تركيا تطلق "الدرع الرقمي" بهدف حماية الأطفال من المخاطر الرقمية
إسطنبول – تشهد تركيا نقاشا متزايدا حول مخاطر الفضاء الرقمي على الأطفال، ما يدفع إلى تعزيز السياسات الحكومية لتنظيم هذا المجال وحماية الفئات المعرضة للخطر.
ومنذ حادثة العنف المدرسي بولاية كهرمان مرعش، أطلقت تركيا “الدرع الرقمي” بهدف حماية الأطفال من المخاطر الرقمية والاجتماعية.
ويعتمد “الدرع الرقمي”، الذي برز كإطار جديد للحماية، على أدوات رقابية وبيانات اجتماعية لرصد المخاطر مبكرا، بهدف الدمج بين دور الدولة ودور الأسرة للحد من التهديدات الاجتماعية.
وقالت وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية ماهينور أوزدمير غوكطاش، في تصريحات صحفية، إنه مع تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الخامسة عشرة أنشأت تركيا درعا رقميا للأسر.
فبينما يبلغ سن الحصول على رخصة القيادة أو حق التصويت 18 عاما، يبلغ متوسط سن الدخول إلى وسائل التواصل الاجتماعي ستة أعوام.
وأوضحت الوزيرة أن الخطر الحقيقي اليوم بات داخل غرف المنازل، لأن الهواتف الآن متاحة للجميع، بينما كان الخطر قديما يكمن في الشارع.
شركات وسائل التواصل الاجتماعي تحذر من أن حظر استخدامها على القاصرين قد يفشل بسبب ضعف تقنية التحقق من العمر، وقد يدفع الأطفال إلى استخدام منصات غير خاضعة للرقابة
وبحسب غوكطاش، تتمثل أبرز التحديات الرقمية في قضاء معظم الأطفال ما بين 3 إلى 5 ساعات يوميا على المنصات، وانخفاض مدة تركيزهم إلى نحو 8 ثوان فقط.
وأشارت غوكطاش إلى أن الخطر الأكبر هو إلغاء الحواجز العمرية، إذ يظن بعض الأطفال أنهم يلعبون مع أقرانهم، بينما يكونون في الواقع في مواجهة بالغين، كما يفضل الأطفال الشخصيات الأكثر عنفا في الألعاب، وبينما تمنح تلك الشخصيات الأطفال ثقة وهمية بالنفس، فإن هوس الحصول على مشاهدات يدفعهم نحو العزلة الاجتماعية.
وأكدت الوزيرة ضرورة إعلان استنفار مجتمعي لحماية الأطفال رقميا، قائلة “لا يمكننا ترك أطفالنا في منتصف دهليز مظلم”.
وبهدف الرصد المبكر للمخاطر تدرس الوزارة منذ عام ونصف العام خارطة المخاطر الاجتماعية عبر تحليل مؤشرات اجتماعية واقتصادية ونفسية لإنشاء نقاط تقييم للمخاطر الاجتماعية على مستوى الولايات والأحياء والأسر.
وتهدف تركيا إلى تنظيم الفضاء الرقمي عبر حزمة من الإجراءات التشريعية والتقنية لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت. وتشمل هذه الخطوات تقييد وصول الأطفال الأصغر من 15 عاما إلى وسائل التواصل الاجتماعي وتفعيل أنظمة التحقق من الهوية وتشديد العقوبات على المنصات المخالفة. وأوضح وزير العدل التركي أكين غورليك أنه سيتم الدخول إلى المنصات عبر نظام تحقق مرتبط بالهوية من خلال بوابة الحكومة الإلكترونية باستخدام رمز تحقق لهذا الغرض.
وسيُطبَّق النظام دون مشاركة بيانات الهوية مع المنصات، مع إمكانية إنشاء حسابات بأسماء مستعارة شريطة ربط الحساب برقم الهوية الوطنية، وفق ما أفاد به الوزير.
ومن المتوقع تنفيذ هذه الإجراءات خلال جدول زمني مدته 9 أشهر، يشمل إعداد البنية التحتية التقنية وإنشاء المنصات لأنظمتها الخاصة واستكمال دمج المستخدمين الحاليين في النظام.
