تسعيرة جديدة للكهرباء الغائبة تفاقم معاناة السوريين
دمشق - تلقى معظم السوريون صدمة بعد قرار زيادة أسعار الكهرباء في بلد يعيش معظم مناطقه على وقع العتمة اليومية، وبالكاد يحصل الناس على بضع ساعات من الإنارة، بسبب تداعيات الحرب التي اندلعت في عام 2011.
وبينما تغيب الخدمة عن المنازل والمصانع والمؤسسات، تحضر الفواتير المرتفعة لتعمّق شعور السوريين بالعجز واللاعدالة، في مشهد يعكس اختلالًا صارخًا بين واقع البنية التحتية وقرارات الجباية الحكومية.
وتحت يافطة إعادة التوازن للقطاع الكهربائي، تبرّر السلطات الزيادة بضرورة تغطية تكاليف التشغيل واستمرار الخدمة، لكن الواقع الميداني يروي حكاية مختلفة، فكثير من المحطات متوقفة والشبكات متهالكة وانقطاعات تكاد تكون دائمة في أغلب المناطق.
ومع ضعف الدخل وارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، أصبحت الكهرباء رغم ندرتها عبئًا اقتصاديًا جديدًا يضاف إلى قائمة طويلة من الأزمات المعيشية التي تثقل كاهل المواطنين، وخاصة الطبقة الفقيرة.
ووراء هذا القرار تتبدّى أزمة أعمق من مجرد تسعيرة؛ إنها معادلة طاقة مختلّة تُحمّل المواطن تكلفة الانهيار بدل أن تقدّم حلولًا لاستعادته.
ويخشى غسان أعمى، وهو صاحب ورشة حدادة قرب العاصمة دمشق، من أن يعجز عن تأمين قوته اليومي بعد هذا القرار المفاجئ، إذ تم رفع تعرفة الكهرباء بعشرات الأضعاف في بلد لم يتعاف بعد من مخلفات النزاع.
وفي ورشة صغيرة في منطقة عين ترما تحيط بها منازل مهدمة جراء النزاع الذي امتد 14 عاما، يقول أعمى بقلق “فوجئنا بأن أسعار الكهرباء سوف ترتفع، ونحن مردود عملنا محدود”.
ويوضح الرجل أنه يدفع أساسا بدل اشتراك في مولّد ليتمكن من تشغيل ورشته في ظل انقطاع التغذية الحكومية بالتيار لفترات تتجاوز 20 ساعة يوميا، وسط أضرار بالغة تعانيها البنى التحتية خلال أعوام النزاع الذي انتهى بالإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر 2024.
وقال لفرانس برس “إذا كانت الفواتير مرتفعة قد لا نتمكن من تحصيل قوت يومنا،” مضيفا “كنا نتأمل أن تتحسن أحوالنا لا أن تتجه إلى الأسوأ. خرجنا للتو من حرب وبيوتنا دمرت واستدنت المال لأتمكن من تصليح الورشة.” ويتابع “عملي كله يتطلب الكهرباء”.
وأعلنت وزارة الطاقة أواخر أكتوبر الماضي، تعرفة جديدة للتغذية الكهربائية. ورفع سعر الكيلواط المخصص للاستهلاك المنزلي من 10 ليرات، إلى ما بين 600 و1400 ليرة (0.05 دولار و0.12 دولار).
تم زيادة سعر الكيلواط للاستهلاك المنزلي من 10 ليرات، إلى ما بين 600 و1400 ليرة (0.05 دولار و0.12 دولار)
ووضعت السلطات هذه الزيادة “في إطار مشروع إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة وتحسين الخدمة”. ويشرح مستشار وزير الاقتصاد مازن ديروان بأن رفع الأسعار يأتي ليتناسب مع الإنتاج وتحسين خدمة الكهرباء.
وكتب ديروان في منشور على فيسبوك “الخلل كان وما زال هو بيع الكهرباء بأسعار بالغة الانخفاض تؤدي إلى خسائر جمة لمنتجها… بالتالي لا مهرب من تعويم سعر الطاقة الكهربائية للحصول إنتاج وتوزيع كافيين”.
ويبلغ معدّل الاستهلاك المنزلي نحو ألف كيلواط شهريا، ما يعني أن الفاتورة قد تتخطى 1.4 مليون ليرة (130 دولارا)، في حين يبلغ الحدّ الأدنى للأجور 750 ألف ليرة (نحو 75 دولارا).
وقبل اندلاع الحرب بعد قمع السلطات حينها لتظاهرات مناهضة لها، كانت الكهرباء الحكومية متوافرة باستمرار وشبه مجانية.
ويشرح الخبير الاقتصادي جهاد يازجي بأن قرار رفع تعرفة الكهرباء “يندرج في إطار التحرير الاقتصادي الذي يبدو أن الحكومة أعلنت عنه مطلع العام”. ويضيف أن السلطات بقرارها تكون قد “وضعت حدا للإعانات للكهرباء”.
وعلى غرار أعمى، لا تعرف بائعة القهوة آلاء موسى كيف ستتمكّن من تأمين فاتورة الكهرباء. وتقول لفرانس برس من أحد شوارع دمشق “لا أحد سيدفع، لا أحد يملك المال (…) ولا يوجد عمل”.
وتضيف باستياء “كنا فرحين، توقعنا أنه سيكون هناك خير ونقود، لكن خنقنا، لا يوجد شيء، لا نقود”. ولا تخفي بائعة الخبز أم الزين (43 عاما) خشيتها من صعوبة تأمين كلفة فاتورة الكهرباء والأقساط التعليمية لولديها في الوقت عينه.
وتقول “بالكاد أدفع قسط ابني في الجامعة ودروس ابنتي الخصوصية في البكالوريا… الكهرباء بالكاد تأتي ساعة (في اليوم)، وإذا لم تأت الكهرباء، لا تأتي الماء”، مضيفة “سوف نتدفأ تحت البطانيات في الشتاء!”.
ومنذ وصولها إلى الحكم قبل نحو عام، تعهدت السلطات مرارا برفع ساعات التغذية بالكهرباء، وسعت لاستيراد الغاز من تركيا وقطر لزيادة الإنتاج.
ووقّعت دمشق مذكرات تفاهم مع تركيا ودول خليجية في إطار سعيها لجذب الاستثمارات وترميم بنيتها التحتية.
وفي أغسطس، بدأت تركيا توريد الغاز من أذربيجان الى سوريا بمقدار ملياري متر مكعب سنويا، ما من شأنه أن يوفر 1200 ميغاواط من الكهرباء. وأمّنت قطر من جهتها في مارس 400 ميغاواط من الكهرباء يوميا عبر إمدادات الغاز عن طريق الأردن.
لكن حاجات البلاد في مجال إعادة الإعمار، بما في ذلك محطات الطاقة، لا تزال كبيرة. وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، من بينها 108 مليارات أضرار مادية مباشرة للبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية.
وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين اليوم تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة عاطل عن العمل.
يقول أحمد يونس العبد، وهو من سكان عين ترما، إن “الشتاء مقبل، ولا المولد وكهرباء الدولة متوفرة، كلاهما باهظ الثمن، ونحن محرومون منهما، والوقود باهظ، كيف نتدفأ؟”.
ويتابع الرجل “كنا نتأمل أن تتحسن الأوضاع، والأسعار وأن يرأفوا بحال هذا الشعب الذي لا يملك شيئا”.
