تقاطع المسارات الدولية يعيد إحياء آمال التسوية في ليبيا

نجاح التسوية الليبية يبقى رهنا بقدرة الداخل على استثمار الزخم الدولي.
الاثنين 2026/07/13
فرصة جديدة

التوازي بين المسار الأممي الهادف إلى استكمال الإطار القانوني للانتخابات، والتحرك الأميركي الرامي إلى بناء تفاهمات بين مراكز القوة في الشرق والغرب، يعكس انتقال المقاربة الدولية في ليبيا من التركيز على تنظيم الانتخابات بوصفها غاية بحد ذاتها، إلى اعتبارها محطة نهائية في مسار أوسع لتوحيد المؤسسات وإعادة بناء التوازن السياسي.

طرابلس- تعود ليبيا مجددا إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تلاقي مسارين سياسيين يتحركان بوتيرة متسارعة؛ الأول ترعاه الأمم المتحدة لإغلاق فجوة الخلاف حول القاعدة الانتخابية، والثاني تقوده الولايات المتحدة لتقريب مراكز النفوذ في شرق البلاد وغربها، في مؤشر على أن القوى الدولية باتت تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة قد يصعب تعويضها لإنهاء سنوات من الانقسام الذي طال المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية.

ولا يبدو تزامن التحركين مجرد مصادفة دبلوماسية، بل يعكس تحولا في طريقة قراءة العواصم المؤثرة للأزمة الليبية. فبعد سنوات من المبادرات التي تعثرت عند أول اختبار سياسي، تبلورت قناعة بأن تنظيم الانتخابات لا يمكن أن يسبق بناء الحد الأدنى من التوافق بين القوى المتنافسة، لأن أي استحقاق انتخابي يجري في ظل الانقسام القائم قد يتحول إلى شرارة أزمة جديدة بدلا من أن يكون بداية لإنهاء المرحلة الانتقالية.

وفي هذا السياق، تستعد لجنة الحوار المصغر “4+4” لعقد اجتماعها الختامي الثلاثاء لاعتماد الصيغة النهائية لاتفاق انتخابي جديد، بعد أشهر من الاجتماعات التي استضافتها روما وتونس برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

مع اقتراب لجنة "4+4" من اعتماد اتفاقها النهائي، واستمرار الحراك الأميركي على أكثر من مستوى، تبدو ليبيا أمام نافذة سياسية جديدة قد تكون الأكثر جدية منذ سنوات

وأكد عضو اللجنة عبدالجليل الشاوش أن اللجنة أنجزت الصيغة النهائية للاتفاق بعد معالجة الإشكالات التي عطلت القوانين الانتخابية السابقة، موضحا أن عملها اقتصر على المسار الانتخابي ووضع جدول زمني للاستحقاق، دون التطرق إلى تشكيل حكومة جديدة أو معالجة الملفات الأمنية والعسكرية.

ويؤكد هذا المسار تمسك الأمم المتحدة بمقاربة تقوم على استكمال البنية القانونية والتنظيمية للانتخابات باعتبارها المدخل الدستوري لإنهاء المرحلة الانتقالية. غير أن البعثة الأممية تدرك في الوقت نفسه أن النصوص القانونية وحدها لن تكون كافية إذا بقيت المؤسسات منقسمة، واستمرت موازين القوة العسكرية خارج إطار الدولة.

في المقابل، تتحرك واشنطن على مسار موازٍ يبدو أكثر تركيزا على معالجة البيئة السياسية التي ستسبق الانتخابات. فقد كثف مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس لقاءاته مع أبرز مراكز القرار في ليبيا، شملت رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، إلى جانب شخصيات سياسية واجتماعية من مدينة مصراتة.

وتوحي هذه اللقاءات بأن الإدارة الأميركية تجاوزت مرحلة استطلاع المواقف إلى محاولة بلورة تفاهمات بين القوى الأكثر تأثيرا، انطلاقا من قناعة بأن توحيد المؤسسات لا ينبغي أن يكون نتيجة للانتخابات، بل أحد الشروط الأساسية لضمان نجاحها وقبول نتائجها.

ويكتسب هذا التحرك أهمية إضافية لأنه يأتي امتدادا لمسار بدأته واشنطن منذ أواخر عام 2025، ونجح في تحقيق اختراقات محدودة لكنها ذات دلالة، من أبرزها إقرار أول موازنة موحدة منذ سنوات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية، فضلا عن الدفع نحو تعاون عسكري محدود بين وحدات من شرق البلاد وغربها، في محاولة لبناء الثقة تدريجيا بين الخصوم.