ويصف الخبراء التنظيم الجديد بأنه الأول من نوعه على مستوى العالم، ويشيرون إلى أنه سيشمل المنصات التي يتجاوز عدد مستخدميها اليومي في تركيا مليون شخص مثل إنستغرام ويوتيوب وإكس وتيك توك.
وكان البرلمان التركي قد أقرّ قانوناً جديداً يحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن الخامسة عشرة، في خطوة تعكس تشديد أنقرة للرقابة على البيئة الرقمية وتعزيز الضوابط المنظمة لحماية القُصّر على الإنترنت.
وينص القانون على إلزام منصات التواصل باتخاذ إجراءات للتحقق من أعمار المستخدمين، إلى جانب إخضاع منصات وبرمجيات الألعاب الرقمية للقواعد التنظيمية الجديدة، بما يشمل تصنيف الألعاب وفق الفئات العمرية المناسبة.
توصيات بفرض قيود على استخدام الإنترنت ليلا للأجهزة التي يستخدمها القصر دون سن الثامنة عشرة، وتنقية إلزامية للمحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي حتى سن الثامنة عشرة
كما يُلزم التشريع المنصات التي تضم قاعدة مستخدمين كبيرة بتعيين ممثلين لها داخل تركيا، في إطار تعزيز الامتثال المحلي ومتابعة تطبيق الضوابط الجديدة، وسط توجه متنامٍ عالمياً نحو تشديد تنظيم المحتوى الرقمي الموجّه للأطفال.
يأتي إقرار القانون في وقت تتجه فيه عدة دول إلى فرض قيود مشابهة على استخدام القُصّر وسائل التواصل الاجتماعي، مع تصاعد المخاوف بشأن السلامة الرقمية والإدمان الإلكتروني وتأثير المنصات على صحة الأطفال النفسية.
كما يعكس القرار اتجاهاً تركياً أوسع لتشديد الرقابة على المنصات الرقمية بعد سلسلة من التنظيمات السابقة التي استهدفت المحتوى وشركات التكنولوجيا العالمية.
ومن المتوقع أن يوقّع الرئيس رجب طيب أردوغان على القانون الذي قدّمه حزبه، على أن يدخل حيّز التنفيذ بعد ستة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية، فيما يفرض التشريع على كبرى المنصات التدخل خلال ساعة واحدة في حال الإبلاغ عن “حالة طارئة” مرتبطة بمحتوى ضار.
ويأتي هذا التوجّه في تركيا بعد مرور أيام على هجوم دموي داخل مدرسة في كهرمان مرعش، نفّذه مراهق يبلغ 14 عاماً وأودى بحياة تسعة أشخاص، من بينهم ثمانية تلاميذ ومدرّسة، في حادثة صدمت الشارع وأعادت إلى الواجهة ملف العنف المدرسي. وأظهرت التحقيقات أنّ منفّذ الهجوم كان قد لوّح مراراً بنيّته تنفيذ الجريمة، إلا أنّ المحيطين به لم يأخذوا تهديداته على محمل الجد، في حين أن المعطيات تشير إلى تحضير مسبق للهجوم، إضافة إلى نشاط المراهق على منصات رقمية مثل ديسكورد، ما دفع السلطات إلى فحص محتوى المحادثات بحثاً عن مؤشرات إضافية أو احتمال وجود محرّضين.
وكان تقرير للبرلمان التركي قد أوصى بفرض قيود على استخدام الإنترنت ليلا للأجهزة التي يستخدمها القصر دون سن الثامنة عشرة، وتنقية إلزامية للمحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي حتى سن الثامنة عشرة، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي حتى سن السادسة عشرة.
وحذرت شركات وسائل التواصل الاجتماعي من أن حظر استخدامها على القاصرين قد يفشل بسبب ضعف تقنية التحقق من العمر، وقد يدفع الأطفال إلى استخدام منصات غير خاضعة للرقابة.
وتفرض تركيا قيودا صارمة على شركات وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تم حظر منصة الألعاب روبلوكس ومنصة ديسكورد، وموقع مشاركة القصص واتباد في تركيا منذ عام 2024. كما حظرت تركيا موقع ويكيبيديا لمدة ثلاث سنوات تقريبا.