حبل ترشيح المالكي المحذوف يمتد إلى أربيل لحسم رئاسة الحكومة العراقية
بغداد – أعادت صفحة "حزب الدعوة الإسلامية" على فيسبوك مساء السبت، نشر إعلان ترشيح أمين عام الحزب نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، وذلك بعد ساعات من حذف المنشور الأصلي بشكل غامض، ما أثار جدلا واسعا وموجة من التحليلات السياسية في بغداد.
ويعدّ هذا التناقض في الإعلان عن ترشيح المالكي نقطة محورية تظهر حدة الصراع الداخلي لتشكيل الحكومة، خاصة بالتزامن مع وصوله إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان للتباحث بشأن الحكومة الجديدة.
يبيّن هذا الحراك أن مسار المالكي نحو رئاسة الوزراء يمر حتما عبر "فيتو" القوى الكردية التي تمثل "مركز القرار" الذي لا يمكن تجاوزه في المعادلة العراقية.
وجاء هذا الإعلان الملتبس بعد أن أفاد حزب الدعوة الإسلامية ظهر السبت، بأن مجلس شورى الحزب قرر بالإجماع ترشيح الأمين العام للحزب نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء في الحكومة العراقية المقبلة، وهو البيان الذي حذف بعدها بساعات من المنصات الرسمية للحزب، ثم أعيد نشره لاحقا دون أي توضيح للأسباب.
ويظهر وصول المالكي إلى أربيل محاولة واضحة لـطي صفحة التوتر التاريخي وجذب ود الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، الذي يعدّ أكبر الأحزاب الكردية التي حصدت 30 مقعدا في البرلمان العراقي، بهدف ضمان دعم توجهات الإطار التنسيقي الشيعي لتسريع تشكيل العملية السياسية التوافقية الجديدة.
ويعد إقليم كردستان، بصفته مركز القرار، لاعبا أساسيا لا يمكن تجاوزه في المعادلة العراقية، لعدة أسباب، إذ يفرض النظام السياسي في العراق، القائم على التوافق والمحاصصة، ضرورة مشاركة المكون الكردي في الحكومة.
كما يدير إقليم كردستان جزءا مهما من إنتاج وتصدير النفط العراقي بشكل مستقل نسبيا عن بغداد، وبالتالي، فإن أي حكومة اتحادية بحاجة إلى تسوية الخلافات مع أربيل حول حصة الإقليم من الموازنة وإدارة الموارد الطبيعية لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي.
وعلى النقيض من فترات التوتر اللاحقة، كان المالكي من أوائل الساسة الذين نسجوا خيوط علاقة وثيقة مع القيادة الكردستانية، ممثلة بزعيم حزب الديمقراطي الكردستاني الحالي مسعود بارزاني والرئيس الراحل جلال طالباني.
وشكل الثلاثة تحالفا استراتيجيا أسهم في هندسة وتشكيل الحكومات العراقية ما بعد عام 2005، بيد أن هذا التحالف لم يدم طويلا، حيث انفرط عقده لاحقاً لأسباب سياسية وتشريعية عميقة، ما أدى إلى تباعد حاد في المواقف بلغت ذروتها بقطيعة سياسية، وها هي زيارته الحالية لأربيل محاولة لإعادة رتق هذا النسيج الممزق.
ولخّص السياسي مشعان الجبوري في تدوينة على منصّة "إكس" ميزان القوة الحاسم، مشددا على أن "كل المسارات السياسية في العراق لا توصل الساعين لتولي رئاسة الوزراء أو الجمهورية أو النواب، إلا المسار الذي يمرّ من بوابة الرئيس مسعود البارزاني".
وأضاف الجبوري موضحا "فهو قد لا يستطيع فرض من يريد، لكنه يملك حق الفيتو على من لا يريد".
وأَكد الجبوري على أي سياسي أن "يتأكد مسبقا إن كان البارزاني سيستعمل حق الفيتو ضده أم لا".
ويبين هذا التصريح أهمية التفاهم المباشر والفعّال مع أربيل كـ"مفتاح" للاستقرار السياسي العام في البلاد.
