جبهة خليجية موحدة في مواجهة التصعيد الإيراني
واشنطن- تكشف الجبهة السياسية والأمنية التي أعلنتها دول مجلس التعاون الخليجي، بمشاركة الأردن، عن تحول لافت في مقاربة الأمن الإقليمي، إذ لم يعد التعامل مع الهجمات المنسوبة إلى إيران ووكلائها يقتصر على بيانات الإدانة أو المطالبة بضبط النفس، وإنما انتقل إلى مرحلة تقوم على مفهوم الردع الجماعي، وربط أمن كل دولة بأمن المنظومة الخليجية والعربية بأكملها.
ويأتي هذا التحول في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد الهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية والممرات البحرية، بما يجعل دول الخليج أمام معادلة جديدة قوامها أن استمرار سياسة الاحتواء وحدها لم يعد كافيا، وأن حماية الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة تتطلب بناء شبكة تنسيق سياسي وعسكري أكثر تماسكا.
ولا تكمن أهمية البيان المشترك في لغته الحازمة فحسب، بل في كونه يعكس توافقا سياسيا نادرا بين الدول المشاركة بشأن طبيعة التهديد، وآليات التعامل معه، وحدود الرد عليه. فالبيان لا يتحدث عن حوادث منفصلة، وإنما يقدم رؤية تعتبر أن استهداف دولة واحدة أو منشأة بعينها يدخل ضمن إستراتيجية ضغط إقليمية تستوجب استجابة جماعية.
وللمرة الأولى منذ اندلاع موجة التصعيد الأخيرة، تتحدث الدول السبع بوضوح عن حقها في الدفاع عن نفسها “بصورة فردية وجماعية”، مستندة إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهو استناد لا يمنح موقفها بعدا قانونيا فحسب، بل يهيئ أيضا الأرضية السياسية لأي إجراءات دفاعية مشتركة قد تفرضها تطورات المرحلة المقبلة.
أمن الخليج بات يُنظر إليه باعتباره مسؤولية جماعية، وحماية هرمز وباب المندب أصبحت جزءا من إستراتيجية ردع متكاملة
ويمثل إدراج مفهوم الدفاع الجماعي في البيان تطورا يتجاوز الاعتبارات القانونية إلى إعادة تعريف فلسفة الأمن الخليجي. فمنذ سنوات اعتمدت دول المجلس بصورة أساسية على الشراكات الثنائية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، أما اليوم فإن الخطاب الجديد يمنح التنسيق الإقليمي نفسه دورا أكبر في منظومة الردع، دون أن يكون بديلا عن التحالفات الدولية.
كما أن البيان يتجاوز لغة الإدانة التقليدية، إذ يشير إلى الاستعداد لاتخاذ “جميع التدابير القانونية والعسكرية اللازمة” لحماية الأراضي والمنشآت والسفن التجارية، في رسالة تستهدف رفع كلفة أي هجمات مستقبلية، وإقناع طهران بأن استخدام الوكلاء لم يعد يوفر لها هامش الإنكار السياسي الذي استفادت منه خلال السنوات الماضية.
ويعكس هذا الموقف قناعة متنامية بأن الضربات التي استهدفت البحرين والكويت والأردن، إضافة إلى التهديدات المتكررة لمنشآت النفط ومحطات تحلية المياه والموانئ والمطارات، ليست أحداثا منفصلة، وإنما حلقات ضمن نمط عمليات يهدف إلى استنزاف الخصوم وفرض ضغوط سياسية واقتصادية عليهم دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ويحمل البيان رسالة مباشرة إلى إيران مفادها أن إستراتيجية إدارة الصراع عبر الوكلاء بدأت تفقد فعاليتها السياسية. فبدلا من إحداث تباينات بين العواصم العربية، أسهمت الهجمات في تقريب مواقفها، وتعزيز التعاون في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق العسكري، والتحرك المشترك داخل المؤسسات الدولية.
ويكتسب هذا التحول زخما إضافيا من استناد البيان إلى قرارات مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية، فضلا عن قرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026، في محاولة لتأكيد أن أي تحرك دفاعي محتمل سيكون منسجما مع قواعد القانون الدولي، وليس خروجا عليها.
