادة ناقلات الغاز إلى البحر إذا بقي هرمز مغلقاً.

لذلك قد يكون الدرس الاقتصادي الأبرز من الحرب أن قطر نجحت في تنويع مصادر ثروتها واستثماراتها أكثر مما نجحت في تنويع الطريق الذي تتحرك عبره ثروتها. وسيبقى مستقبل الاقتصاد في 2026 مرتبطاً بدرجة كبيرة بمصير المضيق: كلما عادت الملاحة بصورة مستقرة، اقتربت الدوحة من استعادة تدفقات الطاقة، وكلما طال الاضطراب، تحولت الاحتياطيات من وسادة مالية إلى أداة لتمويل أزمة ممتدة.