تصريحات وزير تهز شرعية حكومة الدبيبة
طرابلس – لم يكن وصف وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، وليد اللافي، حكومته بأنها جزء من «سلطة أمر واقع» مجرد توصيف عابر للمشهد السياسي المنقسم في البلاد، بل تحول سريعاً إلى شرارة أعادت إشعال واحدة من أكثر القضايا حساسية في الأزمة الليبية: من يملك الشرعية للاستمرار في السلطة بعد سنوات من تعثر المرحلة الانتقالية؟
وجاء رد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي سريعاً وحاداً، إذ طالب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بتحديد موقفه الرسمي من تصريحات وزير في حكومته، محذراً من أن المسألة تتجاوز حدود الرأي الشخصي.
فالمنفي لم يناقش مجرد مصطلح استخدمه وزير في مقابلة تلفزيونية، بل حاول وضع التصريح في قلب المعركة السياسية الدائرة حول مستقبل السلطة في ليبيا.
وقال إن الاعتراف بتحول الحكومة إلى «سلطة أمر واقع» يثير تساؤلات حول الأساس الذي تستند إليه في ممارسة صلاحياتها، مؤكداً أن الشرعية لا يمكن أن يصنعها الأمر الواقع.
المنفي يطالب الدبيبة بتحديد موقفه بعد تصريحات وزير في حكومته أعادت طرح سؤال: من يملك حق البقاء في السلطة؟
وتكشف هذه السجالات عن المأزق الأساسي الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات: مؤسسات أنشئت باعتبارها أدوات مؤقتة للعبور إلى الانتخابات، لكنها تحولت، بفعل استمرار الانقسام وتعثر الاستحقاقات السياسية، إلى مؤسسات تسعى إلى إدارة واقع مفتوح بلا أفق زمني واضح.
فحكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي ولدا من رحم ملتقى الحوار السياسي الليبي عام 2021، ضمن خريطة طريق كان يفترض أن تقود إلى انتخابات عامة تنهي المرحلة الانتقالية.
لكن الانتخابات لم تُجرَ، وانتهى الإطار الزمني الأصلي، فيما بقيت المؤسسات نفسها تمارس السلطة.
ومن هنا تبدو عبارة «سلطة أمر واقع» أكثر من مجرد توصيف سياسي؛ فهي تعكس، من دون مواربة، حقيقة الوضع الذي آلت إليه البلاد.
ففي شرق ليبيا توجد سلطة تنفيذية منافسة لحكومة طرابلس، بينما تفرض حكومة الوحدة الوطنية نفوذها على الجزء الأكبر من غرب البلاد. وبين السلطتين، بقيت الشرعية السياسية معلقة بين اتفاقات سابقة وخطط أممية واستحقاقات انتخابية مؤجلة.
تكمن حساسية تصريحات اللافي في أنها لم تصدر عن خصم سياسي لحكومة الدبيبة، بل عن وزير فيها.
فاللافي قال إن ليبيا تضم «سلطة أمر واقع في الشرق والغرب»، وأكد، رداً على سؤال بشأن حكومة الوحدة الوطنية، أن هذا الوصف قائم، معتبراً أن الحكومة استطاعت بناء تحالفات وتمثيل ما وصفه برأي الغالبية في المنطقة الغربية.
وهنا وجد المنفي فرصة لفتح ملف شرعية الحكومة من باب لم يكن متوقعاً.
فالمشكلة، من وجهة نظره، لا تتعلق فقط باعتراف وزير بوجود واقع سياسي مفروض، بل باحتمال أن يكون هذا الوصف تعبيراً عن تحول أعمق: من حكومة جاءت بتفويض سياسي محدد إلى سلطة تستمد استمرارها من قدرتها على البقاء وإدارة مناطق نفوذها.
ولهذا طالب الدبيبة بتوضيح موقفه الرسمي، في محاولة لوضع الحكومة أمام سؤال لا يمكن تجاوزه بسهولة: هل ما قاله اللافي رأي شخصي، أم توصيف يعكس رؤية الحكومة نفسها لموقعها السياسي؟
لكن السجال يحمل أيضاً بعداً يتعلق بموقع المجلس الرئاسي نفسه.
فعندما يتحدث المنفي عن إبقاء «جميع الخيارات الوطنية والمؤسسية مفتوحة»، فإنه لا يوجه رسالة إلى الدبيبة وحده، بل يعيد التأكيد على أن المجلس الرئاسي لا يريد أن يبقى مجرد مؤسسة تقف على هامش الصراع بين الحكومتين.
ويبدو أن المنفي يسعى إلى استثمار الجدل حول الشرعية لتذكير القوى الليبية بأن الأزمة لا يمكن اختزالها في صراع بين حكومة طرابلس والسلطات القائمة في الشرق.
فالمجلس الرئاسي، الذي جاء هو الآخر ضمن خريطة الطريق ذاتها، يجد نفسه أمام تحدي إعادة تعريف دوره في مرحلة تتآكل فيها شرعية جميع المؤسسات الانتقالية.
المفارقة أن الصراع حول الشرعية في ليبيا يجري بين مؤسسات تعاني جميعها، بدرجات مختلفة، من أزمة تفويض.
فحكومة الدبيبة تواجه اعتراضات على استمرارها بعد تعثر الانتخابات، فيما ترفض طرابلس شرعية الحكومة المكلفة من مجلس النواب في الشرق. أما مجلس النواب نفسه، فيواجه انتقادات تتعلق بطول أمد بقائه وتأخر إنجاز الاستحقاق الانتخابي.
وهكذا تتحول الشرعية في ليبيا إلى سلاح سياسي يستخدمه كل طرف ضد الآخر، بينما يصعب على أي طرف الادعاء بأنه يملك تفويضاً شعبياً حديثاً وحاسماً.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد من يملك الشرعية الكاملة، بل من يملك القدرة على الاستمرار؟