تونس في مواجهة لوبيات الفساد.. شبكات النفوذ تعرقل معركة إنقاذ الاقتصاد

نجاح معركة مكافحة الفساد سيقاس بما يحدث في الأسواق
الخميس 2026/08/13
الفساد الاقتصادي يتمظهر في اختفاء السلع والتلاعب بالأسعار

تونس – لم يعد الحديث عن مكافحة الفساد في تونس مجرد عنوان سياسي أو شعار ترفعه السلطات في مواجهة خصومها، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بسؤال أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى ملايين التونسيين: لماذا لا تظهر جهود الدولة لإصلاح الاقتصاد بقدر كاف على حياتهم اليومية؟

هذا السؤال يزداد أهمية في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع كلفة المعيشة، والصعوبات التي تواجهها الدولة في تمويل الإنفاق العام والاستجابة للطلبات الاجتماعية المتزايدة.

وفي هذا السياق، أعاد الرئيس التونسي قيس سعيّد وضع تفكيك ما وصفها بـ«شبكات الفساد» في مقدمة شروط تحسين أوضاع المواطنين، مؤكداً أن «المقدمة الطبيعية الأولى لتحقيق مطالب الشعب التونسي في كل الجهات هي تفكيك شبكات الفساد»، من دون تحديد الجهات أو الشبكات التي يقصدها. وجاء ذلك خلال اجتماع في قصر قرطاج مع عدد من الوزراء، الأربعاء، وفق بيان للرئاسة.

ويعكس هذا الطرح انتقال المعركة، في خطاب السلطة، من مجرد معالجة نتائج الأزمة الاقتصادية إلى محاولة استهداف ما تعتبره أسباباً بنيوية تقف وراءها شبكات مصالح قادرة على تعطيل الإصلاحات والتأثير في الأسواق والإدارة والقطاعات الحيوية.

وتدخل تونس هذه المعركة في وقت لا تملك فيه الدولة رفاهية تأجيل الإصلاحات.

◄ كلما زادت قدرة الدولة على معرفة حركة السلع ومراقبة المخزون وتتبع الأسعار، تقلصت قدرة المضاربين على استغلال النقص المصطنع أو التحكم في السوق

فالمالية العمومية تواجه ضغوطاً كبيرة، فيما تحتاج الحكومة في الوقت نفسه إلى الحفاظ على الدعم والخدمات الاجتماعية وتمويل قطاعات أساسية مثل الصحة والنقل والتعليم، وهو ما يجعل ضبط الإنفاق وترشيد استخدام الموارد أولوية متزايدة.

لكن التقشف وحده لا يمكن أن يكون حلاً.

فخفض النفقات العامة قد يساعد الدولة على السيطرة على العجز، لكنه لن يحسن بالضرورة القدرة الشرائية للمواطن إذا بقيت أسعار السلع والخدمات مرتفعة، وإذا استمرت اختلالات السوق التي تسمح لبعض حلقات التوزيع والوساطة بتحقيق أرباح كبيرة على حساب المنتج والمستهلك.

وهنا تبرز أهمية معركة أخرى لا تقل حساسية عن ضبط الميزانية: تفكيك شبكات النفوذ التي تتحكم في مسالك الإنتاج والتوزيع والتجارة.

وأحد أخطر أوجه الفساد الاقتصادي أنه لا يظهر دائماً في صورة صفقة عمومية مشبوهة أو اختلاس مباشر للمال العام.

قد يظهر في صورة أكثر تعقيداً: سلعة تختفي من السوق، أو ترتفع أسعارها بصورة غير مبررة، أو تتحكم مجموعة محدودة من الوسطاء في توزيعها، أو يستفيد محتكرون من ضعف الرقابة والمعلومات.

وفي هذه الحالة يدفع المواطن الثمن مباشرة، ولا يظهر أمامه تأثير الجهود الحكومية الكبيرة على أرض الواقع.

فكل حلقة غير قانونية أو غير شفافة في سلسلة التوريد يمكن أن تنعكس على السعر النهائي، بينما تجد الدولة نفسها مطالبة بالتدخل لضمان توفر السلع وكبح الأسعار، من دون أن تكون قادرة دائماً على معالجة جذور المشكلة.

ولهذا فإن مكافحة الاحتكار ليست فقط مسألة تجارية؛ إنها سياسة اجتماعية أيضاً.

فحين ترتفع أسعار الغذاء أو الأدوية أو مواد أساسية، فإن العبء لا يتوزع بالتساوي على المجتمع، بل يقع بصورة أكبر على الطبقات محدودة ومتوسطة الدخل.

