تردد إقليمي ودولي يفتح الطريق أمام تمدد الحوثيين
الرياض/صنعاء- لم يكن وصول الحوثيين إلى الساحل الغربي لليمن حدثا مفاجئا، بقدر ما كان نتيجة لمسار تصاعدي وجد خلال أسابيع مساحة واسعة للمناورة، فيما انشغلت القوى الإقليمية والدولية بإدارة ملفات أكثر إلحاحا، وفي مقدمتها الحرب مع إيران وأمن مضيق هرمز. ومع سيطرة الحوثيين على المخا واقترابهم من باب المندب، تبدو المعادلة أكثر صعوبة: القوة التي كان يمكن احتواء تمددها في مرحلة مبكرة أصبحت اليوم ممسكة بموقع جغرافي يمنحها نفوذا مباشرا على أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.
ويكشف طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب شن ضربات ضد الحوثيين، ورفض ترامب الطلب، عن هذه المفارقة بوضوح. فبحسب تقرير «أكسيوس» الذي نقلته رويترز، أجرى ولي العهد اتصالين بالرئيس الأميركي الخميس طالب خلالهما بضرب الحوثيين، لكن ترامب رفض، فيما أكد مسؤولون أميركيون أن الإدارة لا تعتزم حاليا القيام بعمل عسكري مباشر ضد الجماعة. وقالت المصادر إن الأولوية الأميركية تظل الحرب مع إيران وتأمين مضيق هرمز وتجنب فتح جبهة عسكرية جديدة.
المشكلة أن الجبهة التي تحاول واشنطن تجنب فتحها ليست جبهة افتراضية. فهي تتشكل بالفعل على الساحل الغربي لليمن، حيث سيطر الحوثيون على المخا وتقدموا باتجاه جزر حنيش ومواقع قريبة من باب المندب، في وقت تحاول فيه القوات الموالية للحكومة والمدعومة من السعودية وقف هذا التقدم. وبحسب مصادر عسكرية يمنية نقلت عنها رويترز، بات الحوثيون أقرب إلى فرض نفوذ على أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
◄ لا تكمن المفارقة في أن ترامب رفض الضربات فحسب، وإنما في أن الرفض جاء بعدما أصبح الحوثيون أقرب إلى باب المندب مما كانوا عليه قبل أسابيع
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز الموقف الأميركي الحالي: ما جدوى الانتظار حتى يتحول الخطر إلى أمر واقع قبل التحرك لاحتوائه؟
فالحوثيون لم يبدأوا من المخا. الجماعة تملك منذ سنوات السيطرة على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، وتمكنت من بناء قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وشبكات بحرية، واستخدمت موقعها على البحر الأحمر للضغط على الملاحة. لكن التصعيد الحالي نقل المسألة إلى مستوى مختلف، بعدما أصبح التمدد على الساحل الغربي مرتبطا مباشرة بمضيق باب المندب وبالطرق البديلة التي تعتمد عليها دول الخليج بعد اضطراب الملاحة في هرمز.
وتزداد حساسية التطور بالنسبة إلى السعودية تحديدا. فقد أصبحت الرياض تعتمد بدرجة أكبر على مسار البحر الأحمر لتصدير جزء من نفطها بعدما تضررت حركة الطاقة عبر هرمز. ولذلك فإن انتقال الحوثيين جنوبا على الساحل الغربي لا يمثل مجرد خسارة عسكرية للقوات الحكومية اليمنية، وإنما يهدد أحد البدائل التي تحاول السعودية استخدامها لتخفيف أثر إغلاق هرمز. وقد ارتبط التقدم الحوثي بالفعل بارتفاع أسعار النفط وتصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات.
ويشير ذلك إلى أن التراخي في مواجهة الحوثيين لم يعد ينتج مشكلة يمنية محضة. فكل كيلومتر إضافي يقطعه الحوثيون باتجاه باب المندب يرفع كلفة أي محاولة لاحقة لإعادتهم إلى الوراء، ويجعل المواجهة مرتبطة بحماية الملاحة الدولية وأمن الطاقة، وليس فقط بإعادة رسم خطوط السيطرة داخل اليمن.
