بين رغبات الأبناء وميزانية البيت، تصبح المحفظة قرارا عائليا

معركة سبتمبر الحقيقية تبدو بالنسبة إلى كثير من الأسر في كيفية توزيع المصاريف، وترتيب الأولويات، وتحويل موسم العودة من ضغط مالي كبير إلى بداية مستقرة لعام دراسي جديد.
الجمعة 2026/09/04
عودة مدرسية بطعم مختلف

مع اقتراب 15 سبتمبر، لا تستعد العائلات التونسية للعودة المدرسية بالطريقة نفسها التي اعتادت عليها في السنوات الماضية. فالمسألة لم تعد مجرد شراء محفظة جديدة وملابس وأدوات مدرسية، وإنما أصبحت عملية تفكير تبدأ من السؤال الأكثر بساطة: ماذا نحتاج فعلا، وما الذي يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه؟

داخل الكثير من البيوت، تحولت قائمة المستلزمات المدرسية إلى ورقة حسابات.

الأبوان يراجعان ما تبقى من السنة الماضية، ويفحصان حالة المحافظ والأقلام والملابس والأحذية، قبل التوجه إلى الأسواق.

وما كان في السابق يُستبدل بسهولة أصبح اليوم مرشحا للاستعمال مرة أخرى إذا كان لا يزال صالحا.

هذا التغيير لا يرتبط فقط بالأسعار، وإنما يعكس سلوكا جديدا في إدارة ميزانية الأسرة.

فالعائلة التي لديها أكثر من طفل متمدرس تجد نفسها أمام مصاريف متزامنة، ولذلك أصبح توزيع المشتريات على مراحل، ومقارنة الأسعار، والبحث عن البدائل، جزءا من طقوس العودة المدرسية نفسها.

وفي المقابل، بدأ مفهوم “الجديد” يفقد شيئا من حضوره داخل بعض الأسر، فالمحفظة القديمة قد تحصل على فرصة ثانية، والملابس يمكن أن تنتقل من طفل إلى آخر، والكتب التي انتهى أصحابها منها تصبح ذات قيمة بالنسبة إلى تلميذ آخر.

هكذا تتحول أشياء بسيطة كانت تعتبر مستعملة إلى وسائل لتخفيف الضغط عن ميزانية الأسرة.

بين رغبة الأطفال في بداية جديدة وحرص الآباء على ضبط الإنفاق، تتشكل ملامح عودة مدرسية تعكس تغيرًا أعمق في عادات الأسرة التونسية وطريقة تعاملها مع المصاريف

وتكشف هذه العادات الجديدة أيضا عن تغير في علاقة العائلة بالاستهلاك، فالمنافسة على الماركات والمنتجات الباهظة لا تعني بالضرورة أنها الخيار الأول للجميع، خصوصا عندما تتعدد الاحتياجات.

ومع اقتراب العودة، يصبح السؤال لدى كثير من الأولياء مرتبطا بالجودة والسعر والاستعمال الفعلي أكثر من ارتباطه بالشكل أو الاسم التجاري.

لكن الضغط لا يأتي من الأدوات وحدها، فالعودة المدرسية تعني كذلك مصاريف النقل والوجبات والمصاريف اليومية، وقد تضاف إليها لاحقا دروس الدعم والأنشطة والاحتياجات التي تظهر خلال السنة.

ولذلك فإن ما يبدو في البداية “مصاريف سبتمبر” يمكن أن يتحول إلى التزام مالي يمتد إلى نهاية السنة الدراسية.

ومن اللافت هذا العام أن الاستعداد للعودة يأخذ أشكالا مختلفة، بينها مبادرات في العديد من المناطق التونسية  تجمع الكتب والأدوات وتعيد توزيعها على المحتاجين.

كما أن التحرك الرسمي لم يعد منفصلا عن هذه الضغوط، فقد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية صرف المساعدات المدرسية خلال سبتمبر، مع تخصيص 100 دينار لنحو 430 ألف تلميذ من أبناء العائلات المعوزة ومحدودة الدخل، إلى جانب مساعدات موجهة إلى الطلبة.

وفي جانب آخر، تدخل التكنولوجيا تدريجيا في تفاصيل العودة المدرسية، فحتى عملية البحث عن الكتاب المدرسي أصبحت مرتبطة بتطبيقات وخدمات رقمية، بينما تجمع فعاليات جديدة بين المستلزمات التقليدية والتعليم الرقمي وتقنيات التعلم الحديثة.

لكن خلف هذه التحولات كلها تبقى العائلة هي الطرف الذي يحاول ترتيب المعادلة، الأولوية هي أن يدخل الطفل المدرسة في ظروف جيدة، من دون أن تدفع الأسرة ثمن ذلك على حساب احتياجات أخرى لا تقل أهمية.

ومن هنا أصبحت العودة المدرسية اختبارا يوميا لقدرة الأولياء على الاختيار أكثر من كونها مجرد موسم للتسوق.

وربما يكون التغيير الأبرز أن العائلة التونسية بدأت تنظر إلى العودة المدرسية باعتبارها موسما يحتاج إلى التخطيط وليس الإنفاق فقط. فكل دينار يتم توفيره في شراء أداة غير ضرورية قد يكون مخصصا للنقل أو الطعام أو حاجة أخرى تظهر لاحقا، وكل قطعة يعاد استخدامها تعني مساحة إضافية في ميزانية الأسرة.

ومع اقتراب موعد العودة، تبدو الصورة مختلفة من بيت إلى آخر، لكن القاسم المشترك واضح: المدرسة تعود في 15 سبتمبر، بينما تعود معها أيضا أسئلة العائلات حول ما تستطيع شراءه، وما يمكن إعادة استعماله، وكيف يمكن أن تمتد الميزانية إلى نهاية العام.

وبين رغبة الأطفال في بداية جديدة وحرص الآباء على ضبط الإنفاق، تتشكل ملامح عودة مدرسية تعكس تغيرًا أعمق في عادات الأسرة التونسية وطريقة تعاملها مع المصاريف.