ويأتي هذا التشدد بعد أسابيع فقط من توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي كان يعول عليها لفتح نافذة نحو خفض التصعيد. غير أن استمرار الهجمات في الخليج والبحر الأحمر عزز لدى العواصم الخليجية الانطباع بأن التفاهمات الثنائية بين واشنطن وطهران لا توفر، بمفردها، ضمانات كافية لأمن المنطقة، وأن الردع الإقليمي ينبغي أن يكون مكملا للمسار الدبلوماسي لا رهينة له.
اقرأ أيضا:
وفي هذا السياق، تبدو حماية مضيقي هرمز وباب المندب محور الارتكاز في المقاربة الخليجية الجديدة. فهذان الممران لم يعودا مجرد معبرين لتصدير النفط، بل يمثلان ركيزة أساسية لاستقرار التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. ومن ثم فإن أي تهديد لهما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وكلفة النقل البحري، ومعدلات التضخم في الاقتصاد العالمي.
ولهذا السبب، حرص البيان على التأكيد أن الهدف ليس توسيع نطاق الحرب، بل ضمان أمن الملاحة الدولية، والعمل مع المنظمة البحرية الدولية والشركاء الإقليميين لتطوير ترتيبات أمنية أكثر استدامة، بما يجمع بين الردع العسكري والعمل الدبلوماسي، بدلا من الاكتفاء بأحدهما.
كما يكشف البيان عن اتساع النظرة الخليجية إلى مسرح التهديدات، إذ لم تعد الأزمة محصورة في الخليج، بل أصبحت تمتد إلى العراق واليمن والبحر الأحمر. ومن هنا جاء الترحيب بقرار الحكومة العراقية حصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية سبتمبر 2026، باعتباره خطوة تستهدف الحد من قدرة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران على تحويل الأراضي العراقية إلى منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الغربية.
أما في اليمن، فقد حمل البيان مقاربة مزدوجة تجمع بين الحزم والانفتاح السياسي. فمن جهة، أعلن تضامنه الكامل مع السعودية في مواجهة تهديدات الحوثيين للملاحة والمنشآت الحيوية، ومن جهة أخرى أكد دعمه للمساعي السياسية التي تقودها الرياض وسلطنة عمان للوصول إلى تسوية شاملة، بما يعكس إدراكا بأن إنهاء الحرب اليمنية يمثل جزءا من أي إستراتيجية مستدامة لخفض النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية أكبر بعد تصاعد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر، وهو ما يرفع تكلفة التأمين والشحن، ويهدد بتحويل الممرات البحرية إلى ساحة مواجهة مفتوحة ذات انعكاسات تتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
ويشير توقيت البيان أيضا إلى محاولة استباق أي اتساع إضافي للحرب الأميركية – الإيرانية. فكلما توسعت دائرة الضربات المتبادلة، ازدادت احتمالات انتقال المواجهة إلى أراضي الدول العربية أو منشآتها الحيوية، سواء بصورة مباشرة أو عبر الجماعات الحليفة لطهران، وهو ما يفسر الحرص على رسم خطوط ردع واضحة قبل بلوغ تلك المرحلة.
ولا يعني ذلك أن دول الخليج والأردن تتجه إلى إنشاء حلف عسكري جديد على غرار التحالفات التقليدية، لكن اللغة المستخدمة توحي بوجود انتقال تدريجي نحو مفهوم أكثر تماسكا للأمن الجماعي، يقوم على اعتبار أن أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يمس أمن الجميع، بما قد يفتح المجال مستقبلا لتطوير آليات دفاع مشترك أكثر فاعلية.
وبالنتيجة، يتجاوز البيان الخليجي – الأردني حدود الرد على موجة تصعيد عابرة، ليعكس إعادة صياغة لمعادلة الأمن الإقليمي في مرحلة تتراجع فيها الثقة بقدرة التفاهمات الدولية وحدها على احتواء الأزمات. وإذا كان الخيار الدبلوماسي لا يزال حاضرا عبر التحرك في مجلس الأمن والدعوة إلى وقف الهجمات، فإن الرسالة الأبرز تتمثل في أن أمن الخليج بات يُنظر إليه باعتباره مسؤولية جماعية، وأن حماية هرمز وباب المندب أصبحت جزءا من إستراتيجية ردع متكاملة، تستهدف حماية السيادة، وصون الاقتصاد، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دائمة.