والمشكلة الأكثر تعقيداً أن أي إصلاح اقتصادي يغير قواعد توزيع الأرباح سيصطدم بالضرورة بمصالح مستفيدين من الوضع القائم.

فإصلاح مسالك التوزيع يعني التأثير في مصالح وسطاء، وتشديد الرقابة على التجارة يعني تضييق المجال أمام بعض المحتكرين، وتحسين إدارة المؤسسات العمومية يعني مواجهة شبكات تستفيد من ضعف الحوكمة، بينما يؤدي تعزيز الشفافية في الصفقات والشراء العمومي إلى تقليص هوامش المناورة أمام المستفيدين من الثغرات الإدارية.

ولهذا فإن الإصلاح الاقتصادي في تونس ليس معركة أرقام فقط. إنه أيضاً معركة مصالح.

◄ سعيّد يضع تفكيك شبكات الفساد في مقدمة تحقيق مطالب التونسيين.. ومعركة الأسعار والاحتكار تكشف كلفة نفوذ المصالح على الاقتصاد وحياة المواطنين

وهذه النقطة تفسر جزئياً لماذا يمكن أن تبدو بعض الإصلاحات منطقية على الورق، لكنها تواجه صعوبات كبيرة عند التطبيق.

الدولة تحتاج إلى تقليص الهدر، وفي الوقت نفسه زيادة كفاءة الإنفاق، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج والخدمات الأساسية. وهذا يتطلب إصلاحاً في الإدارة والمؤسسات، وليس مجرد تقليص أرقام في الميزانية.

ومن هنا تأتي أهمية ربط سعيّد بين تحقيق مطالب المواطنين وتفكيك شبكات الفساد.

فالمنطق الذي تطرحه الرئاسة هو أن الأموال والموارد موجودة، لكن جزءاً منها يتسرب عبر شبكات مصالح أو يضيع بسبب ضعف الحوكمة، وبالتالي فإن استعادة الموارد لا تتطلب دائماً زيادة الضرائب أو الاقتراض، وإنما إغلاق منافذ الهدر والفساد والاحتكار.

وستكون القطاعات الحيوية الاختبار الحقيقي لهذه السياسة. فإذا أرادت الحكومة خفض الأسعار، فلن يكفي أن تراقب المتاجر والأسواق في نهاية سلسلة التوزيع. عليها أن تنظر إلى كامل المسار: من المنتج إلى المخزّن، ومن النقل إلى التوزيع، وصولاً إلى المستهلك.

وكلما زادت قدرة الدولة على معرفة حركة السلع ومراقبة المخزون وتتبع الأسعار، تقلصت قدرة المضاربين على استغلال النقص المصطنع أو التحكم في السوق.

لكن ذلك يتطلب أيضاً رقمنة الإدارة، وتحسين أنظمة المراقبة، وتبادل المعلومات بين الوزارات والأجهزة الرقابية، وتطبيق القانون بصورة متساوية.

فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود قوانين ضد الاحتكار والفساد، وإنما في قدرة الدولة على إنفاذها.

يضع خطاب الرئيس التونسي السلطة أمام اختبار صعب. فالمواطن لا يريد فقط سماع الحديث عن شبكات الفساد، وإنما يريد أن يرى نتائج ملموسة: أسعاراً أكثر استقراراً، سلعاً متوفرة، خدمات عامة أفضل، وفرص عمل أكثر، وقدرة شرائية لا تتآكل بصورة مستمرة.

ولهذا فإن نجاح معركة مكافحة الفساد سيقاس في النهاية بما يحدث في الأسواق والمنازل، وليس بعدد القضايا المرفوعة ضد المحتكرين أو التصريحات السياسية.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإنفاق والتقشف فقط، وإنما بين اقتصاد شفاف وتنافسي واقتصاد تتحكم فيه شبكات نفوذ قادرة على حماية امتيازاتها.

ويبدو أن سعيّد يريد تقديم مكافحة الفساد باعتبارها المدخل إلى استعادة قدرة الدولة على الفعل.

لكن نجاح هذا الخيار يتطلب أكثر من الخطاب السياسي. يحتاج إلى مؤسسات رقابية قوية، وقضاء فعال، وشفافية في الصفقات، ومنافسة حقيقية، وتطبيق متساوٍ للقانون، وإصلاح لمسالك التوزيع، وإزالة الامتيازات غير المبررة.

وفي النهاية، فإن المعيار الأكثر صدقاً لنجاح معركة تونس ضد الفساد لن يكون عدد الشبكات التي تعلن الدولة تفكيكها، وإنما عدد المشكلات التي تختفي من حياة المواطن.

1