ترامب وقادة الخليج: غطاء للهجوم أم مهلة للوساطات؟
نيويورك – يصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اجتماع مع قادة ومسؤولي دول مجلس التعاون الخليجي في نيويورك، الثلاثاء، بينما تقف المنطقة أمام احتمالين متناقضين: تصعيد أميركي جديد ضد إيران، أو منح العقوبات والوساطات فرصة إضافية لدفع طهران إلى تسوية تفتح مضيق هرمز وتخفف تهديدات الملاحة في البحر الأحمر. وبين الخيارين، تبدو السعودية أمام اختبار خاص، بعدما أصبحت مصالحها النفطية والأمنية عرضة لضغوط متزامنة من إيران والحوثيين.
ويأتي الاجتماع في وقت تتداخل فيه الحرب مع الدبلوماسية بصورة غير مسبوقة. فترامب يواصل إطلاق تهديدات شديدة اللهجة ضد طهران، لكنه أبقى في الوقت نفسه باب اللقاء مفتوحاً مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فيما تحاول قطر إعادة تحريك قنوات الوساطة، بينما تدرس دول الخليج تداعيات أي تصعيد جديد على أراضيها ومنشآتها وممراتها التجارية. ووفق رويترز، يلتقي ترامب ممثلي السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان لبحث مسار الحرب مع إيران والقلق المتزايد من هجمات الحوثيين على السعودية.
وتبدو هذه المعادلة هي المدخل الأهم لفهم الاجتماع. فإذا كانت واشنطن تتحرك نحو جولة عسكرية جديدة، فإنها تحتاج إلى طمأنة حلفائها الخليجيين، وربما إلى معرفة حدود استعدادهم لتحمل الرد الإيراني. أما إذا كان ترامب يريد مواصلة الضغط الاقتصادي، فقد يكون الاجتماع مناسبة لإقناع الخليجيين بأن العقوبات والحصار يمكن أن يحققا ما لم تحققه الضربات، شرط منح المسار وقتاً إضافياً.
وقد أظهرت التطورات السابقة أن موقف الخليج يمكن أن يؤثر في الحسابات الأميركية. ففي أغسطس، قال ترامب إن مواقف قادة خليجيين، بينهم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ساهمت في قراره العدول عن ضربة أميركية كبيرة كان يعتزم تنفيذها ضد إيران، والعودة إلى مسار دبلوماسي تضمن آنذاك أفكاراً حول إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الهجمات الإقليمية.
لكن الظروف تبدو اليوم أكثر تعقيداً. فالتسوية التي كان يجري البحث بشأنها لم تصمد، بينما استمر الضغط على هرمز وتصاعدت الهجمات الحوثية على السعودية. وفي الأيام الأخيرة، حذر الحرس الثوري الإيراني من أن أي تصعيد أميركي جديد سيقابل بتغيير في الاستراتيجية والأهداف، في وقت أصابت فيه مقذوفات مجهولة ناقلة في مضيق هرمز وأصيب اثنان من أفراد طاقمها، بحسب وكالة أسوشيتد برس.
وكانت طهران قد وجهت بدورها رسائل واضحة بأنها لا تريد العودة ببساطة إلى الوضع الذي سبق الحرب. وفي سبتمبر، نقلت رويترز أن إيران أبقت على موقفها القائل بعدم إعادة فتح هرمز ما لم تتحقق شروط مرتبطة بوقف الحصار الأميركي ورفع العقوبات وترتيبات أخرى، فيما قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن طهران ستواصل الجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسية.
في المقابل، تراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي بدأ يؤثر في قدرة إيران على الصمود. وكانت رويترز قد نقلت في وقت سابق من سبتمبر عن مسؤولين ومصادر إيرانية وإقليمية أن الحملة الأميركية، التي تجمع العقوبات والحصار البحري، خلقت واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية التي تواجهها إيران، وأن واشنطن تراهن على دفع طهران إلى قبول حرية الملاحة في هرمز. لكن التقرير نفسه أشار إلى استمرار الشكوك في أن الألم الاقتصادي وحده سيكون كافياً لإجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات سياسية وأمنية واسعة.
وهنا يصبح السؤال الخليجي أكثر إلحاحاً: كم من الوقت يمكن لدول الخليج أن تنتظر نتائج استراتيجية الضغط الأميركية، بينما تتحمل هي جزءاً من كلفتها؟
فالسعودية تحديداً لا تواجه تهديداً نظرياً. فقد استهدفت هجمات الحوثيين الأراضي السعودية، بينما أدت الهجمات على خط أنابيب الشرق-الغرب إلى اضطراب بعض صادرات المملكة عبر البحر الأحمر، ما دفع شركة أرامكو إلى زيادة الشحنات عبر مضيق هرمز إلى أعلى مستوى في ستة أشهر، وفق بيانات تتبع الناقلات نقلتها رويترز.
