تعز تحاول وقف اندفاعة الحوثيين عبر المرتفعات
عدن – في الوقت الذي يوسع فيه الحوثيون مكاسبهم على الساحل الغربي لليمن، تحاول القوات الحكومية إعادة تثبيت خطوط المواجهة في المرتفعات الجنوبية لمحافظة تعز. وأعلنت القوات الحكومية، الثلاثاء، السيطرة على جبل قرفان الاستراتيجي في منطقة جرداد بمديرية الشمايتين، بعد مواجهات مع الحوثيين، في خطوة تعكس انتقال المعركة إلى المواقع الجبلية التي توفر أهمية كبيرة للمراقبة والسيطرة بالنيران.
وبحسب أركان حرب محور تعز اللواء عبدالعزيز المجيدي، أحكمت القوات الحكومية، بدعم من المقاومة الشعبية في بني عمر، السيطرة على جبل قرفان بعد معارك مع الحوثيين الذين كانوا يتمركزون فيه. وقال إن المواجهات أسفرت، وفق الرواية الحكومية، عن مقتل أكثر من خمسة من عناصر الجماعة وإصابة نحو 20 آخرين، بينما واصل الحوثيون قصف مواقع القوات بقذائف الهاون. ولم يصدر عن الجماعة تعليق فوري على التطور.
وتنبع أهمية جبل قرفان من موقعه ضمن السلسلة الجبلية في جبهة جرداد–بني عمر، بين مديريتي الشمايتين والوازعية، بما يمنح القوة المسيطرة عليه قدرة أفضل على مراقبة المناطق المحيطة واستخدام الموقع في توجيه النيران. لكن قيمة الموقع تتجاوز حدوده الجغرافية المباشرة، لأنه يأتي ضمن سلسلة مرتفعات أصبحت أكثر أهمية مع اتساع المواجهات في غرب تعز ولحج واقتراب المعارك من نطاق باب المندب.
ويأتي التطور في لحظة عسكرية مختلفة عن تلك التي كانت عليها الجبهة قبل أسابيع. فمنذ بداية سبتمبر وسع الحوثيون نطاق سيطرتهم على الساحل الغربي، واستولوا على مدينة المخا ومناطق وجزر استراتيجية في محيط باب المندب، بينها ميون وذباب، وفق تقارير ميدانية. وأدى ذلك إلى انتقال مركز الثقل من خطوط تماس تقليدية إلى ساحل البحر الأحمر والممرات المؤدية إلى المضيق.
وبعد التقدم الساحلي، بدأ الحوثيون الدفع نحو المرتفعات التي يمكن أن تؤمن عمقاً إضافياً لمواقعهم الجديدة. وتقول تحليلات عسكرية إن الجماعة تحاول التقدم عبر التضاريس الجبلية في جنوب غرب اليمن للوصول إلى مواقع استراتيجية تفصل القوات الحكومية المدعومة من السعودية عن الساحل، فيما أصبحت جبال كهبوب الواقعة بين تعز ولحج إحدى أبرز ساحات القتال.
ولهذا تبدو معركة جبل قرفان جزءاً من صراع أوسع على «الجغرافيا المرتفعة» لا مجرد معركة محلية محدودة. فبعد أن حقق الحوثيون تقدماً على السهل الساحلي، يصبح تثبيت المرتفعات مهماً لكل طرف: الجماعة تريد حماية مكاسبها الساحلية وتأمين طرق الاقتراب من باب المندب، بينما تسعى القوات الحكومية إلى إبقاء خطوط دفاع تفصل الساحل عن المناطق الداخلية وتحول دون اتساع نطاق التمدد الحوثي.
