بيزشكيان يرفض "الشرطي الأميركي" ويعلن مسارا لهرمز من مسقط

الرئيس الإيراني يهاجم الوجود العسكري الأجنبي في قمة بريكس ويكشف عن اتفاقية إقليمية مرتقبة لتأمين الملاحة
السبت 2026/09/12
بيزشكيان يرفض الوصاية الغربية

نيودلهي - في رسالة تحد واضحة للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط، وجه الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان انتقادات حادة للوجود العسكري الغربي، معتبرا أن الشرق الأوسط ليس بحاجة إلى "شرطي"، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة التي شنّت مع إسرائيل حربا واسعة على طهران في فبراير الماضي.

وجاءت هذه التصريحات الحازمة خلال لقاء جمع بيزشكيان برئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم على هامش قمة مجموعة "بريكس" في العاصمة الهندية نيودلهي. وقال بيزشكيان في هذا السياق "لسنا بحاجة إلى شرطي للمنطقة"، مضيفا أن "سلامة أراضي المنطقة وأمنها لا تضمنهما سوى الأطراف الرئيسية فيها والدول التي تشكلها".

ويعكس هذا التأكيد الإيراني المستمر على أن المنطقة "ليست بحاجة إلى شرطي أجنبي" مسعى استراتيجيا لتوظيف التحالفات الدولية الصاعدة لمنح شرعية سياسية للمشروع الإقليمي الإيراني الرامي لإدارة الممرات المائية الحيوية بمعزل عن الهيمنة الأميركية المطلقة.

وتكتسب هذه المواقف أهمية مضاعفة لكونها تأتي في توقيت بالغ الحساسية الجيوسياسية، على وقع تداعيات المواجهة العسكرية الشاملة التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي بين طهران من جهة، والتحالف الأميركي الإسرائيلي من جهة أخرى؛ وهي المواجهة التي خلفت خسائر بشرية ومادية فادحة تجاوزت ثلاثة آلاف قتيل، ودفعت بالصراع نحو معترك حاسم حول السيطرة على شرايين الطاقة العالمية في مضيق هرمز.

وفي سياق ترجمة هذا التوجه الميداني إلى خطوات عمليّة لكسر العزلة البحرية المفروضة، كشف الرئيس الإيراني في مقابلة تلفزيونية مع قناة "إنديا توداي" الهندية أن وزراء خارجية دول عربية سيجتمعون في العاصمة العمانية مسقط يوم الاثنين المقبل للتوقيع رسميا على اتفاقية لإنشاء مسار مشترك بين سلطنة عمان وإيران حول الملاحة الآمنة في مضيق هرمز، وإبلاغ المنظمة البحرية الدولية بها.

وأوضح بيزشكيان تفاصيل هذا التحرك قائلا" هذا الأسبوع، يوم الاثنين، يجتمع وزراء خارجية الدول العربية في مسقط للتوقيع على اتفاقية إنشاء مسار مشترك بين عمان وإيران في مضيق هرمز... والدول التي شُنّت هجمات علينا من أراضيها (من قبل الولايات المتحدة) ستكون حاضرة في هذا الاجتماع"، ملمحا إلى المواقف الإقليمية المتحفظة أو المتضررة من تداعيات الصدام المسلح.

تحركات بيزشكيان تكشف عن براغماتية إيرانية تسعى لتحويل مضيق هرمز من ساحة مواجهة مفتوحة إلى مسار تفاوضي تشرك فيه الجوار الإقليمي، لتقويض استراتيجية الحصار البحري الأميركي

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قد أعلن في وقت سابق عن عقد هذا الاجتماع الإقليمي بمشاركة ثامنة دول مطلة على الخليج، لمناقشة تحديد مسارات آمنة للسفن التجارية، بالتزامن مع تأكيد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، قرب إقرار ممر جديد خاضع لسيطرة طهران ومسقط.

وأفادت المعطيات الدبلوماسية بأن الاجتماع سيناقش إلى جانب القضايا الإقليمية الأخرى، نتائج المباحثات الإيرانية العمانية بشأن تحديد مسارات آمنة للسفن التجارية في مضيق هرمز.

وتكشف تحركات بيزشكيان الدبلوماسية عبر بوابة مسقط عن براغماتية سياسية تسعى لتحويل مضيق هرمز من ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة إلى مسار تفاوضي تشرك فيه الجوار الإقليمي، لتقويض استراتيجية الحصار البحري الأميركي.

وفي تعليقه المباشر على المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وتداعياتها الاقتصادية القاسية، أكد بيزشكيان صمود بلاده أن "المجتمعين ضدنا لم يتمكنوا من تحقيق أهدافهم عبر الحرب، ولهذا السبب اتجهوا إلى الضغوط الاقتصادية، لكننا لن نتوقف".

وعن الحصار البحري المفروض على بلاده من القوات الأميركية، شدد قائلا "بالتأكيد الطرق البحرية ليست مسارا تتوقف عليه حياتنا، ولن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم بهذه الطريقة أيضا"، مشيرا إلى أن مضيق هرمز سيفتح أبوابه كاملا أمام الملاحة الدولية إذا أوقفت الولايات المتحدة حصارها وهجماتها العسكرية.

وتكشف التحركات الإيرانية الأخيرة عن استراتيجية مزدوجة تجمع بين الرفض القاطع للهيمنة العسكرية الأمريكية في الخليج وبين الانخراط في مسارات دبلوماسية إقليمية تقودها سلطنة عمان لضمان تدفق السلع وحركة السفن. فمن ناحية، تصر طهران على إبعاد واشنطن عن إدارة أمن الممرات المائية، ومن ناحية أخرى، تحاول جذب الأطراف العربية والإقليمية لتفاهمات عملية تحفظ مصالحها الاقتصادية تحت وطأة العقوبات.

نجاح مسار مسقط قد يمثل مخرجاً لفتيل الأزمة المستعرة في مضيق هرمز، إلا أن ذلك يظل رهنا لمدى تجاوب القوى الكبرى والإرادة الإقليمية في تحييد شرايين الطاقة عن الصراعات العسكرية المفتوحة.