وأثار إعلان حزب الدعوة ترشيح المالكي، ثم التراجع عنه، موجة واسعة من التحليلات حول موقع المالكي داخل الإطار التنسيقي وطموحه في المرحلة المقبلة.
ويشهد العراق تنافسا حادا بين ثلاثة مرشحين رئيسيين سيتم تسمية أحدهم عبر التصويت داخل التنسيقي الذي أعلن أنه الكتلة الأكبر، وهم كل من رئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، والمالكي، ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري.
وقال الباحث السياسي غالب الشابندر إن "زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي يعلم جيدا أن حظوظه للعودة إلى رئاسة الوزراء غير قائمة إلا أنه خاض الانتخابات مجددا لتفويت الفرصة على رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني للحصول على ولاية ثانية".
وأشار الشابندر، في تدوينة على منصة "إكس"، إلى أن المالكي "أصبح اليوم المنافس الأول للسوداني داخل الإطار التنسيقي، الأمر الذي سيدفع قوى الإطار إلى البحث عن شخصية ثالثة لتجنب إحراج المالكي أو الدخول في صراع مباشر بين الطرفين".
وختم الشابندر بالقول إن "أبوإسراء داهية"، في إشارة إلى المالكي، وهو توصيف لطريقة إدارته للتوازنات داخل البيت السياسي الشيعي.
على ضوء هذا الانقسام الحاد في البيت الشيعي والتوترات المستمرة، يبرز الموقف الكردي كشرط لا يمكن تجاوزه لتشكيل الحكومة، حيث تبدأ القوى الكردية في وضع الشروط الدستورية لضمان صلاحيات رئيس الوزراء القادم وعدم تكرار أزمات الماضي.
وشدد عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري، في تدوينة على منصة "إكس" جاءت عقب زيارة المالكي لأربيل، على أن "الماراثون العراقي لتشكيل الحكومة بعد انتخابات 2025 بدأ عمليا".
وأكد زيباري ضرورة أن "المهم في المرحلة المقبلة هو الاتفاق على رئيس الحكومة والرئاسات بطريقة توافقية"، مشددا على أهمية أن يتمتع رئيس الوزراء المقبل بـ"صلاحيات كاملة وفق الدستور".
ولفت إلى أهمية أن يكون رئيس الحكومة "مؤمنا بالدولة المدنية" وأن تُدار عملية التفاوض "بعيدا عن الاشتراطات المسبقة التي تهدف إلى الحد من صلاحياته".
وصرّح رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني الأربعاء الماضي، مُبيناً أن "نحن نحترم جميع المرشحين للحكومة وليس لدينا انحياز لأحد ونعمل مع الأطراف السياسية الكردية على أن نكون أقوياء في مباحثات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة".
وأوضح في تصريحات صحافية أن "من المبكر الدخول في تفاصيل تحالفات تشكيل الحكومة الاتحادية وعقدنا عدة لقاءات مع كبار المسؤولين العراقيين المشاركين والفائزين في الانتخابات وقد تشكلت فيما بيننا لجان للحوار والمتابعة ونحن نترقب الخطوات المقبلة".
وتابع قائلا "نحن نحترم الجميع ونتعاون مع الجميع ونريد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وفق الدستور وعلينا أن نتعاون معاً وفق الدستور دون انتقائية وشروطنا في الحزب الديمقراطي هي تطبيق الدستور والالتزام بالشراكة والتوازن والتوافق وهذا هو شعارنا".
وكشف مكتب زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، عن تفاصيل اللقاء مع رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في بيرمام.
وأشار المكتب في بيان إلى أن الجانبين "بحثا نتائج انتخابات مجلس النواب العراقي ومرحلة ما بعد الانتخابات، وأكدا على ضرورة تسخير نتائج الانتخابات لتصب في خدمة الشعب العراقي".
وأضاف البيان أن "كما تم تسليط الضوء على الأوضاع السياسية في العراق والمنطقة، وتم الاتفاق على استمرار المشاورات ومواصلة التنسيق والتعاون المشترك بين أطراف العملية السياسية العراقية".