تمدد إسرائيل بالضفة وسوريا يهدد أمن الأردن

الملك عبدالله الثاني يربط التوسع الاستيطاني والتوغلات الإسرائيلية جنوب سوريا بأمن الأردن وحدوده ومياهه.
الأربعاء 2026/09/23
تحذيرات أردنية صارمة من السياسات الإسرائيلية

نيويورك – رفع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سقف التحذير من السياسات الإسرائيلية، واضعاً الضفة الغربية وجنوب سوريا ضمن مشهد إقليمي واحد.

وقال إن الحكومة الإسرائيلية تتبنى «أطماعاً توسعية» باتت تمثل تهديداً إقليمياً، محذراً من التوغلات الإسرائيلية المتكررة في سوريا ومن فرض «حقائق جديدة» على الأرض، بما في ذلك حول مصادر مياه حيوية. وربط الملك ذلك مباشرة بالأمن الوطني الأردني، مؤكداً أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي يمثل تهديداً لأمن المملكة.

ويكتسب الخطاب أهميته من أن عمان لم تتعامل مع الضفة الغربية وسوريا باعتبارهما ملفين منفصلين. فالملك تحدث عن تشديد إسرائيل قبضتها على الضفة عبر الاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات وتهجير الفلسطينيين، ثم انتقل إلى سوريا ليحذر من التوغلات والتوسع الجغرافي وفرض الوقائع الميدانية. ويعكس هذا الربط مخاوف أردنية من أن تؤدي التطورات على جانبي الحدود إلى تغيير طويل الأمد في البيئة الأمنية المحيطة بالمملكة.

وفي الضفة الغربية، تتزامن تحذيرات الملك مع استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي. ففي 17 سبتمبر، أفادت «رويترز» بأن إسرائيل أضافت مناقصة لبناء 2167 وحدة سكنية ضمن مخطط «E1»، لترفع العدد الإجمالي إلى 3401 وحدة. ونقلت الوكالة عن منظمة «عير عميم» الحقوقية أن المشروع قد يؤدي إلى فصل القدس الشرقية عن أجزاء من الضفة وتهديد التواصل الجغرافي اللازم لقيام دولة فلسطينية، فيما أيد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الخطة وقال إنها ستمنع قيام دولة فلسطينية.

وهذا هو السياق الذي يجعل التحذير الأردني من الضفة يتجاوز الاعتراض السياسي على الاستيطان. فالأردن يرى في استمرار تغيير الوقائع على الأرض مساساً بآفاق حل الدولتين، لكنه معني أيضاً بالتداعيات المباشرة لأي تحول جغرافي أو سكاني واسع في الضفة. ولذلك ركز خطاب الملك على الفرق بين ما تصفه السلطات الإسرائيلية بأنه إجراءات أمنية أو تنظيمية وبين ما يراه الأردن تغييراً دائماً لواقع الأراضي المحتلة.

أما سوريا، فتبدو في الرؤية الأردنية جزءاً من المشكلة الأمنية الصاعدة. وقال عبدالله الثاني إن سوريا أصبحت «الإنذار الذي يختار المجتمع الدولي ألا يراه»، مشيراً إلى توغلات إسرائيلية متكررة وتوسع جغرافي وفرض وقائع جديدة، بينها ما يمس مصادر مياه حيوية. ويأتي هذا التحذير بعد سلسلة مواقف أردنية انتقدت التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا، بينها إدانة عمان دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى منطقة جبل الشيخ في سبتمبر واعتباره انتهاكاً لسيادة سوريا وللاتفاق الخاص بفصل القوات لعام 1974.

وتتجاوز المسألة في هذا السياق البعد الجغرافي، لأن جنوب سوريا يقع على مقربة من الحدود الأردنية، فيما تمثل موارد المياه قضية حساسة بالنسبة إلى عمان. وفي أبريل الماضي، أكدت دمشق استعدادها لتسوية ملفات تقاسم المياه مع الأردن، خصوصاً في حوض اليرموك، بينما تواصلت أعمال اللجنة المائية المشتركة بين البلدين لمعالجة قضايا الآبار والموارد المشتركة. وبالتالي، فإن أي تغييرات ميدانية حول الموارد أو مناطق السيطرة في الجنوب السوري تكتسب بالنسبة إلى الأردن بعداً يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