واللافت أن الموقف الأميركي نفسه مر بتحول خلال فترة قصيرة. ففي يوليو، كان ترامب قد أعطى، بحسب «أكسيوس»، دعما لولي العهد السعودي بشأن تحرك عسكري ضد الحوثيين، في سياق تصعيد اعتبر حينها الأخطر منذ انهيار الهدوء النسبي الذي ساد اليمن منذ 2022. أما الآن، وبعد توسع الحوثيين على الساحل، فقد أصبح الاتجاه الأميركي أكثر حذرا، مع تفضيل زيادة الدعم للسعودية وتنسيق الجهود من دون تدخل عسكري مباشر.
◄ القوة التي كان يمكن احتواء تمددها في مرحلة مبكرة أصبحت ممسكة بموقع جغرافي يمنحها نفوذا مباشرا على أحد أهم ممرات التجارة والطاقة
وهذا التحول يطرح سؤالا عن طبيعة الاستراتيجية الأميركية: هل المطلوب منع الحوثيين من التمدد، أم فقط ضمان ألا يتحول نفوذهم إلى تهديد مباشر للملاحة الدولية؟ الفرق بين الخيارين كبير. فسياسة الاحتواء قد تسمح للجماعة بالسيطرة على مناطق جديدة طالما بقيت خطوط الملاحة مفتوحة، بينما تعني سياسة المنع التدخل قبل أن يصبح الحوثيون في موقع يمكنهم من التحكم في حركة السفن أو ابتزاز الأطراف الإقليمية.
وتزداد صعوبة الخيار الثاني مع وجود مؤشرات على إسناد إيراني للحوثيين. فقد نقلت رويترز عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن التقدم السريع على ساحل البحر الأحمر جاء مع توجيه من الحرس الثوري الإيراني بهدف فتح جبهة جديدة في الحرب مع الولايات المتحدة، فيما تنفي طهران أنها تسيطر مباشرة على الجماعة.
بذلك يصبح الساحل الغربي لليمن جزءا من حرب أوسع على الممرات البحرية. فإيران تضغط في هرمز، والحوثيون يقتربون من باب المندب، والسعودية تحاول الحفاظ على طريق البحر الأحمر كبديل، بينما تحاول الولايات المتحدة ألا تتورط في جبهة جديدة وهي تخوض مواجهة مفتوحة مع طهران.
لكن هذه الحسابات قد تنتج نتيجة عكسية. فكلما تأخر التحرك، أصبحت العودة إلى الوضع السابق أكثر صعوبة، وكلما اتسعت رقعة سيطرة الحوثيين، ارتفعت كلفة إجبارهم على التراجع. وما كان يمكن أن يكون في مرحلة سابقة عملية ردع محدودة قد يتحول لاحقا إلى معركة أكبر لحماية الساحل والملاحة.
لذلك لا تكمن المفارقة في أن ترامب رفض الضربات فحسب، وإنما في أن الرفض جاء بعدما أصبح الحوثيون أقرب إلى باب المندب مما كانوا عليه قبل أسابيع. وإذا كان الهدف هو تجنب حرب جديدة، فإن السؤال يبقى: هل يؤدي تأجيل المواجهة إلى خفض كلفتها، أم يسمح للحوثيين ببناء واقع عسكري يجعل المواجهة المقبلة أكثر كلفة؟
المعضلة الإقليمية والدولية اليوم ليست فقط في كيفية وقف الحوثيين، بل في تحديد السياسة التي يمكن أن تمنع تحول تمددهم إلى قاعدة دائمة للضغط على الملاحة والطاقة. فبين إدارة الفوضى ومنع تشكلها فارق قد يبدو صغيرا في لحظة الأزمة، لكنه يصبح كبيرا عندما تصل الجماعة إلى الساحل الغربي وتقترب من باب المندب.