ويعكس هذا النهج تغيرا في الأولويات الأميركية. فبعدما كان الاهتمام ينصب على مكافحة الإرهاب وتأمين المنشآت النفطية، باتت ليبيا تكتسب أهمية أكبر ضمن المنافسة الجيوسياسية في شمال أفريقيا، سواء من زاوية الحد من النفوذ الروسي المتنامي، أو حماية المصالح الغربية في قطاع الطاقة، أو ضمان استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط في ظل تصاعد الهجرة غير النظامية.

ورغم الزخم الذي اكتسبته المبادرة الأميركية، فإنها لا تزال تفتقر إلى تصور معلن بشأن شكل المرحلة الانتقالية المقبلة أو الضمانات الكفيلة بتنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها. ولذلك تتزايد التكهنات بشأن طبيعة التسوية التي يجري بحثها خلف الأبواب المغلقة.

وتحدثت تقارير عن تصورات غير معلنة تتعلق بالإبقاء على عبدالحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، مقابل منح صدام حفتر موقعا قياديا في المجلس الرئاسي، وهي أفكار لم تعتمد رسميا، لكنها تعكس طبيعة النقاشات الجارية حول إعادة توزيع السلطة بما يحقق توازنا بين مراكز النفوذ الرئيسية، ويمنع انهيار أي اتفاق محتمل منذ مراحله الأولى.

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي جليل حرشاوي أن كثافة الاتصالات الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة قد تكون مؤشرا على اقتراب الإعلان عن تفاهمات أكثر وضوحا، حتى وإن بقيت بعض تفاصيلها النهائية محل تفاوض بين الأطراف المحلية والدولية.

وفي الاتجاه نفسه، رأى مرصد البحر المتوسط الإيطالي “أوسميد” أن واشنطن تتبنى مقاربة تقوم على إشراك جميع مراكز القوة في الشرق والغرب، انطلاقا من إدراكها أن أي تسوية تستبعد طرفا رئيسيا ستكون عرضة للانهيار بمجرد تغير موازين القوى على الأرض.

وأشار المرصد إلى أن المبادرة الأميركية حققت بعض النتائج العملية، مثل استمرار التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية وتنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة بين قوات من شرق ليبيا وغربها، لكنه اعتبر أن هذه الخطوات لا تزال تدخل في إطار إجراءات بناء الثقة، ولم ترتق بعد إلى مستوى اتفاق سياسي شامل يعالج أسباب الانقسام.

وفي المقابل، تبقى العقبات الداخلية هي التحدي الأكبر أمام أي تسوية. فبعض القوى السياسية والعسكرية في غرب ليبيا ترفض منح عائلة حفتر دورا محوريا في ترتيبات السلطة المقبلة، بينما تخشى أطراف أخرى أن تتحول التسوية إلى مجرد إعادة توزيع للمناصب بين النخب التقليدية، من دون إحداث إصلاحات حقيقية في بنية الدولة أو معالجة ملف احتكار السلاح وتوحيد المؤسسة العسكرية.

القوى الدولية باتت تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة قد يصعب تعويضها لإنهاء سنوات من الانقسام المؤسسي

كما أن التجارب السابقة جعلت قطاعا واسعا من الليبيين أكثر تشككا في المبادرات الدولية، بعدما انتهت معظم الاتفاقات السابقة إلى إنتاج ترتيبات مؤقتة سرعان ما انهارت بسبب غياب آليات التنفيذ، أو تضارب مصالح القوى الخارجية، أو رفض الأطراف المحلية تقديم تنازلات تمس مناطق نفوذها.

ولهذا يبدو أن المجتمع الدولي يحاول هذه المرة تفادي أخطاء الماضي عبر توزيع الأدوار بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، بحيث تتولى الأولى استكمال الإطار القانوني للعملية الانتخابية، بينما تعمل الثانية على تهيئة البيئة السياسية والمؤسسية والأمنية اللازمة لإنجاح هذا الإطار، وهو تقسيم للأدوار يعكس إدراكا بأن الأزمة الليبية لم تعد قانونية فقط، وإنما أزمة ثقة وتوازنات وسلطة.

ومع اقتراب لجنة “4+4” من اعتماد اتفاقها النهائي، واستمرار الحراك الأميركي على أكثر من مستوى، تبدو ليبيا أمام نافذة سياسية جديدة قد تكون الأكثر جدية منذ سنوات. غير أن هذه الفرصة ستظل مرتبطة بمدى استعداد القوى الليبية لتغليب منطق الدولة على حساب الحسابات الفئوية، وبقدرة الأطراف الدولية على الانتقال من إدارة توازنات الأزمة إلى رعاية تسوية مستدامة تعيد توحيد المؤسسات، وتفتح الطريق أمام انتخابات تمثل بداية للاستقرار، لا محطة جديدة في مسلسل الانقسام.

2