ما يحدث في الضفة يؤثر في مستقبل الدولة الفلسطينية، وما يحدث في جنوب سوريا يمكن أن يعيد تشكيل البيئة الأمنية والمائية حول الأردن

وتتقاطع هذه المخاوف مع ما خلصت إليه لجنة تحقيق أممية في سبتمبر بشأن الوضع في جنوب سوريا. فقد قالت اللجنة إن بعض العمليات الإسرائيلية، بما فيها التوغلات البرية والمداهمات وإنشاء بنية عسكرية، قد ترقى إلى جرائم حرب، ووصفت الوضع بأنه «احتلال عدائي»، فيما رفضت إسرائيل هذه الاتهامات وقالت إن تحركاتها تستهدف حماية مواطنيها في ظل الاضطراب السوري، ونفت وجود طموحات إقليمية لديها.

ومن هنا، يبدو أن الرسالة الأردنية في نيويورك تنطلق من قراءة أمنية متكاملة: ما يحدث في الضفة يؤثر في مستقبل الدولة الفلسطينية، وما يحدث في جنوب سوريا يمكن أن يعيد تشكيل البيئة الأمنية والمائية حول الأردن. وبين الملفين، تريد عمان الحفاظ على حدودها الشمالية ومصادرها المائية ومنع تحول الإجراءات الميدانية المؤقتة إلى ترتيبات دائمة.

لكن الأردن لا يطرح نفسه في الخطاب الأممي باعتباره طرفاً في مواجهة عسكرية مباشرة، بل كدولة تتأثر بتغير موازين المنطقة. وهذا يفسر إصرار الملك على أن المجتمع الدولي لا ينبغي أن يكتفي بمتابعة الوقائع وهي تتشكل، بل يجب أن يتدخل قبل أن تتحول إلى أمر واقع يصعب تغييره. وفي حديثه عن سوريا، سأل بوضوح عما إذا كان العالم سيقف متفرجاً إذا استمرت إسرائيل في نهجها جنوب البلاد.

وتزداد حساسية الموقف الأردني في ظل بيئة إقليمية مضطربة أصلاً بسبب الحرب مع إيران وتداعياتها على دول الجوار، فيما تستمر الحرب في اليمن ويظل أمن الممرات التجارية والطاقة موضع تهديد. وفي هذه البيئة، يصبح استقرار الحدود الشمالية للأردن وهدوء الجبهة السورية عناصر إضافية في شبكة أمن إقليمي أكثر هشاشة.

وتحاول عمان، في الوقت نفسه، بناء هامش حماية اقتصادي ومائي لمواجهة الضغوط. فقد أعلنت الحكومة في يوليو أنها أعدت خططاً بديلة لتأمين إمدادات المياه، تشمل تطوير الآبار والمصادر غير التقليدية وتسريع مشروع الناقل الوطني، الذي تستهدف مرحلته الرئيسية توفير نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً.

وبذلك يمكن قراءة خطاب الملك عبدالله الثاني باعتباره تحذيراً من تغير تدريجي في الجغرافيا السياسية المحيطة بالأردن. فالضفة، في الرؤية الأردنية، تواجه خطر تحول الاستيطان والضم الفعلي إلى واقع دائم، فيما تشهد سوريا الجنوبية توغلات وتغييرات ميدانية تقول عمان إنها تمس أمنها وحدودها ومياهها.

لكن الرسالة الأردنية تواجه سؤالاً عملياً: ما الذي يمكن أن يفعله المجتمع الدولي إذا استمرت هذه الوقائع رغم التحذيرات؟ فنجاح الموقف الأردني لن يقاس فقط بمدى حضور التحذير في الخطابات الدولية، وإنما بقدرته على تحويله إلى ضغط دبلوماسي وقانوني يمنع ترسيخ وقائع جديدة في الضفة وسوريا.

وفي النهاية، يضع الأردن ثلاث قضايا في إطار واحد: الدولة الفلسطينية، سيادة سوريا، وأمن المملكة المائي والحدودي. ومن هذه الزاوية، لم يعد تحذير عمان من التمدد الإسرائيلي مجرد موقف تجاه الصراع الفلسطيني، بل محاولة لشرح كيف يمكن لتغيرات الضفة وجنوب سوريا أن تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية التي يعيش فيها الأردن.

1