إذا كانت واشنطن تتحرك نحو جولة عسكرية جديدة، فإنها تحتاج إلى طمأنة حلفائها الخليجيين، ومعرفة حدود استعدادهم لتحمل الرد الإيراني
وهذا التطور يكشف مفارقة استراتيجية. فالسعودية عملت على مدى سنوات لتقليل اعتماد صادراتها على هرمز عبر خط أنابيب إلى البحر الأحمر، لكن اضطراب الطريق البديل بفعل الهجمات أعادها إلى المضيق الأكثر حساسية. وبذلك لا يصبح السؤال بالنسبة إلى الرياض مجرد كيفية مواجهة إيران، بل كيف تحافظ على خياراتها الاقتصادية إذا استمر الضغط على أكثر من طريق بحري وبري في آن واحد.
وتدرك واشنطن هذه الحساسية. فالهجوم على السعودية لا يهدد حليفاً إقليمياً فقط، وإنما يضغط أيضاً على أسواق الطاقة. وقد ارتفعت أسعار النفط الثلاثاء مع ترقب الأسواق لاحتمال استئناف الاتصالات الأميركية الإيرانية، فيما بقيت الأسواق شديدة الحساسية لأي تطور في هرمز. ووصل خام برنت إلى أكثر من 102 دولار للبرميل في التعاملات المبكرة، بحسب رويترز.
لكن استمرار الأزمة لا يخدم الخليج اقتصادياً. فاضطراب هرمز أصاب حتى خطط التوسع في قطاع الغاز القطري؛ إذ قالت قطر للطاقة إن تعطل الملاحة قد يؤخر بعض مراحل توسعة حقل الشمال الشرقي بسبب صعوبة وصول المعدات. كما أدى الهجوم على منشآت رأس لفان إلى تعطيل جزء من قدرة قطر على إنتاج الغاز الطبيعي المسال.
لذلك قد يكون أحد أهداف ترامب في الاجتماع هو إقناع الخليجيين بأن الطريق إلى إعادة فتح هرمز لا يمر بالضرورة عبر حرب جديدة، وإنما عبر مواصلة الضغط إلى أن تجد طهران نفسها أمام خيار تفاوضي أقل كلفة من استمرار المواجهة.
وتجد هذه المقاربة سنداً في تحرك قطر. فالدوحة حاولت في الأسابيع الماضية إعادة إطلاق المسار الدبلوماسي مع طهران، بعدما زار رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إيران بهدف تشجيع العودة إلى المفاوضات. وكانت رويترز قد نقلت أن واشنطن ركزت آنذاك على حملة العقوبات، فيما بقيت قضية هرمز أحد أهم الملفات العالقة بين الطرفين.
غير أن الوساطة تواجه عقبة أساسية: الهوة بين شروط الطرفين. إيران تريد ترتيبات تضمن تخفيف الحصار والعقوبات، بينما تريد واشنطن حرية الملاحة وتراجع قدرة طهران على استخدام هرمز كورقة ضغط. وبينهما يظل الخليج هو المنطقة الأكثر تعرضاً للنتائج المباشرة لأي فشل أو نجاح.
ومن هنا يمكن أن يكون اجتماع نيويورك محاولة لاختبار استعداد السعودية وبقية دول الخليج لتحمل فترة إضافية من الضغط الاقتصادي، مقابل ضمانات أمنية أميركية، بدلاً من الدخول فوراً في مواجهة عسكرية جديدة. لكن لا يمكن استبعاد الخيار الآخر، خصوصاً مع استمرار ترامب في إبقاء التهديد العسكري قائماً، ومع تصريحات إيرانية تتوعد برد أوسع إذا عادت الضربات.
وتضيف إسرائيل عاملاً آخر إلى هذه المعادلة. فقد تحدثت القناة 12 الإسرائيلية عن رفع مستوى التأهب تحسباً لتصعيد محتمل مع إيران، ونقلت تقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن طهران قد تلجأ إلى ضربة استباقية إذا فشلت محاولات استئناف المفاوضات. وتبقى هذه التقديرات إسرائيلية المصدر، ولا تعني وجود قرار إيراني مؤكد بشن هجوم.
لكن مجرد بقاء هذه السيناريوهات على الطاولة يجعل هامش المناورة الخليجية أضيق. فإذا شجعت واشنطن التصعيد، ستكون الرياض مطالبة بحساب احتمالات الرد الإيراني والحوثي. وإذا اختارت مواصلة الضغط، فستحتاج إلى إقناع حلفائها بأن كلفة الانتظار مؤقتة وأنها تقود إلى نتيجة قابلة للتحقق.
وهنا تتجاوز أهمية الاجتماع مجرد التنسيق الأميركي الخليجي. فالقادة الخليجيون لا يبحثون فقط عن موقف واشنطن من إيران، بل عن إجابة عن سؤال أوسع: هل تريد الولايات المتحدة إنهاء الحرب عبر الضغط، أم إعادة تشكيل ميزان القوة عبر جولة عسكرية جديدة؟