القوات الحكومية تسيطر على جبل قرفان في جرداد بعد معارك مع الحوثيين، في محاولة لتثبيت المرتفعات ومنع انتقال الضغط من الساحل الغربي إلى الداخل
وتحمل محافظة تعز تحديداً أهمية استثنائية بسبب موقعها بين الساحل والمرتفعات وبسبب تاريخ خطوط التماس الطويلة فيها. وخلال سبتمبر، أعلنت القوات الحكومية في أكثر من مناسبة استعادة مواقع في غرب تعز والتقدم في بعض الجبهات، بينما كثف الحوثيون عملياتهم على محاور أخرى. وفي 6 سبتمبر أعلنت القوات الحكومية استعادة مديرية حيس في جنوب الحديدة، وهي منطقة تربط بين محافظات الحديدة وتعز وإب، بما يعكس تعدد نقاط الاحتكاك على الجبهة الغربية.
لكن السيطرة على جبل قرفان لا تعني أن القوات الحكومية أوقفت الاندفاعة الحوثية على نطاق واسع. فالزخم الذي اكتسبته الجماعة خلال الأسابيع الأخيرة على الساحل ما زال قائماً، كما أن المعارك في كهبوب ومناطق أخرى قريبة من باب المندب تستنزف القوات الحكومية وحلفاءها. وتظهر التقارير أن الحوثيين يحاولون الاستفادة من التضاريس الجبلية للتحرك بعيداً عن مدى الضربات في المناطق المفتوحة، وهو ما يعقد مهمة القوات المدعومة من السعودية.
إلا أن الاحتفاظ بالمواقع المرتفعة يمكن أن يمنح القوات الحكومية فرصة لإبطاء هذا المسار. فالمعادلة العسكرية في هذه المنطقة لا تقوم فقط على السيطرة على المدن، بل على السيطرة على القمم والممرات التي تتحكم في الحركة بين الساحل والداخل. ولذلك فإن جبل قرفان، حتى وإن كان موقعاً واحداً، قد يكون جزءاً من محاولة أوسع لإعادة بناء خط دفاع متماسك حول تعز والوازعية والممرات المؤدية إلى باب المندب.
وتكتسب المعركة بعداً إقليمياً إضافياً مع اتساع القلق بشأن أمن الملاحة. فقد حذرت دول المنطقة من أن استمرار القتال قرب باب المندب يهدد واحداً من أهم الممرات البحرية العالمية، فيما شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في اتصال الثلاثاء على أهمية ضمان المرور الآمن وغير المعاق عبر باب المندب وهرمز، ودعوا إلى وقف القتال والعودة إلى المسار السياسي.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الأمم المتحدة أن التصعيد الأخير دفع أكثر من 130 ألف شخص إلى النزوح داخل اليمن خلال سبتمبر وحده، مع توقع نزوح عشرات الآلاف إضافيين خلال الأشهر المقبلة إذا استمر القتال. وتوضح هذه الأرقام أن إعادة رسم خطوط السيطرة لا تجري في فراغ عسكري، بل في بيئة إنسانية شديدة الهشاشة.
ومن هنا تبدو السيطرة على جبل قرفان أقرب إلى محاولة لوقف تمدد الزخم الحوثي من الساحل إلى الجبل منها إلى تحول عسكري حاسم. فالقوات الحكومية تحتاج إلى تثبيت ما يمكن تثبيته في المرتفعات لمنع الحوثيين من تحويل مكاسبهم الساحلية إلى منظومة سيطرة متصلة، بينما تسعى الجماعة إلى استثمار مواقعها الجديدة قرب باب المندب لتغيير ميزان القوة في غرب اليمن.
ويبقى الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة في قدرة القوات الحكومية على الاحتفاظ بالمواقع التي تستعيدها وربطها بخط دفاع متصل، لا مجرد تسجيل انتصارات موضعية. فإذا نجحت في ذلك، يمكن للمرتفعات أن تصبح حاجزاً أمام التمدد الحوثي من الساحل. أما إذا بقيت خطوط الجبهة متفرقة، فقد تظل السيطرة على جبل قرفان مكسباً تكتيكياً محدود الأثر أمام إعادة انتشار أوسع للجماعة في محيط باب المندب.